قضية الشهر: نوفمبر 2012
قابلية التحاور الحضاري: البعد الجوهري الغائب
د. يحيى اليحياوي - جامعة محمد الخامس - الرباط
مقدمة:
على الرغم من التراجع الملحوظ في منسوب الحدة الذي واكب أطروحتي الصراع والحوار الحضاريين، فإن المواقف المرتكزة عليهما لم تفرز مع الزمن، وبظل بروز أحداث دولية جسام ، لم تفرز إلا إعادة تمحورهما حول ذاتهما، بهذا الشكل أو ذاك، نافيتان عن بعضهما البعض، أية مصداقية أو فاعلية، أو نجاعة علمية أو عملية تذكر.
وبالمقابل، فإن ما استتبع هاتين الأطروحتين من اجتهادات معتبرة خاصة، أو طروحات تشارف على التنظير في بعضها، تحاول التجاوز على فكرة الصراع، بأفق فتح مسالك للتعارف والحوار، ما استتبعهما لم يوف إلا نسبيا في التخفيف من حدة التباين، والتنافر لحد الاحتقان في بعض الحالات، القائمين بين أطروحتي الصراع وغياب الصراع، بل بقيت محكومة بزاوية الرؤية الناظمة لها، أو المقاربة المعتمدة في صياغتها.
إن أطروحة صراع الحضارات، وما استتبعها من جدل صاخب في العديد من أوجهه، لا تؤشر برأينا عن قوة ما ملازمة للفكرة، ولا عن مدى القوة التفسيرية التي قد تتمتع بها، بل تأتت وتتأتى لها عناصر القوة ومعطيات الرواج والانتشار، من طبيعة الجهة التي استنبتتها وروجت لها، وبنت على أساسها المواقف والسياسات، وحددت على ضوئها طبيعة العلاقة مع الحضارات الأخرى.
إن القول بحوار الحضارات، أو الثقافات أو الديانات أو الهويات أو ما سواها، إنما هو قول يبدو للعديد، من قبيل تحصيل المحصل، إذ نادرا ما انقطع ذات الحوار أو تخلف أصحابه، حتى وإن خفت وتيرته لهذا السبب أو ذاك، أو تراجع مده ومداه، بظل هذا المعطى التاريخي أو ذاك.
تمهيد:
قلما انعقدت، بالعقود الثلاثة الماضية على الأقل، بمعظم دول العالم، مؤتمرات أو لقاءات فكرية، أو منتديات علمية وفكرية لمدارسة هذه القضية أو تلك، إلا واستحضرت وتداولت، ضمنيا أو على هامش اللقاءات، قضايا وإشكالات تحيل صوبا على صراع ما بين الحضارات أو الثقافات(1)، أو ممانعة ما بين الهويات أو الأديان أو المرجعيات، أو أشارت في بياناتها الختامية الرسمية، إلى ضرورة وقيمة الحوار والتواصل، وأهمية تعميق سبل الاتصال والتعارف، لدرء مخاطر المواجهة، أو تجنب احتمال التصادم بين الأمم والدول والشعوب.
هي ثنائيات وأزواج ومتقابلات (صراع/حوار، تواصل/ممانعة، لقاء/تنافر...الخ)، تبدو مرتكزة في بنيانها وتصورها وشكلها، على مضمون معرفي وحمولة فكرية، تريد التمحيص والتحليل المجردين، لكنها تضمر في ثناياها، رؤى وتمثلات إيديولوجية وحسابات جيوسياسية، سرعان ما تسهم في إزاحة الطهرانية الفكرية، التي تشي بها في ظاهرها ومظهرها، فتسقطها بالمجال العام الواسع، حيث مكمن الديماغوجيا، والمزايدات، والمساجلات العقيمة.
وعلى الرغم من التراجع الملحوظ في منسوب الحدة الذي واكب الأطروحتين الأصل، أطروحة الصراع والحوار الحضاريين، فإن المواقف المرتكزة عليهما لم تفرز مع الزمن، وبظل بروز أحداث دولية جسام (2)، لم تفرز إلا إعادة تمحورهما حول ذاتهما، بهذا الشكل أو ذاك، نافيتان عن بعضهما البعض، أية مصداقية أو فاعلية، أو نجاعة علمية أو عملية تذكر.
بالمقابل، فإن ما استتبع هاتين الأطروحتين من اجتهادات معتبرة خاصة، أو طروحات تشارف على التنظير في بعضها، تحاول التجاوز على فكرة الصراع، بأفق فتح مسالك للتعارف والحوار، ما استتبعهما لم يوفق إلا نسبيا في التخفيف من حدة التباين، والتنافر لحد الاحتقان في بعض الحالات، القائمين بين أطروحتي الصراع وغياب الصراع، بل بقيت محكومة بزاوية الرؤية الناظمة لها، أو المقاربة المعتمدة في صياغتها.
إن أطروحة صراع الحضارات، وما استتبعها من جدل صاخب في العديد من أوجهه، لا تؤشر برأينا عن قوة ما ملازمة للفكرة، ولا عن مدى القوة التفسيرية التي قد تتمتع بها، بل تأتت وتتأتى لها عناصر القوة ومعطيات الرواج والانتشار، من طبيعة الجهة التي استنبتتها وروجت لها، وبنت على أساسها المواقف والسياسات، وحددت على ضوئها طبيعة العلاقة مع الحضارات الأخرى(3).
بالقدر ذاته، لكن بوهج أقل، تبدو أطروحة حوار الحضارات، ولكأنها مجرد رد فعل على أطروحة الصراع، رفض لمجاراتها، على خلفية من القول بأن الحضارات لا تتصارع، بقدر ما تتحاور، أو على أساس من الاعتقاد بأن المطلوب هو الدفع بالحوار والتحاور، درءا للمواجهات المحتملة، أو استباقا للفتن التي قد تمتطي ناصيتها.
بالتالي، فإن القول بحوار الحضارات، أو الثقافات أو الديانات أو الهويات(4) أو ما سواها، إنما هو قول يبدو للعديد، من قبيل تحصيل المحصل، إذ نادرا ما انقطع ذات الحوار أو تخلف أصحابه، حتى وإن خفت وتيرته لهذا السبب أو ذاك، أو تراجع مده ومداه، بظل هذا المعطى التاريخي أو ذاك.
لو تركنا جانبا فكرة الصراع المباشر والصلب، والمحيلة صوبا على المواجهة الخشنة، كما نظر لذلك صمويل هنتنغتون، فإننا نجد أن لذات الفكرة، في بعدها النسبي تحديدا، تموجات ضمنية وبارزة، غالبا ما يقف المرء لها على أثر في فكرة الحوار الحضاري ذاتها، إما من منطلق التشكيك في نجاعة الأطروحة، أطروحة الصراع، أو ارتكازا عليها للطعن في تبعاتها من الداخل، أو بناء على بعض معطياتها للدفع بفرضيات أخرى، من قبيل فرضيات التحاور والتعارف والتواصل وما سواها:
- التموج الأول ويكمن في القول بأنه لو سلم المرء جدلا بفكرة الحوار بين الحضارات، كما يروج لها بعض المفكرين الغربيين، فإنها لا تخرج برأيهم، عن مجرد إعادة إنتاج ليس إلا، لسلوك الهيمنة والتسلط، الذي غالبا ما ميز وطبع مواقف "الحضارات الغالبة"، بعدما انحسر مد ومفعول وجدوى الحوارات السابقة، من قبيل الحوار شمال/جنوب، أو الحوار الإسلامي/الأوروبي، أو الحوار الإسلامي/المسيحي، أو ما سواها، فبات الحوار مع "الحضارات الدنيا"، وسيلة لا غاية في حد ذاته (أو لربما هما معا، يقول البعض)، سيما في سياق تزايد منسوب العنف والإرهاب في العلاقات الدولية، وتحول هذه "الحضارات الدنيا"، إلى إناء ثم إلى مصدر، لتفريخ التطرف والكراهية والحقد والغلو، ورفض الآخر بالجملة والتفصيل(5).
وعلى هذا الأساس، يقول أصحاب هذا الرأي، فإن الخطاب المتبني لحوار الحضارات من لدن الغرب، أو من لدن بعض من مفكريه ومنظريه على الأقل، لا يعبر من لدنهم جميعا، عن قناعة راسخة واقتناع أرسخ بجدوى الحوار، بقدر ما هو تعبير عن تصور تكتيكي واستراتيجي، يتغيأ الفعل في "العقل الجمعي" لشعوب وأقوام، لديانات وثقافات، لرموز وتمثلات ورؤى، بجهة دفعها للتساوق مع "النموذج الحضاري" الغربي، المراد تمجيده، والسمو بمقامه، والدفع به بجهة أن يتعمم على المستوى الكوني آنيا، أو بالأزمان المنظورة(6).
- التموج الثاني ومفاده الاعتقاد، بامتداد للتصور السابق، بأن الرأي القائل بصراع الحضارات، إنما يدخل في خانة المبالغة المحيل على التآمر والأحكام المسبقة، وأن المقصود والمفروض إنما قراءة طبع وطبائع الحضارات المختلفة، بغرض البحث عن سبل الاتصال والتواصل معها، في عالم بات معولما، ومنظوما بشبكات رقمية، حولته إلى قرية كوكبية واحدة، وإلى فضاء تشتغل بصلبه المعلومات والبيانات والمعطيات والمعارف، دون قيود جمركية، أو عوائق جغرافية كبرى، ودونما حجر على تنقل الأفراد والجماعات، فضلا عن كل ذلك.
هو تموج لا ينكر بالمرة وجود تنافر ما بين الحضارات، في زمن من الأزمان على الأقل، لكنه لا يدفع به لحد بلوغه مبلغ الصراع والصدام، بل يبني على النقيض منه، لينشد تثمين الحدود الدنيا من المشتركات، بغرض ضمان تعايش في الزمن والمكان بين الحضارات، دونما مركب نقص أو استعلاء أو تمييز، قد تمارسه هذه على تلك(7).
- أما التموج الثالث، فيعتقد أن أشكال الصراع المقدمة على أساس كونها صراعا حضاريا، إنما هي شكل من أشكال الممانعات الثقافية، ونمطا من أنماط الحركات الاحتجاجية على حضارة "غربية" باتت عالمية بأكثر من مقياس وجانب، لكنها لم تستطع إدراك واستيعاب تنوع العالم من حولها، إما بحكم تماهيها مع مشروع رأسمالي مهيمن، أو تحولها إلى إيديولوجيا سياسية ودينية متطرفة، أو انتفاخ منسوب القوة العسكرية والتكنولوجية، التي لم تجد فضاء مباشرا للتنفيس عنه وتصريفه، ففجرته بوجه دول وأقوام وشعوب، ادعت أن منظومتها الحضارية لا تتساوق مع السائد من منظومات، سيما "الغالبة منها"، أي ذات الشأن في تقرير حاضر العالم، وارتهان عناصر مستقبله(8).
الصراع، وفق هذا التموج، ليس صراع حضارات، بقدر ما هو صراع مصالح واستراتيجيات وإرادات، على اعتبار أن الحضارات، وإن تمنعت عن بعضها البعض في زمن ما، أو قدر لها أن تتواجه بشكل من الأشكال، فإنها سرعان ما تعود، فتتواصل وتتكامل وتتعارف ثم تتلاقح، وهكذا.
هي تموجات ثلاثة كبرى، تبدو متعارضة في شكلها ومظهرها، لكنها تدعو جهارة بالنسبة لبعضها، وبالمضمر بالنسبة للأخريات، تدعو جميعها إلى سلك سبيل الحوار بين الحضارات، تجنبا لاحتمالات الصدام، وتجاوزا على إمكانات التصادم.
