تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الإعلام الجديد: الحامل والمحمول

news-details

ثمة ملاحظتان اثنتان لا بد من البدء بهما، لوضع سياق العلاقة بين الإعلام الجديد وحدود الحامل والمحمول من بين ظهرانيه:

+ الأولى أن العالم يعيش، منذ حوالي ثلاثة عقود من الزمن، ثورة أو طفرة تكنولوجية عميقة في الطب والصيدلة، في البيوتكنولوجيا، في الفيزياء والرياضيات، ويعيش ثورة أعمق وأوضح على مستوى تكنولوجيا الإعلام والمعلومات والاتصال، في الأعتدة والأجهزة، كما على مستوى إنتاج وإعادة إنتاج وتخزين وترويج واستهلاك الكلمة والصوت والصورة.

+ الملاحظة الثانية: بصلب هذه الطفرة، نجد تقنية الرقمنة التي أفرزت تزاوجا بين قطاعات إعلامية كانت إلى حين عهد قريب شبه مستقلة ومتنافرة (تلفزيون، إذاعة، معلوماتية، صحافة مكتوبة...الخ)، وأفرزت بالآن ذاته، مهنا جديدة مرتبطة بذات الميدان، ولم تكن معروفة من ذي قبل.

الرقمنة أفرزت كل ذلك، لكنها أفرزت أيضا انفجارا في البث التلفزيوني العابر للقارات، وأفرزت شبكات رقمية ضخمة، لعل الشكل الجلي منها اليوم هو شبكة الإنترنيت، والويب بأجياله المختلفة، وما أتى به على مستوى الشبكات الاجتماعية (فايسبوك وتويتير والديلي موشيون وغيرهم).

هذه أمور لربما معروفة، لكن الذي لا ننتبه له كثيرا هو أن هذه الثورة زعزعت وإلى حد بعيد، مضمون وحدود العديد من المفاهيم التي عهدناها مستقرة في بنيتها، وعلى مستوى التحليل. إذ لم يعد لمفاهيم الدولة ورأس المال والعمل والثروة والحدود الوطنية وما سواها، لم يعد لها نفس المضمون، ولا نفس القيمة التحليلية التي لازمتها لزمن طويل.

بالتالي، فإن ظهور مفاهيم جديدة، من قبيل العمل عن بعد، والرأسمالية الإدراكية، والاقتصاد اللامادي، والاقتصاد الشبكي واقتصاد النيت، ثم الواقع والواقع الافتراضي أو الخائلي، والفضاء السايبيري، والتصويت عن بعد والديموقراطية الرقمية ...إن ظهورها إنما هو تجل ليس إلا من تجليات هذه الزعزعة التي حملتها ثورة تكنولوجيا الإعلام والمعلومات والاتصال.

هذه الموجة من المفاهيم لم تقف عند هذا الحد، بل ذهبت في مجال الإعلام والاتصال تحديدا، إلى استنبات مفاهيم جديدة لعل أكثرها رواجا وشيوعا مفهوم الإعلام الجديد.

عبارة الإعلام الجديد أو الصحافة الجديدة، هي عبارة ذات بعد وظيفي وإجرائي صرف، مفاده التمييز بين صحافة "تقليدية"، مكتوبة ومسموعة ومرئية، وصحافة تتخذ من الشبكات الرقمية حاملا جديدا لها: إما جزئيا بالانتقال إلى الشبكة مع الإبقاء على الصيغة التقليدية، صحافة ورقية كانت أم إذاعة أم تلفزيونا، أو كليا عبر خلق منبر إعلامي، الشبكة هي حامله الوحيد، دونما أن يكون لذات المنبر وجود مادي على الأرض.

وعليه، فقد انتقلت الإذاعة مثلا للشبكة، وأبقت على استوديوهاتها وبثها الأرضي والفضائي أيضا. وانتقلت التلفزة للشبكة، وأبقت على تواجدها بالكوابل وعلى السواتل، ثم انتقلت العديد من الصحف والجرائد للشبكة وأبقت على الصيغة الورقية المعهودة، وهكذا.

الملاحظ هنا أن الأدوار بقيت هي هي ، لم تتغير، على الرغم من تزعزع التراتبية، وتحول النموذج الاقتصادي وتغير الحامل جزئيا أو كليا.

لكن ثمة من الوسائل الإعلامية من آثر، لا سيما بالصحافة المكتوبة، من آثر أن يأخذ من الشبكة حامله وأداته في نشر وترويج المعلومة والخبر.

هذا "الصنف من الإعلام" هو الذي يطلق عليه اليوم مسمى الصحافة الألكترونية، والتي تحمل خصائص الشبكة من سرعة وآنية وسعة انتشار ورواج وتفاعية، وتحول المواطن من مستهلك للمعلومة إلى منتج لها أو مشارك في إنتاجها.

كل هذا قائم، لكن الثابت والقائم أيضا، أن الذي طرأ عليه التحول أكثر ليس الرسالة الإعلامية في طريقة جمعها وترتيبها والتأكد من صدقيتها وتقديمها للمتلقي. الذي تغير هو الحامل والحامل فقط.

بالتالي، فإن عبارة الصحافة الألكترونية المروج لها منذ مدة بالمغرب، ليست دقيقة كما قد يبدو للمرء ذلك، اللهم إلا إذا كان القياس مرتكزا على الحامل لا على المضمون... وهذا ما لا نسلم به كثيرا.

* "الإعلام الجديد: الحامل والمحمول"، 7 ماي 2012.

يمكنكم مشاركة هذا المقال