إن الفكرة الأساس لهذه الورقة، إنما منطلقها الاعتقاد بأنه سواء سلمنا بفرضية الصراع الحضاري أم لم نسلم به، أم سلمنا به بتحفظ، فإن التحاور الحضاري إنما هو مطلب وطموح وغاية في حد ذاته، ليس فقط من باب التدافع الطبيعي الذي سنه الله تعالى منذ الأزل لبني البشر، ولكن أيضا من زاوية الدفاع عن الملك الكوني المشترك، الذي بانتفائه أو بضموره أو باحتكاره، يتهدد العيش الجماعي، تتقوض ركائز التدافع، ويغدو الكل بهذا الكون، كما لو أنه مع الكل ضد الكل.
ولما كان ثمة توافقا عاما، بصرف النظر عن تباين الأهداف والغايات، على فضيلة التحاور الحضاري بين الأمم والأقوام والشعوب، فإن ذلك يستوجب توافر مقومات موضوعية لذلك، وأهمها على الإطلاق، توافر القابلية القبلية على التحاور دونما أحكام مسبقة، أو مواقف جاهزة، أو آراء متجمدة، أو اعتقادات متصلبة. أي يجب أن تدفع هذه الحضارة كما تلك، هذه الثقافة كما تلك، هذا الدين كما ذاك، يجب أن يدفعوا جميعا، بجهة التفاعل على خلفية الفعل، ذي المقاصد الإيجابية، لا أن يدفع بعضها البعض الآخر إلى ردود في الفعل، قد يكون من شأنها إن تأججت نيرانها، أن تنسف أصول التحاور من جذوره.
إن مصطلح القابلية المعتمد في هذه الورقة، إنما يحيل صوبا على مصطلح المقدرة، والذي يتضمن بدوره "معاني الاستطاعة، والأهلية، والأحقية، والقوة المعنوية، والجرأة، والإمكان، والإجادة، إضافة إلى السلطة"(9).
المصطلح إذن، مصطلح القابلية، إنما هو بمثابة مدخل أساس، لضمان تبادل كفؤ للآراء والأفكار، للنقد والتعبير، للاتفاق كما للاختلاف، للأخذ كما للعطاء. ثم إن هذه القابلية هي أساس التنوع والاختلاف، الذي بدونهما لا مجال للتحاور أصلا، سواء تسنى لذلك أن يتم بندوة، أم بمؤتمر، أم عبر وسائل إعلام واتصال جماهيرية، أم بأشكال الرموز والتعابير الأخرى، من رسم وفن وسينما وتشكيل وأدب وموسيقى وما سواها.
القابلية شرط أساس إذن لأي تعارف، ثم لأي تحاور حضاري، لكنها تشترط أيضا أن يتم ذات التحاور وفق مبادئ المساواة والندية، وعلى أساس إيمان طرفي المعادلة بهذه المساواة والندية، وما يتربت عنهما من قبول للآخر في تنوعه واختلافه، والاستعداد للإنصات إليه، دونما عقدة استكبار، أو نظرة استعلاء، أو تطرف في الموقف والاعتقاد والتفكير.
والقابلية تفترض أيضا توافر بنية نفسية وذهنية، فردية وجماعية، ثقافية واجتماعية وسياسية، في تقوقعها حول نفسها (البنية إياها أقصد)، أو في غياب الاستعداد من بين ظهرانيها، توسيع لمجال التنافر والتنازع، ثم التصادم، ثم تأجيج نعرات العنف، الممتطية لناصية المرجعيات الدينية، أو العرقية، أو الطائفية، أو اللغوية، أو المذهبية، أو ما سواها من مرجعيات، في جزء منها بدائية صرفة، منغلقة على الذات.
أما الفكرة الثالثة لهذه الورقة، فمؤداها الاعتقاد، اعتقادنا الخاص على الأقل، بأن العنصر الجوهري الغائب، الثاوي خلف فشل مشاريع التحاور الحضاري، بكل أشكالها وتلاوينها، الرسمي منها كما غير الحكومي، السياسي كما المدني، الممأسس كما المشتغل دون هيكلية كبرى، إنما يبدو لنا كامنا في غياب هذه القابلية، أو تدني منسوبها من بين أضلع طرفي أو أطراف الحوار، إما بسبب من ترسبات تاريخية سلبية، لم تندمل آثارها بمرور الزمن، أو بسبب من عدم القدرة على تصريف الاختلاف القائم والمزمن، أو بسبب من أجندات مضمرة لدى هذا الطرف المتحاور أو ذاك، سرعان ما تنكشف حيثياتها، و"سوء نيتها"، عندما يعمد إلى إعمال مبدأ التقييم، تقييم ذات التحاور(10).
إن سبل استنبات مقومات وشروط التحاور الحضاري، لا تفترض فقط تخليص فضيلة التحاور من هذه الترسبات، وفسح المجال واسعا لمكامن تصريف الاختلاف من بين ظهرانيها، والعمل على تحريرها من الحسابات السياسية والجيوستراتيجية المضمرة والمعلنة، بل والعمل أيضا على استنبات مقومات القابلية على التحاور فيما بين النخب، وبالأساس من بين ظهراني الجماهير، التي هي أداة ذات التحاور، وضحيته الأولى في حالات فشله، أو تعذر مسالك الدفع به إلى الأمام، أو عدم قدرته على فتح سبل الأمل بالقادم من مستقبلات بديلة.
"صدام الحضارات" كاستعصاء للتحاور الحضاري
ليس ثمة من شك كبير في أن الذي استعمل اصطلاح "صراع الحضارات"، ومأسس له "نظريا"، وفسح له في المجال واسعا للرواج والانتشار، إنما صمويل هنتنغتون (أستاذ الدراسات الدولية بجامعة هارفارد)، بمقال أصلي مقتضب ومركز، ثم ببحث موسع ومفصل ("صراع الحضارات وإعادة تشكيل النظام العالمي"، 1996)، سرعان ما انتشرت فرضياته وتصوراته وتحذيراته، لدرجة دفعت هنري كيسنجر لاعتباره من الراهنية والجدية والدقة "ما ينذر بالخطر" حقا(11).
يقول صامويل هنتنغتون، في المقال الأصلي للعام 1993، والموسع في الكتاب المتفرع عنه: "إن فرضيتي، هي أن النزاعات لن تصبح ذات أصول أيديولوجية أو اقتصادية بالضرورة، في العالم المعاصر، وستصبح الأسباب الكبرى في تقسيم الإنسانية، ومصادر النزاع ثقافية. وستستمر الدول /الأمم بلعب الدور الأول في الشؤون الدولية. وترجع النزاعات السياسية الدولية الرئيسة، التي تقوم بها أمم أو مجموعات، إلى حضارات مختلفة. وسيسيطر صراع الحضارات، على السياسة الدولية. وستصبح الخطوط الفاصلة بين الحضارات، خطوط جبهة في المستقبل".
ويضيف قائلا: سيأخذ الإحساس بالانتماء إلى حضارة ما، أهمية أكثر فأكثر، في المستقبل، "وسيصبح العالم، مشكلا على نطاق واسع، عن طريق التفاعل بين سبع أو ثمان حضارات رئيسة، هي الحضارة الغربية، والكونفوشية، واليابانية، والإسلامية، والسلافية/الأرثوذوكسية، واللاتينية/الأمريكية، وربما الحضارة الأفريقية، وستكون النزاعات الأكثر أهمية في المستقبل على طول خطوط الفصل الثقافي، التي تفصل هذه الحضارات بعضها عن بعض".
ثم يعود فيختزل أطروحته الأساس، ويعمد إلى إعادة تقسيم ذات الحضارات إلى أربع ضمنها كبرى (صينية وهندوسية وإسلامية وغربية) لكل منها ناظمها الديني (الكونفوشية والهندوسية والإسلامية والغربية)، تشكلت من بين ظهراني كل منها دول وأمم وأقوام، لها معتقداتها وتصوراتها وتمثلاتها لذواتها الخاصة، ولما سواها من ذوات محيطة بها، قد تكون قريبة منها، وقد تكون بعيدة عنها جغرافيا، لكنها تدخل في مجال نفوذها بهذا الشكل أو ذاك.
إن العلاقة بين هذه الحضارات، يقول هنتنغتون، إنما هي علاقة تضاد وتناف، وصراع حتميين، وأن الإسلام يمثل "مشكلة ليس لها حل"، سيما بظل الصحوة الإسلامية، التي "منحت المسلمين الثقة في شخصيتهم المتميزة، وفي الإحساس بأهمية حضارتهم، وفي القيم الإسلامية، بالمقارنة بالقيم والحضارة الغربية في العالم".
بالتالي، فإن مكامن الخطر الرئيسية هنا (أي بتصور هنتغتون) لا تأتي فقط من هذه الصحوة المتزايدة، ولا من هذه القيم في حد ذاتها، بقدر ما تتأتى مما يسميه بالتفاعل المتزايد بين هذه الصحوة وهذه الثقة الإسلامية، التي تدعمها الزيادة السكانية من ناحية، وبين "مخاوف الحضارات المجاورة...لحضارة الإسلام"، التي لديها شعور جامح بالخوف من التهديد الإسلامي، القادم بنظره لا محالة(12).
صحيح، يتابع هنتنغتون عن قناعة واضحة، أن الغرب يسيطر اليوم سيطرة تامة أو تكاد على العالم (سيما وقد بات ذات العالم قطبي المنحى والطبيعة)، وسيظل لا محالة مسيطرا سيطرة شبه تامة، طيلة العقود الخمسة أو الستة القادمة من القرن الحادي والعشرين، وذلك بفضل تفوق التكنولوجيا الأمريكية، وقوة الرأسمالية التي توجهها، ونجاعة الإيديولوجيا الليبيرالية، المنبنية على اقتصاد السوق، والديموقراطية، وحقوق الإنسان، وما سواها، والمنتشرة بمعظم دول العالم، منذ إفلاس المنظومة الشيوعية، وانهيار الاتحاد السوفياتي.
وصحيح، يؤكد الكاتب عن قناعة أيضا، أن النموذج الغربي لا يزال يستهوي العديد من دول العالم، ويغري بتفوقه وقدرته على استيعاب الصدمات، ويثير الإعجاب بأكثر من جانب. إلا أن التغيرات التدريجية والحتمية من شأنها بالمدى المتوسط والبعيد، "أن تؤثر على توازن القوى بين الحضارات، وستأخذ قوة الغرب في الاضمحلال، بدليل أنه خلال الخمسة وسبعين عاما، من 1920 إلى 1995، تراجعت السيطرة السياسية للغرب على المناطق العالمية بنسبة 50 بالمائة، وتراجعت نسبة من يسيطر عليهم الغرب من سكان العالم، ب80 بالمائة، وتراجعت سيطرة الغرب على الصناعة العالمية بنسبة 35 بالمائة، أما سيطرة الغرب على القوة العسكرية، فقد تراجعت بنسبة 60 بالمائة".
ولما كانت نقط الصراعات الحضارية القادمة ستتم، بنظر هنتنغتون، عند "خطوط التماس"، أي عند تخوم مناطق التداخل بين مختلف الحضارات، مفجرة بذلك تصادما حضاريا "حتميا"، فإن الغرب مطالب برأيه، بأن يعمد من جديد إلى تفعيل منظومته المادية والرمزية، لضمان تأكيد سيطرة كاملة على العالم، تضمن له التفوق في الزمن والمكان، تقيه المنافسة القادمة من الجنوب ومن الشرق، وتدرأ عنه المخاطر المتأتية من الحضارات الأخرى.
لا يحصر هنتنغتون أطروحته في توصيف مجريات واقع الحال القائم فحسب، بل يرى بأن للمسألة جذورا تاريخية موغلة في القدم، لكنها وجدت اليوم تمظهرات لها أعمق وأقوى، ليس فقط في ظل تزايد الصحوة بكل بلدان العالم الإسلامي، بل وأيضا في سياق بروز محور إسلامي/كونفوشي، سيواجه الغرب بالمستقبل، ب"حدود مخضبة بالدماء" يقول هنتنغتون، حتى وإن تظاهر أهله (أهل المحور إياه أعني) بقبولهم العيش من بين أضلع الحضارة الغربية، أو التعايش مع معطياتها، مأكلا ومشربا ولباسا.
يقول هنتنغتون، بهذه الجزئية: "إن شعوب العالم غير الغربية، لا يمكن لها أن تدخل في النسيج الحضاري للغرب، حتى وإن استهلكت البضائع الغربية، وشاهدت الأفلام الأمريكية، واستمعت إلى الموسيقى الغربية. فروح أي حضارة هي اللغة والدين والقيم والعادات والتقاليد، وحضارة الغرب تتميز بكونها وريثة الحضارات اليونانية والرومانية والمسيحية الغربية، والأصول اللاتينية للغات شعوبها، والفصل بين الدين والدولة، وسيادة القانون والتعددية في ظل المجتمع المدني، والهياكل النيابية والحرية الفردية"(13).
ثمة إذن، على الأقل بالبناء على هذا المقطع أو بالانطلاق منه، ثمة فلسفة عامة ومحددة، تحكم علاقة الغرب مع ذاته من ناحية، وتحكمها مع الآخرين من ناحية ثانية، ترتكز على ثلاثة مقومات كبرى، أسست الخيط الناظم لموروثه الثقافي والفكري، ولا يستطيع بالتالي الفكاك منها بالزمن المنظور:
- المقوم الأول مرتبط بالفلسفة الاقتصادية التي تثوي خلف المنظومة الليبرالية، والتي تجعل من اقتصاد السوق و"قيم" السوق، المحك الأساس لحركة الأفراد والجماعات، لتنقل السلع والخدمات والرساميل، والتي تكرست مبادئها بقوة ندر مثيل لها، في ظل العولمة والشوملة وانفتاح الأسواق، وتراجع مد الحدود والتشريعات الوطنية، وتقليص دور الدولة إلى حدوده القصوى، وانفراط العقد الذي على أساسه ارتكزت سياسات الثلاثين الخوالد، التي عاشت الشعوب الغربية في كنفها، بازدهار قل نظيره، لأكثر من ربع قرن من الزمن (1945- 1975).
إن المعطى الاقتصادي بهذا المقام، لا يحيل فقط على حاجة النظام الليبيرالي للتوسع بالكرة الأرضية أفقيا وعموديا، بحثا عن الأسواق والأرباح، بل ويدفع بجهة تطويع الفضاءات الاقتصادية الأخرى، استثمارا وإنتاجا واستهلاكا، لتتوافق وتتساوق مع المنظومة الليبيرالية الجديدة، وتتحول مرجعية اقتصاد السوق بموجب ذلك إلى مرجعية كونية، معممة، مخترقة لكل الممانعات التي قد تدفع بوجهها هنا أو هناك، بالشكل أو بالمضمون.
إن خلق مؤسسات "كونية"، من قبيل منظمة التجارة العالمية، وتقوية نفوذ مؤسستي بروتن وودز وغيرها، تماما كتعميم سياسات التحرير والخوصصة، وفتح الأسواق والقطاعات الإنتاجية العمومية، وما سواها، إنما الغرض منها جميعا، تعميم النموذج الليبيرالي الغربي، الذي رفع من لوائه هنتنغتون وفوكوياما وآلن مينك وغيرهم، ولكأن المرء بهم يتطلعون للرفع من مرتبة السلعة لدرجة السمو والتبجيل والقداسة.
- أما المقوم الثاني، والذي لا يقل شأنا وأهمية عن الأول، فيكمن في طبيعة النموذج السياسي الغربي، نموذج الديموقراطية وحقوق الإنسان، الذي يذهب رواده ليس فقط لحد اعتباره الأنجع والأنجح، بل وأيضا لحد الجزم بكونه الأقوى والأمثل. بالتالي وجب نشره وتعميمه على الفضاءات السياسية الأخرى بالترغيب إن أمكن، بالترهيب إن استوجب الأمر ذلك، أو بمزيج منهما معا. كل ذلك وفق الظروف والسياقات، يقول هؤلاء.
وبقدر ما تبدو الليبيرالية الاقتصادية، وفي صلبها اقتصاد السوق المحرر، المرن، غير المقنن والتنافسي، بقدر ما تبدو هذه الليبيرالية عصب المشروع الحضاري للرأسمالية، فإن "ديموقراطية السوق" تبدو أيضا في كونها مكمن المشروع الحضاري لليبيرالية، باعتبارها الصحن الحاضن لمبادئ الحرية، والتعددية، وثنائية الحق والواجب، الحاكمة لكل المنظومة، لا بل والمحددة لطبيعتها وفلسفتها.
إن انفجار الاتحاد السوفياتي من الداخل، وتحول دول أوروبا الشرقية عن الدوران في فلك منظومته، لم ولا يؤشر فقط على انفراط عقد النظم الكليانية، وانتهاء فكرة المركزية الديموقراطية، التي سادت لما يناهز قرنا من الزمن، بل ويؤشر أيضا على التهافت السريع لمعظم دول العالم، لاعتماد أساليب الديموقراطيات الغربية، باعتبارها باتت الأقوى، والأصمد، "والنهائية"، فضلا عن ذلك، يقول فرانسيس فوكوياما.
- المقوم الثالث ويتمثل في طبيعة "الثقافة" التي واكبت، ولربما لازمت "انتصار" اقتصاد السوق وديموقراطية السوق، وباتت العنصر الناعم والرخو، الذي يمرر لهما معا، يمرر لهما التمثلات والتصورات والرموز، وإلى حد ما سلوك وطقوس استهلاك السلع اللامادية، المروجة بالإعلام وبالشبكات الألكترونية وبما سواها.
إن طبيعة الثقافة التي تريد المنظومة الغربية إشاعتها وترويجها وتعميمها على نطاق واسع موسع، من بين ظهراني أبناء جلدتها، كما من بين أضلع الثقافات الأخرى، إنما هي الثقافة المرتكزة على الفردانية والبقاء للأقوى، على التكيف مع الواقع القائم، على القبول بالسوق كمحك أول وأخير في تصنيف وترتيب القيم والمعتقدات والرموز والهويات. هي "ثقافة عالمية"، معولمة بكل روافدها، أو هي في طريقها إلى ذلك، تريد صهر كل الثقافات المحيطة بها في قالب واحد، بعملية في التنميط، تتوحد بموجبها ذوات الثقافات في "الأقوى" منها، أي في "الغالب" ضمنها، لكن على خلفية القوة الاقتصادية والسياسية والعسكرية، التي تدعي المنظومة الغربية أنها تتمتع بها دون منازع، أو منافس حقيقي يردعها، أو يضاهيها جلدا وقوة (14).
ثمة إذن، بظل ما سبق من حديث، توصيفا نظريا واستخلاصا عمليا، بنى له هنتنغتون وأسس، يرى أنه من العصي حقا استدراج وإدماج الحضارات المحيطة، على خلفية من "قيم" اقتصاد السوق وديموقراطية السوق و"ثقافة" السوق. ومن العصي بالتالي، بالبناء على ذلك، خلق جسور مع الحضارات إياها، ليس فقط من زاوية الاستعصاء الذاتي الكامن في بنيتها وبنيانها، ولكن أيضا بحكم سلوك الممانعة، الذي غالبا ما ترفعه بوجه المنظومة الغربية، من وجهة النظر الفلسفية والدينية، كما من وجهة النظر الاقتصادية والسياسية والثقافية.
وثمة أيضا، بامتداد لذلك، طروحات موازية، ترى أن روافد ذات الممانعة إنما تأتي من تباين في الرؤى عميق، بإزاء العولمة الاقتصادية وآلياتها الجارفة، من تمنع من لدن هذه الحضارت في تمثل نموذج الديموقراطية الليبيرالية السائدة بالغرب، وكذلك من ارتباط هذه الحضارات بقيم ثقافية، لا تتساوق دائما مع "النموذج الغالب"، والقيم المهيمنة، على مستوى إنتاج وإعادة إنتاج واستهلاك الموارد الرمزية، التي تنتجها الآلة الإعلامية والاتصالاتية الغربية، والتي تشتغل وفق منطق السلعة والاستهلاك، لا وفق مبدأ الإنتاج، والحاجة المجتمعاتية المحددة لمستوى ذات الإنتاج في الزمن والمكان (15).
وعلى هذا الأساس، فإن سبل الحوار مع هذه الحضارات إنما يبدو، للعديد من المفكرين والمنظرين الغربيين مستعصيا للغاية، ولدرجة الاستحالة في أكثر من جانب، وأن المفروض برأيهم إنما العمل على تطويعها، وتليين مواقفها، ومواجهتها بالقوة الخشنة إن استدعى الأمر ذلك. إنها بالتالي، وفق ما يروجون له، حضارات لا قابلية لديها على التحاور أو التواصل، بقدر ما تمتشق من العنف والتطرف والإقصاء ورفض الآخر، وتركن في العديد منها، إلى الانغلاق والتقوقع على الذات.
وعلى الرغم من الصدى الواسع الذي لقيته أطروحة صراع الحضارات، والزخم الذي رافقها، وبنى للسياسات والاستراتيجيات التي ارتكزت على "توصياتها" (بما فيها الاستراتيجيات العسكرية)، فإن الأطروحة/الغريم لها، أطروحة حوار الحضارات، لم تلق صدى أقل منها، ولا كان لها وهجا أقل، بل توسع مداها هي الأخرى، وشاعت أدبياتها على نطاق واسع، ليس فقط كرد فعل أني، و"عاطفي" يقول البعض، على أطروحة هنتنغتون ومن دار بفلك أطروحته، ولكن أيضا كمطلب عام، وكرغبة في التواصل مع الآخر، على الأقل من زاوية اعتبار الحوار سنة إنسانية وفضيلة كونية، يمتطي المرء ناصيتها بصيغة تلقائية، ودونما مقدمات كبيرة تذكر.
حوار الحضارات" أو في الحوار كفضيلة كونية
لم تبرز أطروحة "حوار الحضارات"، كرد فعل آني وعفوي على أطروحة "صراع الحضارات"، بل كانت سلوكا معتمدا، ومطلبا سابقا عليها في الزمن، ثم استمر ذات المطلب بعد بروز وانتشار أطروحة الصراع، لكن بوتيرة أقوى وبوهج أشد، ولربما أيضا بحماسة لا توازيها إلا الحماسة التي واكبت أطروحة الصراع إياها.
ومع أن العديد، بالشرق تحديدا، ولها بالغرب روادا كبار دون شك، يرى بأن الفكرة، إنما هي مجرد تعبير عن موقف تكتيكي مؤقت، تقتضيه طبيعة إدارة الصراع في المرحلة الحالية، حيث اشتد الصراع، وازداد التطرف وتقوى الغلو، فإن العديد أيضا، بالغرب كما بالشرق، إنما يروا في الحوار مسألة مبدئية، لا يجب التخلي عنها، وإلا فترك المجال أكثر سعة لسلوك التطرف والغلو ورفض الآخر، وما سوى ذلك (16).
تنطلق فكرة "حوار الحضارات" بين الغرب والأمم الأخرى (على الأقل الأمم التي تحدث عنها هنتنغتون، بخلفية قراءة دينية، وعلى أساس منظومات القيم القائمة) تنطلق من مسلمة أن الحضارات، كل الحضارات الكونية، لا تتصارع بالأصل، بقدر ما تتواصل وتتحاور، وأنه لو كان ثمة قطيعة ما، بزمن ما، في ذوات الحوار والتواصل، فمرده إلى الحسابات السياسية والجيوستراتيجية والاقتصادية، وليس مرده استعصاء ما، من طينة ما، من لدن هذه الحضارة أو تلك، لرفض الحوار، أو إبداء التمنع للذهاب به إلى أقصى مدى ممكن.
إن الحوار بين الحضارات من هنا، إنما هو بالبداية وبالمحصلة، حوار بين جماعات ومجتمعات وثقافات من بين ظهراني هذه الحضارات، موضوعته الأساس "ليس هويتي وهويتك، وقيمي وقيم الآخر، ولكن مشكلات مشتركة، اقتصادية وسياسية وثقافية، بما في ذلك قيمية، أو مشكلات لا تحل إلا بصورة مشتركة وعالمية"(17).
ثم إن هدف هذا الحوار "ليس الوصول إلى إضعاف الاختلافات الثقافية والحضارية، ولا إلى إيجاد تسوية بين القيم المختلفة التي تميزها، ولكن العمل فيما وراء الثقافات الخصوصية، لإيجاد قاسم مشترك أعظم من القيم، التي تؤسس لإجماع إنساني تاريخي"، يتم على أساسه إعادة نسج العلاقات بين الدول والأقوام والشعوب، على قواعد جلية وواضحة.
وهو (أي الحوار)، فضلا عن ذلك، لا يتم فقط من خلال محاولة التقريب بين قيم وتمثلات ورموز كل حضارة، ولا بإضعاف ما يمثل خصوصيتها وتميزها وتمايزها، بل وأيضا "من خلال توسيع دائرة مشاركتها في مرجعيات إضافية، وتحريرها من ثمة، من حتمية الاعتماد المطلق والأحادي على مرجعياتها الثقافية التاريخية... وهذا يعني إيجاد فرص أكبر لتنويع هذه المرجعيات، بحيث يبدو الانفتاح على الآخر إثراء للنفس، لا إفقارا لها".
ثمة ثلاثة توجهات كبرى، من بين أضلع أطروحة حوار الحضارات، تتميز عن بعضها البعض، ليس فقط في درجة إيمانها بذات الأطروحة، ولكن أيضا من زاوية الأهداف التي يتغيؤها الدافعون بكل طرح على حدة، الثاوون خلف ترويجه، على أساس من هذه الخلفية أو تلك:
- الأول ويكمن في الاعتقاد بأن حوار الحضارات إنما هو سنة كونية، تستوجب من الأمم والشعوب، من الثقافات والمرجعيات ومنظومات القيم، الاتصال والتواصل، إذا لم يكن بغاية درء المفاسد وتعظيم الفوائد والمصالح، فعلى الأقل ضمان الحد الأدنى من التعارف بين الناس، إعمالا لقوله تعالى: " يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم" (18).
حوار الحضارات، بناء على ذلك، ليس خيارا أو مرادا، ولا هو من باب الاختيار الطوعي، بقدر ما هو مبتغى إنسانيا، تتطلع الأمم والشعوب لنهجه، بغية إعمال مبدأ أخلاقي وديني، مبدأ التعارف بين الحضارات، أيا تكن مرتبتها في "سلاليم التقييم" المعتمدة.
- التوجه الثاني وينطلق من القول بأنه إذا سلم المرء بأن الحوار بين الحضارات هو سنة كونية قائمة، وفضيلة إنسانية ثابتة، فإنه وبالآن ذاته، مدخل أساس لإدراك مصالح البشر المباشرة والعملية، المادية منها كما اللامادية سواء بسواء.
قد تكون ذوات المصالح ذات طبيعة اقتصادية أو تجارية أو سياسية، الهدف لإدراكها ربط وشائج الاتصال والتواصل، أو بغرض فتح السبل لتسهيل تبادل السلع والخدمات والرساميل وغيرها. وقد تكون من طينة ثقافية صرفة، كنهها التمهيد لتبادل مخرجات المعلومات والعلوم والمعارف وبنوك المعطيات. وقد تكون بالسياق ذاته، محكومة برغبة في تعضيد مرتكزات الملك الكوني المشترك، سيما بزاوية صيانة اللهجات واللغات المحلية المهددة، أو الحفاظ على التنوع الثقافي والحضاري القائم، أو الحيلولة دون اندثار الموروثات الشعبية التي تكتنزها هذه الحضارة أو تلك، وقد يكون ما سوى ذلك(19).
- أما التوجه الثالث (ويدفع به مفكرو الغرب تحديدا)، فمفاده القول بأن الحوار بين الحضارات لا يجب أن يكون هدفا في حد ذاته، أو غاية محددة الأفق، بقدر ما يجب أن يكون أداة ووسيلة، هدفها الأساس تكسير منظومة تنامي العداء للغرب، من قبل شعوب "بربرية"، تعيش و"تقتات" على التطرف والغلو، ومعاداة الحضارة المادية الغربية.
بالمقابل، وعلى النقيض من ذلك، ينبه ذات التوجه إلى مكامن الخطر التي بدأت تحملها بعض من الطروحات الممتطية لناصية تقسيم العالم إلى محاور في الخير والشر، سواء من لدن بعض المفكرين والسياسيين الغربيين، أو من لدن بعض الجماعات والأقلام، بالعالم الإسلامي تحديدا، التي تنظر وما فتئت تنظر إلى الغرب بعيون اختزالية، أو بالبناء على ترسبات تاريخية، أو انطلاقا من أحكام ومواقف مسبقة (20).
هي ثلاثة توجهات كبرى، تعتمل بداخل أطروحة حوار الحضارات، نجد لها العديد من الروافد بالغرب، ومن بين ظهراني الحضارات الأخرى أيضا، وفي مقدمتها الحضارة العربية/الإسلامية، التي غالبا ما يشار إليها بالأصبع بهذا الشكل أو ذاك، منذ ظهور أطروحة صراع الحضارات (ولربما قبل ذلك بكثير) وإلى اليوم.
لكنها، فرادى أو مجتمعة، تتقاطع في تأكيدها على ضرورة توافر ثلاثة مقومات كبرى، لا يمكن لأي حوار بدونها أن يقوم، فما بالك أن يستقيم بغيابها، أو بالتجاوز على أحد من عناصرها:
- الأول ويكمن في مقوم الندية في التواصل والحوار، ليس فقط من باب التكافؤ، لحدود التماهي والتساوق، ولكن أيضا من باب استبعاد عامل الاستكبار لدرجة التكبر، والتطلع بالتالي لإعمال سلوك الاختراق اللين، المحيل على الهيمنة الخشنة، التي غالبا ما تستتبع ذات الاختراق في حله وترحاله. والغاية من الدفع بمقوم الندية هنا، إنما مدعاته الخروج من نسقية في الفكر الرائج، والإعلام المروج له، والذي مؤداها أن الحضارة الغربية إنما هي مركز التكنولوجيا والعلم والمعرفة، وأن الليبيرالية بأبعادها الاقتصادية والسياسية والثقافية، هي قلب هذه الحضارة، وأنها هي الوحيدة القادرة على تحقيق حرية الأفراد والجماعات على حد سواء، وضمان تكريس ثنائية الحق والواجب، الذي لا مواطنة بدونه تذكر.
والغاية منه أيضا (من مقوم الندية في الحوار أعني)، إنما تقويض مسلمات أن الحضارات غير الغربية، إنما هي حضارات بربرية، متطرفة، مجبولة على العنف، كما كان الحال زمن المواجهة الصليبية، التي استحالت في ظلها سبل الحوار بين المسيحيين من جهة، والمسلمين واليهود من جهة أخرى، تماما كاستحالة الحوار بين العبد والسيد في أي زمن من الأزمان(21).
- المقوم الثاني ويتمثل في مبدأ المساواة في الحوار، والذي من المفروض أن يؤسس لبنية وبنيان ذات الحوار، في شكله كما في مضمونه، يوجه محاوره الكبرى، ويحول دون زوغانه عن إدراك الأهداف المبتغاة من إقامته، من لدن هذا الطرف في الحوار كما من لدن ذاك، أو من لدنهما معا، إن تقاطعت الغايات وتماهت التطلعات، والتقت الدوافع والمبتغيات.
ومقوم المساواة، الملمح إليه في هذا المقام، لا يحيل فقط على بديهية احترام قيم وثقافات ورموز وتمثلات كل حضارة طرفا في ذات الحوار، بل وأيضا على بديهية الاعتراف بحقها في الاختلاف والتباين، واعتبار ذلك عنصر تنوع حضاري مثري، لا عنصرا من عناصر الفرقة والاختصام، المفضية للتنازع، ولربما بالمحصلة للتصادم.
إن فلسفة الحوار لا يمكن أن تقوم إلا بين طرفين أو أكثر، ندين، معترف بعضها بالبعض الآخر، يتمتعان بنفس الحقوق، لهما نفس الأولويات، يعلنان جهارة أن ثمة اختلافات بينهما يجب تبسيطها، أو التفاهم بشأنها، على أساس من الاتفاق على قاعدة مشتركة، على أجندة مشتركة، مصاغة بلغة مشتركة واضحة، لا تقبل عميق اجتهاد لفك تلابيبها، أو كبير تأويل لفهمها واستساغتها والتعاطي معها.
ومعنى ذلك عمليا، أنه يجب على كل حضارة أن تعترف بمقدس ما سواها من حضارات، وإلا فستنتفي سبل الحوار من البدء، ويبدو اللقاء بالتالي، أي لقاء للحوار، مصدر متاهات ومزايدات، لا جدوى من الاستمرار فيه. فإذا رفض البعض، بالمقياس الديني الصرف، إذا رفض معطى أن المسيح لم يبعث في اليوم الثالث، ورفض البعض الآخر واقعة أن ألواح القانون لم تنزل على موسى، ورفض فريق ثالث حقيقة أن محمد (ص) لم يتلق الرسالة من جبريل عليه السلام، إذا كان المناخ مناخ رفض متبادل بامتياز، قصدا أو بجهالة، فإنه من الاستحالة حقا الجلوس جماعة، في ظل إطار معين(22)، فما بالك إعمال مبدأ الحوار، للتداول في المختلف حوله...أعني في الذي ينفع الضرع والزرع، حالا واستقبالا.
ليست المساواة هنا حكما قيميا من لدننا، على تراتبية ما بين الحضارات، بل المقصود هو من القول بأن كل الحضارات متساوية بهذا الشكل أو ذاك، ومن القول أيضا بأن "هيمنة" إحداها في زمن ما، وبفضاء جغرافي ما، هو من الهيمنة الاقتصادية والعسكرية والسياسية الحاملة لها، المعاضدة لها، لا من قوة ذاتية خاصة متأتية من صلبها، أو تميز ما، يعطيها صفة التفوق والسمو على ما سواها من حضارات.
- أما المقوم الثالث لبناء أي حوار حضاري حقيقي، فكامن في ضرورة استبعاد كل أشكال الأحكام المسبقة، أو المبنية على خلفيات إيديولوجية، أو المرتكنة إلى حسابات جيو ستراتيجية، أو المرتكزة على سلوك استثنائي، قد يصدر تلقائيا عن هذه الجهة أو منها، فتعتبره الجهة الأخرى سلوكا عاما، أي من بنية ذات الحضارة، لا عارضا من أعراضها، لا يجب القياس عليه، أو الاعتداد به، أو إصدار الأحكام على أساس من استحضاره في الحوار.
هذه المقومات الثلاثة هي التي غالبا ما تشترط وتفترض لأجل، إذا لم يكن إنجاح أي حوار بين الحضارات، فعلى الأقل ضمان إقامته بما يسهل سبل الاتصال والتواصل، المحيلين صوبا على التحاور.
إنها، دون شك مقومات ضرورية وأساس، لكنها تبقى مع ذلك قاصرة وغير كافية، إن هي لم تكن مسبوقة باطلاع واف من لدن كل حضارة على الحضارات الأخرى، أي إذا لم تكن مسبوقة بتوافر القابلية على التعرف، أي بتوافر النية والاستعداد القبليان للتعرف على المحاور، أعني للتقرب منه... للتعارف معه بالخطاب العام.
في أطروحة التعارف، أو في مدخل القابلية على التحاور الحضاري
على النقيض من الأطروحتين السابقتين، أطروحة الصراع وأطروحة الحوار الحضاري، يذهب بعض المفكرين المسلمين إلى الدفع بأطروحة "ثالثة" (23)، يراد من خلالها، ليس التجاوز على الأطروحتين إياهما، بل وتبيان أن الثانية ضمنهما (وهي الأفيد للبشرية، الأضمن لمستقبلها) إنما هي بحاجة إلى مقومات موضوعية أساس، وأولاها على الإطلاق مقوم القابلية على التعارف:
- فهي (أعني أطروحة القابلية على التعارف) تآخذ على أطروحة الصراع، باعتبارها "خطابا نقديا وعلاجيا لأزمة الغرب الحضارية، ولأنماط علاقاته بالعالم وبالحضارات غير الأوروبية"، كما أريد منها أيضا "أن تكون خطابا موجها إلى الغرب بصورة أساسية. لذلك، فهي تنتمي وتصنف على النظريات الغربية، التي تنطلق من نقد التجربة الغربية والفكر الغربي. ومن حيث نسقها المعرفي، فهي تنتمي إلى المجال الثقافي، وتحدد به، لأنها تركز على الأبعاد الثقافية والفكرية والأخلاقية" (24).
- وهي تؤاخذ على أطروحة حوار الحضارات، كونها "جاءت استجابة لبعض المعطيات والضرورات السياسية في الدرجة الأولى، ومن أجل أن تكون خطابا نقديا بديلا لخطاب صدام الحضارات. وقد ظلت تتحدد في هذا النطاق، ولم تحول إلى نظرية واضحة ومتماسكة، وما زال العالم العربي والإسلامي يفتقر إلى نظرية، تعبر عن رؤيته في كيفية التقدم والتحضر، وعن أنماط علاقاته بالعالم"(25).
بالتالي، تقول الأطروحة الثالثة، "إذا اعتبرنا صدام الحضارات بوصفها نظرية تفسيرية، وحوار الحضارات بوصفها نظرية نقدية أو علاجية، فإن تعارف الحضارات هي نظرية إنشائية، بمعنى أن القاعدة فيها هي الإنشاء وليس الإخبار. فقد جاءت لإنشاء شكل العلاقات المفترض بين الناس كافة، حينما انقسموا إلى شعوب وقبائل، كما نصت الآية الكريمة: يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير"(26).
إن التعارف، يتابع صاحب أطروحة تعارف الحضارات، "هو الذي يؤسس لأشكال الحوار ومستوياته ودرجاته، وإلى أشكال ومستويات ودرجات أخرى من العلاقات والتواصلات أيضا، كالتعاون والتحالف والتبادل والإنماء، والاندماج والتكامل، إلى غير ذلك من صور وأشكال وأنماط العلاقات. وبقدر ما يتطور التعارف، تتطور تلك الصور والأنماط من العلاقات والتواصلات. وهذا يعني أن التعارف يسبق الحوار، ويؤسس له أرضياته ومناخاته، ويشكل له بواعثه وحوافزه، ويطور له صوره وأنماطه، ويرتقي بدرجاته ومستوياته. ولهذا فإن التعارف هو القاعدة وليس الحوار".
التعارف، وفق هذه الأطروحة إذن، إنما غايته القصوى التحاور، على أساس من احترام كل خصوصية حضارية للخصوصيات الأخرى، وغايته أيضا تمهيد الطريق المفضي لحوار يثمن القيم والمثل العليا، التي تجمع بين الحضارات المتحاورة، أي تلك التي بإمكان الأمم والقبائل والشعوب أن تتوحد حولها، أو تتفق على مضامينها وغاياتها، وهكذا.
ومعنى ذلك، أن التعارف لا ينفي الاختلاف في القيم أو العقائد، ولا يلغي التنوع في أسلوب الحياة أو أنماط التمثلات، بقدر ما يعني الحاجة إلى إطلاع كل طرف على المنظومة الحضارية للطرف الآخر، ومعرفة مواقفه معرفة جيدة، واعتبار كل ذلك مصدر غنى لكلا الطرفين، لا عنوان تنافر أو تباعد، أو عامل تنابذ أو تصارع.
ويلاحظ صاحب أطروحة تعارف الحضارات، أن أحداث الحادي عشر من شتنبر 2001، إنما ثوت خلف تأجيج الاهتمام بالإسلام، ليس فقط كدين وكثقافة، بل وأيضا كحضارة ومنظومة قيم، لكنها وعلى الرغم من ذلك "لم تهيئ اللحظة التاريخية لانطلاقة فكرة أو نظرية حول تعارف الحضارات، ولكي لا تتكرر مثل هذه الأحداث مرة أخرى، في أي مكان من العالم".
إن التعارف هو المدخل الأساس، القمين بإدراك الحوار بين الحضارات، وتوافر القابلية لذلك إنما هو عنصر جوهري وحاسم، إذا لم يكن لإنجاح الحوار إياه، فعلى الأقل لتحديد القواعد الكبرى، التي من المفروض أن يقوم عليها ذات التحاور في إطاره العام، في عناوينه وصيغه، كما في مظاهره الكبرى. بالتالي، فإذا لم يكن ثمة تعارفا، فلن يكون ثمة حوارا وتحاورا، أو سيكونا منقوصين للغاية. وإذا لم تكن القابلية لذلك متوفرة، فلن يكون ثمة تعارفا، ثم تواصلا، ثم تحاورا وهكذا (27).
التحاور الحضاري أو في بعد القابلية
لو كان ثمة بعدا جوهريا غائبا، أو مغيبا من مسلسلات الحوار الحضاري، التي تعقد بصددها المؤتمرات والندوات واللقاءات هنا وهناك، وأنشئت من أجلها مراكز في البحوث والدراسات، وكراسي متخصصة فيها بالمعاهد والجامعات، فسيكون حتما البعد المرتبط بالقابلية.
ومصطلح القابلية، المقصود في هذا الباب، إنما يحيل صوبا على المقدرة، وهذه الأخيرة تتضمن معاني الاستطاعة، والأهلية، والأحقية، والقوة المعنوية، والجرأة، والإمكان، والإجادة، وأيضا ولربما أقوى من كل ذلك: النية والرغبة والعزيمة.
صحيح أن قيم التسامح، والتفتح، وقبول الآخر، واحترام الاختلاف، والدفاع عن التنوع وغيرها، هي قيم مرتبطة بذات الفرد، وبمدى قدرته ورغبته على إعمالها في الزمن والمكان. وصحيح أنها تنبع من عقلية وأسلوب تفكير وتمثل، فتعبر بذلك عن خصائص الحضارة، التي تحمل عنوانها وفكرها. لكن الصحيح أيضا أن القابلية على الاتصال والتواصل والحوار والتحاور هي، وبالقدر ذاته ربما، انعكاس لبنية نفسية وذهنية، ومعطيات سياق، وإكراهات محيط، بإمكانها استنبات ذات المقدرة، كما بإمكانها توجيهها، أو تكييفها، أو تطويعها، أو تحريفها عن المسالك القمينة بضمان الحوار والتحاور مع الآخر، في اختلاف عقيدته وتباين مرجعيته، وطبيعة القيم التي ينشدها أو يدافع عنها، أو تبرز بأسلوب خطابه أو ملبسه أو مأكله، أو بسلوكه مع بني طينته، كما مع الذين لا يقتسم معهم نفس القيم والمعتقدات والتطلعات.
هي عملية معقدة بكل المقاييس، وتتطلب منسوبا كبيرا من الجهد والفهم والاطلاع، وتستوجب متابعة دقيقة لمجريات واقع الحال، لكنها معطى أساس لإدراك مبتغيات الحوار، والتحاور...إن كان ثمة نية وعزيمة لإدراك ذلك حقا.
إن العالم اليوم، ولربما أكثر من أي فترة تاريخية أخرى، يعاني من أزمات بنيوية كبرى، ذات طبيعة سياسية واقتصادية، ثقافية ودينية، ويعرف انفجارات اجتماعية، وهجرة مكثفة لبني البشر، وفجوات عميقة في توزيع الثروات المادية واللامادية بين السكان، ويعاني تناقصا شديدا في الموارد الطبيعية، ودمارا مستمرا للبيئة، ويعاني بظل كل ذلك، بارتفاع كبير في وتيرة العنف والتطرف والغلو، ويشهد بالآن ذاته، ثورات تكنولوجية ضخمة، أسهمت ولا تزال تسهم في مجالات إنتاج وتخزين ونقل وتوزيع واستهلاك الملايين من المواد الإعلامية والمعرفية(28).
ومع ذلك، فمن الصعب معرفة مدى تأثير كل ذلك على طبيعة القيم وحركية الأفكار والثقافات، دونما إعمال لمبدأي الاحتكام للعقل والتحاور، والارتكان إلى ملكة الفهم والإدراك.
إن قابلية التحاور، بهذا الجانب، ليست مطلبا مثاليا منفصما ومنفصلا عن تفاعلات الواقع، بل هي نزوع حقيقي لمعرفة مدى "استعداد كل حضارة لفهم الأخرى، وتجنب إصدار أحكام مسبقة عليها، والاتفاق على إعادة صياغة صورة الآخر، في إطار التسامح، والرغبة المشتركة في بلورة قيم إنسانية، لإحداث التفاعل الحضاري. وقد تساعد في ذلك معطيات المجتمع العالمي الجديد، القائم على إنتاج المعلومات وتداولها بشكل سريع وميسر وواسع، يتجاوز الحدود الجغرافية للحضارات والثقافات".
والقصد هنا إنما القول بأن التعارف المفضي للتحاور الحضاري، إنما يسهم في "عقلنة" النزاعات، التي قد تنشأ أثناء تثبيت الهويات الثقافية لهذه الحضارات، أو التي تتولد في ظروف الأزمات الكبرى، نتيجة حدوث احتكاكات بين أبناء الحضارات المختلفة، وفي بعض الأحيان داخل الحضارة الواحدة، كما كان الشأن ولا يزال بالعديد من الحالات بالغرب، كما بالشرق على حد سواء (29).
ليست القابلية، ولم تكن يوما، رغبة مجردة أو عزيمة عابرة، بل هي قناعات ذاتية وجماعية، واستعدادات ذهنية ونفسية، لا يمكنها أن تتجسد أو تنجح، إلا بتوافر شروط قبلية أساس:
- إن الشرط الأساسي الأول في ذلك، إنما يستدعي الاحتكام إلى ناصية العلم، والذي يستند بدوره إلى "الحقائق الثابتة والمعلومات الدقيقة والصحيحة، والخبرة العملية، ولا سيما إذا كانت موضوعات الحوار تتناول القضايا العامة في المجتمع، والدولة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وغيرها من شؤون الحكم. ويجب أن يشارك المتخصصون في مثل هذه المحاورات، حتى تأتي النتائج والأحكام مفيدة، تخدم أغراض الحوار، وتعود بالنفع على أفراد المجتمع ورجال الحكم".
- ثم لا بد أن يسود في ظل ذلك، وبموازاته أيضا، حد أدنى من "حرية الرأي، التي تعطي كل طرف من أطراف الحوار، الحق في أن يقبل أو يرفض ما يعرض عليه من آراء وأفكار وعقائد وموضوعات شتى، وعلى الآخرين أن يحترموا هذه الحرية"، يقبلوا بها، يقدروها حق قدرها، ويتعاملوا معها على هذا الأساس.
- ثم إنه من الضرورة بمكان، أن يتوفر من بين ظهراني كل ذلك، معطى المساواة، التي تعني في الإسلام مثلا، "إلغاء الفروق بين بني الإنسان، بسبب اللون أو الجنس أو الدين أو اللغة أو المال أو العلم، وإنما يكون التمايز بين الناس بالعمل الصالح، الذي يعود عليهم جميعا بفائدة، وله أجره على ذلك. والمساواة بهذا المعنى، تبث الثقة بين الناس، وتدفعهم إلى التعايش والتعاون".
- وتشترط، قبل كل ذلك وفضلا عنه، ضرورة إعمال قيمة التسامح، وهي قيمة كبرى دعا إليها الإسلام أيضا، على اعتبار أن ذلك "يرفع الحرج في العلاقات بين الناس، ويجعل الإنسان يترفع عن الكره والبغضاء، وروح الثأر والانتقام. وهي صفات تفسد وقد تدمر الحياة البشرية على الأرض، وتقطع سبل التفاهم والتعاون بين الناس".
إن القبول بمبدأ التعارف، ثم الارتكان إلى الاعتراف بضرورة ذلك، وبتوفير العزيمة لبلوغه، ليس من الصراع الحضاري في شيء، ولا هو من باب التصادم، إنه إنما ترجمة لمبدأ التدافع الحضاري والتفاعل بين الحضارات، "بما يعود على الإنسان والبشرية جمعاء بالخير والفائدة. فالتفاعل عملية صراعية، ولكنها متجهة نحو البناء والاستجابة الحضارية لتحديات الراهن، عكس نظرية صدام الحضارات التي هي مقولة صراعية، تدفع الغرب بإمكاناته العلمية والمادية، لممارسة الهيمنة، ونفي الآخر والسيطرة على مقدراته، وثرواته، تحت دعوى وتبرير أن نزاعات العالم المقبلة سيتحكم فيها العامل الحضاري" (30).
إن الغاية من التدافع هنا إنما عمارة الأرض، والإبقاء على الأنفع والأحسن، والأكثر فائدة للبشرية، إعمالا لقوله تعالى "ولولا دفع الناس بعضهم بعضا لفسدت الأرض".
هل ثمة قابلية على التعارف، ثم على التحاور بين الحضارات، سيما بين ما يسمى بالحضارة الغربية والحضارة العربية/الإسلامية، اللتان غذيتا أطروحتي الصراع والحوار، ولربما ستغذيانهما أكثر في الآماد المنظورة؟
قد لا يستطيع المرء إعمال المقاربة التعميمية، للقول بأنه ليس ثمة قابلية بالمرة، أعني ليس ثمة استعدادا من لدن هذا الطرف كما من لدن ذاك، للتعرف على بعضهما البعض، بغاية التعارف، ثم التحاور. إذ ثمة مفكرون، وفلاسفة، وعلماء اجتماع ودين، ونخب ثقافية، وباحثين بالعديد من مراكز الدراسات، تتوفر لديهم ذات القابلية حقا، ويعملوا، فرادى أو مجتمعين، للدفع بالتحاور إلى أقصى مدى ممكن، بصرف النظر عن الغايات والأهداف والخلفيات، ولربما بغض الطرف عن تواضع النتائج المحققة لحد الساعة (31).
لكن الثابت، على الرغم من ذلك، أن واقع الحال إنما يبين بجلاء، أن ذات القابلية لدى الغرب غير مؤكدة دائما وبكل الأزمان، إذ قد يزداد منسوبها نسبيا في الحالات العادية، لكنها تتراجع بقوة، كلما طرأ طارئ أو استجد مستجد، كما الحال بأعقاب أحداث الحادي عشر من شتنبر، حيث ازداد منسوب اللاحوار لدى الغرب، أو بسياق تزايد الخطاب الأصولي، لدى بعض الجماعات المتبنية لسلوك العنف والغلو والتطرف، في العالم العربي/الإسلامي، والتي ترفض بدورها معظم أشكال الحوار والتحاور مع الغرب (32).
إن الحضارة العربية/الإسلامية (والعرب والمسلمون بوجه عام) لا تزال، في العديد من الحالات الملاحظة، تخضع لصور نمطية ومقاربات اختزالية، لا تعمل ماكينة الإعلام الجماهيري بالغرب، إلا على تكريسها وتجذيرها، وإشاعتها على نطاق واسع. ولعل ما تقوم به كبريات الجرائد والمجلات الغربية، وما تروجه مؤسسات الإنتاج التلفزيوني والسينمائي، إنما يدلل على سيادة الأحكام المسبقة، وتعذر إمكانات استنبات تمثلات تقرأ الحضارة العربية/الإسلامية في سياقها العام، لا أن تأخذ منظومتها العقدية والقيمية بجريرة بعض من حكامها، أو بالقياس إلى فصيل متشدد من أبنائها (33).
وهذه الحضارة لا يزال ينظر إليها أيضا من داخل الغرب، بنظرة دونية، استعلائية واستكبارية، ليس فقط بسبب احتكام الغرب إلى مقومات العصر، أو بحكم توفره على ناصية المعرفة والعلم والتكنولوجيا، أو توافر مقومات الديموقراطية وحقوق الإنسان من بين أضلعه، ولكن أيضا على اعتبار تراجع عطاء هذه الحضارة (العربية/الإسلامية أقصد)، وانسداد مسالك العطاء والإبداع والاجتهاد لديها، واكتفاءها باستهلاك ما يأتيها من الغرب، في تلميح إلى تفوق ما للحضارة الغربية (34).
بالمقابل، لم يستطع العرب والمسلمون، فيما يخصهم، لم يستطيعوا تسويق القيم الكبرى التي تكتنزها الحضارة العربية/الإسلامية (سيما قيم الحق والعدل والتسامح والحوار)، ولم ينجحوا فيما بينهم في استنبات خطاب موحد، بغرض تقديمه، أو تقديم الحد الأدنى من المشترك فيه للغرب، لا بل إن صراع المذاهب والطوائف، وتراشق بعضهم البعض بالاجتهادات والتفسيرات والتأويلات والفتاوى، لم يعمل إلا على خلط الأوراق في ذهننا وذهن الغرب، وتشتت المجهودات هنا وهناك، دون تنسيق كبير يذكر، وترك المجال واسعا أمام سلوك الغلو والتطرف والتكفير ورفض الآخر، جملة وبالتفصيل.
قد يكون مكمن التقصير في العرب والمسلمين، نخبا وجماهيرا، وقد يكون ثمة من الأحداث (من قبيل الرسوم الدنماركية المسيئة للرسول الكريم) ما يؤجج التنابذ، ويفجر كيانات الغضب والكراهية. لكن ما القول في المقابل، في الدراسات التي تبين أن ما يدرسه التلاميذ عن الإسلام والعالم الإسلامي بالغرب، لا يزيد على 3 بالمائة من المقرر الدراسي، وأن 97 بالمائة من المقرر، مخصصة لتاريخ أوروبا وأمريكا، وفي الغالب ما يكو الجزء المخصص للعالم الإسلامي، ضمن ما يخصص لدول وحضارات ما يعرف بدول العالم الثالث، سواء من الناحية الجغرافية أو التاريخية، أو في إطار توزيع الثروات الطبيعية في العالم، بينما تجعل ذات المناهج من الحضارة الغربية (الأوروبية وإلى حد ما الأمريكية) المحور الأساس، الذي دارت وتدور حوله الأحداث التاريخية الكبرى (35)؟
وما القول في اتهام البابا للإسلام بأنه دين عنف، وأن الإسلام لم يأت بجديد؟ وما القول في بلدان أوروبا التي تعتبر استعمارها لبلدان العالم الثالث، وضمنها دول عربية وإسلامية، عمل بناء حضاري؟ وما القول في إقبالنا على تعلم لغات الغرب وقراءة تراثه وفكره، ومخاطبته بأدواته السيميائية، في حين لا نجد من لدنه سلوكا مماثلا بالمقابل؟ (36).
هي عوامل وأحداث قد تبدو عابرة وغير ذات بال كبير، لكنها تؤشر ليس فقط على تدني منسوب القابلية على التحاور من لدن الغرب، بل وأيضا تدنيه لديه، فيما يخص مبدأ التعرف والتعارف، المحيلين صوبا على الحوار والتحاور.
بالتالي، فلو سلمنا بأن ثمة حوارا ما بين الحضارتين الغربية والعربية/الإسلامية، على الأقل بمقياس ما يعقد من مؤتمرات وما يعمد إلى صياغته من كتب ودراسات حول ذلك، فإننا لا نستطيع أن نسلم بأنه قد يقوم، فما بالك أن يستقيم... بلغة التعارف.
على سبيل الختم
كائنة ما تكن التسميات المروج لها هنا وهناك، بالغرب وبالشرق، للتعبير عن طبيعة العلاقة القائمة بين الحضارة الغربية (بلغة صامويل هنتنغتون) والحضارات الأخرى، وضمنها تحديدا الحضارة العربية/الإسلامية، فإنها تبقى في توصيفاتها صراعية المنحى، وفي المأمول منها تحاورية الطبيعة والطبع (37).
إن أطروحة هنتنغتون أطروحة إنذارية وتحذيرية بامتياز، تنطلق من ملاحظة وتمثل ما يجري بواقع الحال، مفادها تأشير الكاتب على ضرورة اتخاذ سبل الحذر والحيطة من الحضارات الغير غربية، التي تحتكم إلى معتقدات وقيم وتمثلات للآخر، لا تتساوق في مجملها مع "النموذج الغربي"، ترفض القبول بمرجعيته، ترفع لواء الرفض والتطرف بوجهه، وتلوح بناصية الغلو والتعصب بإزائه (38).
أما الخطاب المتبني لأطروحة حوار الحضارات، فهو خطاب من فصيلة رد الفعل على الأطروحة السابقة، متطلع لتقويض أسسها والطعن فيها، على الأقل من زاوية الاعتقاد بأن الحضارات لا تتصادم، بل تتحاور بجهة التكامل والتلاقح، بأفق إفراز الحد الأدنى من القيم الكونية المشتركة، التي لا مصلحة لطرف من طرفي أو أطراف المعادلة أن يقوضها، أو يفرط فيها بأي شكل من الأشكال. مطلب الحوار هنا هو الأهم، وهو قائم بكل الأحوال، سواء بظل وجود الصراع، أم بسياق انتفائه (39).
إن البعد الجوهري الغائب في أطروحة حوار الحضارات، لا يكمن في طابعها الوقائي الصرف، ناهيك عن مضمونها الاتقائي، ولا يكمن في طبيعتها "المسالمة"، والمهادنة وإلى حد ما الموضوعية، بل ويكمن في انعدام المقومات الأساس لضمان ذات الحوار، وفي مقدمة المقومات إياها، مقوم التعارف، ثم مقوم القابلية على التعارف، بغرض الاتصال والتواصل، ثم الحوار ولتحاور.
إن فكرة القابلية على التحاور إنما تستوجب توافر المقدرة والاستطاعة، وكذلك الحاجة، ثم النية، ثم الرغبة في قبول منظومة الآخر، أيا يكن مستوى الاختلاف معه، أو مدى تنافر المرجعيات القائمة بين الطرفين (40).
وعلى هذا الأساس، فإذا كان التعارف، المرتكز على الاطلاع على حضارة الآخر، هو المدخل الضروري، وإن كان غير كاف لإقامة حوار من نوع ما، فإن توافر القابلية يبدو لنا أكثر إلحاحا وملحاحية وضرورة، شريطة ألا تكون ذات القابلية مرتكزة على أحكام مسبقة، أو محكومة بشروط قبلية...أو مبنية على أساس شيطنة هذا الطرف لذاك، وهكذا (41).
إن استنبات هذه القابلية ليس عملا اعتباطيا، أو من قبيل الجهد المضيع للوقت، المستهلك للاجتهاد الصرف، إنه البعد الذي يوفر الأدوات والأعتدة الضرورية للدخول في حوار جدي وفعال وناجع مع الآخر. والمعني في هذه الجزئية هم بالتحديد "الفلاسفة، واللغويون، وأصحاب الدراسات الثقافية والسياسية والتاريخية والدينية والقانونية والاقتصادية (قبل خبراء السوق المصرفية والشبكات المعلوماتية)، والذين يجب أن يعملوا بصدق على تحليل كل ما يحيط بالتواصل بين الحضارات ومشاكله، والحواجز التي تعيق تقدمه نحو تعاون حضاري طويل الأجل، بعيدا عن الحسابات الاقتصادية قصيرة الأجل، التي تواجه مخاطر جمة، نتيجة عدم الاستقرار السياسي والاجتماعي على أي حال، ما استمرت الأوضاع الداخلية والتوازنات الإقليمية على ما هي عليه"(42).
هل يعقل، بزمن الشبكات الرقمية العالمية، وتوافر سبل بلوغ مختلف أشكال البيانات والمعلومات والمعارف، وتحول العالم إلى "قرية صغيرة"، هل يعقل ألا تتوفر القابلية لمعرفة الآخر، قبل الإقبال على معرفته، ومحاورته بالتالي بالمباشر الحي؟
إن ثورة تكنولوجيا الإعلام والمعلومات والاتصال، وانفجار المضامين من بين ظهراني شبكة الإنترنيت، والتعدد الهائل للقنوات التلفزيونية المقتنية للأقمار الصناعية وما سواها، إنما أسهمت في اتصال الناس فيما بين بعضهم البعض، دونما إكراهات كبرى تذكر، ودونما رقابة كبيرة على مراسلاتهم وسبل بلوغهم لبنوك المعطيات والمعرفة، لكنها أسهمت وبالآن ذاته، في تقليص التواصل الإنساني فيما بينهم، لا بل وتحولت، في العديد من أعتدتها ومضامينها، إلى وسيلة لزعزعة منظومات القيم، المتجذرة من بين ظهراني هذه الحضارة كما تلك، أو الدفع إلى التشكيك في هذا المعتقد أو ذاك.
ثم هل يعقل أن يبقى "الحوار" متوقفا على ثنائية "لماذا يكرهوننا، يقول البعض/لماذا يعادوننا، يقول البعض الآخر؟"، المرفوع لواؤها بالغرب كما بالشرق، في زمن باتت سبل الاطلاع على منظومة الآخر متيسرة، وإلى حد بعيد؟ هل يعقل أن يستمر التدثر خلف المصالح الآنية، القصيرة المدى، والمادية المباشرة، لتمرير أطروحات، من شأنها الرفع من منسوب الاحتقان بين الأقوام والدول والشعوب؟
إن البشر، يقول قائل، لا يتصارعون على الماضي، بل على الحاضر والمستقبل، ولا يتنافسون على الجنة، أو على مكارم الأخلاق، بقدر ما يتنافسون على الثروة والسلطة والقوة (43). ولكنهم، من خلال الحوار والتواصل فيما بينهم، يمكن أن يعيشوا فوق سفينة الأرض بتحابب واحترام متبادلين، قائمين على مجموعة قواعد، من أهمها: احترام حقوق الآخرين وحرياتهم، والاعتراف والقبول بالاختلافات الفردية، وتعلم كيفية الإصغاء للآخرين والاتصال بهم وفهمهم، وتقدير التنوع والاختلاف الثقافي، والانفتاح على أفكار الآخرين وفلسفاتهم، والاعتراف بأن ليس هناك فرد أو ثقافة أو وطن أو ديانة، تحتكر المعرفة والحقيقة. .. كالاستعلاء والتمييز والعنصرية، وغيرها من المقولات المضادة للتسامح، والتي ولدت من رحمها، حركات العنف المؤدلج والمؤطر والمسيس، باعتباره الركن الأصلب من أحادية عقائدية، مطلقة الصواب.
يقول الأستاذ جون إسبوزيطو: "كما يحلم البعض والملايين في شمال إفريقيا، والشرق الأوسط، ووسط آسيا وجنوبها الشرقي، في إيجاد نظام عالمي جديد، ويتطلعون إلى دور أكبر من التحرر السياسي والديموقراطي، فإن استمرار حيوية الإسلام والتحركات الإسلامية، لا تمثل تهديدا بل تحديا...إن معظم التحركات الإسلامية ليست بالضرورة ضد الغرب، أو ضد الولايات المتحدة، أو ضد الديموقراطية. وإذا كانوا يمثلون تحديا لبعض الفرضيات التي استقرت عليها نظم معينة أوتوقراطية، إلا أن هذه التحركات ليست بالضرورة تهديدا للمصالح الأمريكية. إن التحدي الذي يواجهنا هو أن نفهم بطريقة أفضل، تاريخ وحقائق العالم الإسلامي، وأن نتعرف على تنوعه ووجوهه المختلفة، بدلا من أن نتصور صورة تمثل تهديدا إسلاميا"(44).
أزعم أن هذا المقتطف من قول رجل غربي، كاف لوحده، ليدلل على أن حلقة الوصل المفقودة في العلاقة بين الحضارت بالماضي، كما بالحاضر، كما بالقادم من أيام، إنما تكمن في انعدام القابلية على التعارف، باعتبارها المدخل الأساس للقابلية على الحوار والتحاور الحضاري.
هوامش
(1) يتميز معنى الحضارة عن معنى الثقافة، حتى وإن تقاربا فيما بينهما بأكثر من زاوية وجانب. الحضارة، بالمعنى الضيق لها، هي نمط عيش، وطريقة تعامل مع الكون، ومع الإنسان الآخر، ومع المجتمع أو المجتمعات، بينما الثقافة هي حياة الروح والفكر والقيم في صورة أولى. وهي تتطلب لتحصيلها، جهدا مستمرا من كل فرد أو جماعة، إذ يمكن أن يحتكم المرء إلى عناصر الحضارة، دونما أن يكون كثير الإبحار في الثقافة، كما يمكنه أن يكون مثقفا موسوعيا، دونما أن يستلهم كل مستلزمات الحضارة.
أما إدغار موران، فيعتقد بأننا نعيش في ظل حضارة واحدة، لكن بثقافات متعددة، سيما بظل الثورة التكنولوجية، وانفجار وسائط الاتصال، التي مكنت من إفراز حضارة مادية واحدة، لكن دونما أن تنفي التعددية الثقافية.
(2) لعل أحداث الحادي عشر من شتنبر للعام 2001، هي الأهم على الإطلاق في ذلك. وثمة من يزعم أن غزو أفغانستان واحتلالها، كما غزو العراق ثم احتلاله، إنما يمثلان النموذج التطبيقي لأطروحة صراع الحضارات، والمحك الحقيقي للدافعين بأطروحة حوار الحضارات.
(3) على الرغم من أن صامويل هنتنغتون، صاحب أطروحة الصراع، هو أستاذ للعلاقات الدولية بارز بجامعة هارفارد، إلا أنه صاغ أطروحته وهو بفلك السلطة، كمستشار بإحدى إدارات الرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلينتون.
(4) ذا كان القرن الحادي والعشرين هو قرن الأديان، وفق استشراف أندريه مالرو، فإن الدين كان وسيبقى ملهم الثقافات والحضارت. لذلك، فالحوار المتمحور حول الدين، ليس مضيعة للوقت، بل لربما هو صلب إشكالية الحوار الحضاري.
(5) راجع في هذه النقطة: زبير سلطان قدوري، "الإسلام وأحداث الحادي عشر من أيلول 2001"، منشورات اتحاد الكتاب العرب، دمشق، 2003.
(6) نحن نعتقد، كما يعتقد غيرنا، بأن مفهوم الحوار هو بالمحصلة مفهوم سياسي وإيديولوجي، ولا مضمونا قانونيا له، على الرغم من تبني الأمم المتحدة للعام 2001 ك"عام لحوار الحضارات"، في أعقاب مطالبة الرئيس الإيراني السابق محمد خاتمي بذلك.
(7) راجع بهذه الجزئية: عبد العزيز بن عثمان التويجري، "الأمة الإسلامية في مواجهة التحدي الحضاري"، سلسلة المعرفة للجميع، الرباط، 1999.
(8) يقول كولن باول، وزير الخارجية الأمريكي الأسبق: "نحن الآن القوة الأعظم، نحن الآن اللاعب الرئيسية على المسرح الدولي، وكل ما يجب علينا أن نفكر فيه الآن هو مسؤولياتنا عن العالم بأسره، مصالحنا التي تشمل هذا العالم كله" (جريدة الأهرام المصرية، 16 يونيو 1992). وقد قالت مادلين أولبرايت قبله، ما معناه أن الولايات المتحدة هي القوة "الأعلى"، وبناء عليه، فهي التي بمقدورها معرفة ما يدور "بالتحت"، أي بالكرة الأرضية كلها.
(9) راجع: يحيى اليحياوي، "في القابلية على التعارف: على هامش أطروحة التعارف الحضاري للمفكر زكي الميلاد"، مجلة الكلمة، العدد 58، شتاء 2008.
(10) في هذه الحالة، فإن دفع البعض، بالغرب كما بالشرق، بضرورة الحوار، إنما هو من باب التسويق الإعلامي الصرف.
(11) صمويل هنتنغتون، "صراع الحضارات وتشكيل النظام العالمي"، سيمون شوستر، 1996.
(12) يقدم الإسلام في الغرب، في كونه يتعارض مع قيم العقلانية والفكر النقدي والحرية، وما سوى ذلك. وهذا بتصور مفكريه، هو مكمن التهديد، في حين أن هذه الظواهر (ظواهر العقلانية والفكر النقدي والحرية) كانت ولا تزال قائمة بالعديد من المجتمعات العربية والإسلامية.
(13) صمويل هنتنغتون، "صراع الحضارات وتشكيل النظام العالمي"، مرجع سابق.
(14) راجع في التفاصيل: يحيى اليحياوي، "العولمة، أية عولمة؟"، إفريقيا الشرق، بيروت/الدار البيضاء، 1999.
(15) Cf : Minc. A، «La mondialisation heureuse»، Ed. Pocket، Mai 1999.
(16) العديد من المؤلفين يؤكدون أن معظم النزاعات الحديثة، في الكونغو، وفي رواندا، وفي ليبريا، وفي البوسنة، وفي الشيشان، وفي الشرق الأوسط، وفي الجزائر، وفي جنوب السودان، وفي كشمير، وفي سريلانكا، وفي غيرها، تبين أهمية البعد الثقافي.
(17) إن العديد من الباحثين والمفكرين، بالغرب كما بالشرق والجنوب، يجزمون بأن المواجهات والصراعات الدائرة اليوم، ليس مردها ولا عصب رحاها صراعا حضاريا ما، بقدر ما هي تعبير مادي عن احترابات طاحنة، على خلفية من وقود المصالح الاقتصادية والسياسية، المترتبة عن نظام عالمي (أو إقليمي أو محلي) غير عادل وغير متوازن، في توزيعه للثروات والخيرات بين بني البشر.
(18) سورة الحجرات، الآية 13.
(19)- Cf :- Unesco، «Notre diversité créatrice»، Unesco، Paris، Janvier 1997 (344 p).
-Lille. F، «A l’aurore du siècle، où est l’espoir ? Biens communs et biens publics mondiaux»، Ed. Tribord، Bruxelles، Juin 2005، (118 p).
(20) لا يجب أن ننسى الترسبات التاريخية، التي لا تزال تفعل بقوة في المخيال العربي/الإسلامي العام (الحروب الصليبية، طرد المسلمين من شبه الجزيرة الإيبيرية، التوسع الأوروبي للقرنين الخامس والسابع عشر، تدمير الخلافة العثمانية، إنشاء إسرائيل...الخ) ناهيك عن صدمة الحداثة، وما ترتب عنها من احتكاك "سلبي" مع الغرب (تطور في العلوم والتكنولوجيا، تحرر الجنس والسلوك، العلمانية الخ). ولعل الجانب الذي صدم أكثر القيم العربية/الإسلامية، إنما هو جانب الفردانية والليبريالية المتطرفة، وغياب الأخلاق في العلاقات الدولية، وتركز الثروة، التي دفعت بها موجة الحداثة، على المستوى الاقتصادي والاجتماعي والثقافي.
(21) Morin. E، «Le dialogue suppose l’égalité»، Interview، Le Nouveau Courrier، Unesco، Janvier 2004.
(22) Morin. E، «Le dialogue suppose l’égalité»، Interview. Précitée.
(23) يتعلق الأمر تحديدا بزكي الميلاد. راجع مؤلفه: "تعارف الحضارات"، دار الفكر، دمشق، 2006، 225 ص
(24) زكي الميلاد، "تعارف الحضارات"، مرجع سابق.
(25) زكي الميلاد، "تعارف الحضارات"، مرجع سابق.
(26) زكي الميلاد، "تعارف الحضارات"، مرجع سابق.
(27) من مستلزمات وشروط نجاح ملتقيات الحوار، التعارف مسبقا، واطلاع كل طرف على ما تختزنه حضارة الآخر، في كل أبعادها الدينية والثقافية والفكرية، قصد استيعابها وتمثلها جيدا، من أجل الاتفاق على مواطن التلاقي ونقاط الاختلاف.
(28) راجع: يحيى اليحياوي، "الرأسمالية في محك التكنولوجيا، أو في النظام التكنولوجي للعولمة"، دار الأوائل، دمشق، يناير 2008.
(29) إن حوار الثقافات، على الرغم من ضرورته ومن أهميته، لا يكفي إذا بقيت الدول الكبرى تمارس سياسات استعمارية توسعية، على حساب شعوب عالم الجنوب، وتستمر في محاولاتها تجاهل الشرعية الدولية، وأيضا تطبيق سياسات الكيل بمكيالين.
(30) زكي الميلاد، "تعارف الحضارات"، مرجع سابق.
(31) أنظر : روجيه غارودي، "من أجل حوار الحضارات"، تعريب عادل العوا، منشورات عويدات، بيروت 1978.
(32) يعاب على هنتنغتون حديثه عن "الحدود الدامية للإسلام"، بإغفال تام من لدنه "للحدود الدامية المسيحية"، بين الأرثوذوكس والكاثوليك في البلقان، و"الحدود الدامية الهندوسية"، في كشمير وفي سريلانكا، أو "الحدود الدامية" بسبب مصالح الدول الأوربية أو الأمريكية الكبرى،" في خطوط التماس بين الشمال والجنوب. كيف إذن يمكن تقسيم العالم المعاصر وتاريخه المتلاحم بين بعض الحضارات الكبرى، إلى محيطات قابلة للتحديد بدقة؟ ثم إن المعارك التي دارت رحاها بين الصرب والكروات، والبوسنيين، بعنف قل نظيره، هل هي حروب متعلقة بالهوية، أم بالماضي، مع أن لدى هذه الشعوب الثلاثة، الكثير من الصفات المشتركة؟ فهم جميعا، سلافيون، ويتحدثون اللغة نفسها.
(33) في الوقت الذي بدأت المطالبات تزداد فيه من أجل العودة للقيم المسيحية الأصل، من قبيل التسامح والعدل والتعايش المشترك والاحترام المتبادل، بغرض تحقيق الحد الأدنى من التعايش مع القيم الإسلامية، فإن أتباع الحضارة الإسلامية مطالبون بدورهم بأن يسايروا ذلك، أي بأن يعملوا على الارتقاء في التعامل والسلوك الحضاري، إلى مستوى قيم الإسلام الدينية والثقافية والحضارية.
(34) في سياق التفاعل الحضاري المراد تفعيله، قد يقول المرء باحتمال تقدم حضارة على حضارة أخرى، بهذا الجانب أو ذاك، كما هو الشأن مع الحضارة الغربية اليوم، حيث بلغت المدنية مستويات جد متقدمة. لكن القول بأفضلية حضارة على حضارة أخرى، هو قول مجانب للصواب والإنصاف، وإلا فمن يستطيع أن يثبت أن هذه الحضارة أو تلك هي أفضل من الباقي، أو أنها أكثر عطاء، وأقوى رمزية وتسامحا؟ وهل ثمة مقياس محدد، اللهم إلا بعض المقاييس المادية المجردة، لضبط العناصر اللامادية المكتنزة بهذه الحضارة أو تلك؟
(35) زكي الميلاد، "تعارف الحضارات"، مرجع سابق.
(36) من المفارقات الكبرى أن أوروبا اليوم هي وكر الاستعلاء والتجبر، هي نفسها أوروبا التي احتضنت الأفكار التحررية منذ القرن الثامن عشر، وأيضا نفس أوروبا التي ألهمت حركات التحرر والاستقلال الوطني، للعديد من شعوب العالم بأواسط القرن الماضي.
(37) لو لم يكن ثمة تفاعل وتلاقح وتكامل حضاري، وكان بمقابله صراع وتدمير واستهداف لكل حضارة لما قبلها من حضارات، لما بلغت الحضارة الغربية ما هي عليه اليوم. يقول برنارد لويس بهذا الخصوص:"لقد كانت هناك حضارات مهيمنة في الماضي، وبدون شك ستكون هناك أخرى في المستقبل. الحضارة الغربية تدمج حداثات سابقة عديدة، بمعنى أنها مثرية بإسهامات وتأثيرات ثقافية أخرى، سبقتها في الزعامة، وهي نفسها ستترك إرثا ثقافيا غربيا لحضارات أخرى ستأتي".
(38) راجع: مهدي المنجرة، "الحرب الحضارية الأولى: ماضي المستقبل ومستقبل الماضي"، عيون، الدار البيضاء، 1990.
(39) يقول الأمير تشارلز: "إن الذي يربط العالمين الغربي والإسلامي أقوى بكثير مما يقسمهما. فالمسلمون والمسيحيون واليهود جميعهم أصحاب كتاب. والإسلام والمسيحية يشتركان في النظرة الوحدانية: الإيمان بإله واحد، وبأن الحياة الدنيا فانية، وبالمسؤولية عن أفعالنا، والإيمان بالآخرة. إننا نشترك في كثير من القيم...إن الإسلام جزء من ماضينا ومن حاضرنا، في جميع مجالات البحث الإنساني، وقد ساهم في إنشاء أوروبا المعاصرة. إنه جزء من تراثنا، وليس شيئا منفصلا عنه...إننا ما زلنا نحتاج إلى بذل جهد أكبر لتفهم كل منا الآخر، وأن نتخلص من سموم التفرقة، ومن أشباح الخوف والتشكيك. وكلما طال مشوارنا في هذا الطريق، فإننا نكون قد خلقنا عالما لأطفالنا وللأجيال المقبلة" (محاضرة له بمركز الدراسات الإسلامية بجامعة أكسفورد، أكتوبر 1993).
(40) مادام هناك جهل بالإسلام، وتجاهل للبعد الحضاري الذي يدفع به، فإنه من المتعذر محو آثار وتداعيات النظرة التي ترى فيه دين صراع. إن مفهوم حوار الحضارات يكاد يفرغ من مضمونه ومن محتواه الحقيقي، طالما لم ينبن على أساس من التعارف المسبق، الكفيل بانفتاح كل طرف على الطرف الآخر، وطالما لم يقم على أساس من احترام الخصوصيات الدينية والثقافية لكل الشعوب والأمم والحضارات.
(41) إنه لا قيمة لأي حوار حضاري طالما لم تسع كل حضارة طرفا في هذا الحوار، إلى التعرف على الحضارات الأخرى، بغرض فهم مكوناتها واستيعاب قيمها ومثلها، على الأقل من زاوية تصحيح العديد من التصورات الخاطئة، التي تكون قد تكونت جراء عوامل تاريخية أو دينية أو إيديولوجية أو ما سواها.
(42) القول بهذا لا يعني القول بأن المسألة محصورة ومقتصرة على النخب والدارسين والأكاديميين. بالعكس من ذلك، فهو تحدي يسائل كل الشرائح الاجتماعية والثقافية والدينية ومؤسسات المجتمع المدني وما سواها. ألم يتضرر المسلم العادي من التضييقات التي تأتت من التفسير التآمري لأحداث الحادي عشر من شتنبر 2001، ومن التوظيفات الجانبية التي استتبعتها على حرية الأفراد والجماعات وحركتهم؟
(43) إن الحوار الحضاري شأن ثقافي في أكثر من جانب، وليس مرتبطا بالضرورة بالقضايا الدينية الصرفة، التي هي من صلب فرضيات ومبادئ ومواقف الإيمان، ويعتبرها أصحابها قضايا مقدسة، لا يجوز الاقتراب منها. فيما عدا ذلك، فكل شيء مطروح للنقاش، من قبيل آفاق الانفتاح والتواصل الإنساني، والتي تشترط بدورها ومن أجل تحققها، الاعتراف بالآخر، وتفهم مطالبه ومقاصده، وإدراك تمثلاته على قدم من المساواة والندية، وعدم استفزازه بالتمييز أو التحقير أو الإلغاء أو الإقصاء أو ما سوى ذلك.
(44) Cf : J. Esposito et F. Burgat (Eds.)، «Modernizing islam: religion in the public sphere in the Middle East and Europe»، New Brunschwig، Rutgers University Press، 200
* "قابلية التحاور الحضاري: البعد الجوهري الغائب"، مركز أسبار للبحوث والدراسات والإعلام، قضية الشهر، نونبر 2012.