تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

ديموقراطية الإنترنيت وتشكيل الوعي السياسي

محمد سيد ريان، مركز أسبار للبحوث والدراسات والإعلام، الرياض، أبريل 2012، 32 ص.

ببداية هذا البحث، يقول الكاتب: "لقد كان لانتشار شبكة الإنترنت في دول العالم مع بداية الثمانينيات، دور كبير في الربط الشبكي بين دول العالم، وسهولة نقل البيانات والمعلومات، في حين كانت البداية الحقيقية للإنترنت في العالم العربي في أوائل التسعينيات، ثم كان لاختراع بروتوكولات الإنترنت، والبريد الإلكتروني، وغرف الدردشة، ومحركات البحث، دور كبير في طفرة الإنترنت، وانتشاره بصورة كبيرة بين مختلف الأعمار".

ولعل ظهور الشبكات الاجتماعية، ضمن هذا الفضاء الجديد، يتابع الكاتب، كان له الفضل الكبير في تكريس ما سمي فيما بعد بالديموقراطية الرقمية أو الألكترونية أو الشبكية.

إن الحديث عن الإعلام الجديد، وحرية الفضائيات وديمقراطية الإنترنت، يجرنا لحديث سريع عن أصل كلمة "ديمقراطية"، فهي تعني وفقا للمصطلح اليوناني حكم الشعب. وعلى الرغم من وضوح المعنى، إلا أن التفسيرات التي طرأت على معنى الديمقراطية، وكيفية حكم الشعب لنفسه، جعلها من أكثر الكلمات غموضا وشيوعا في التداول الثقافي والشعبي.

ومع ذلك، فإن الكثير يزعم أن الإنترنت سيفضي إلى إعادة النظر في مفهوم الديمقراطية من أساسه. إذ وفر الإنترنت ساحة جديدة للرأي العام، تسمح بظهور أشكال جديدة للممارسات الديمقراطية، سواء في عمليات اتخاذ القرارات، أو متابعة ما ينجم عنها من نتائج إيجابية أو سلبية.

أما ديمقراطية الإنترنت، فيعرفها البعض بأنها: "المشاركة من مستخدمي الإنترنت في جميع أنحاء العالم، على شكل هيئات غير حكومية، والتي تقوم بوضع سياسات الإنترنت، أو ما يسمى بعقد التأمين، والتي تقوم بحماية المعلومات الشخصية للمستخدم، وكيف يمكن استخدام هذه المعلومات الشخصية، وغيرها من الوظائف".

ويزعم الكاتب أن "التحديات، والعقبات، والمشكلات السياسية، وحقوق الإنسان، والتطورات الدولية، والتوقعات الاقتصادية، والحروب والفتن، والفساد الحكومي،  والنمو المتزايد في أعداد السكان، ومن ثم الزيادة في أعداد المهمشين سياسيا، وزيادة الفجوة التكنولوجية، والتفاوت الكبير في مستوى المعيشة، كان لها دور كبير في تشكيل وعي سياسي إلكتروني للشباب ومستخدمي الإنترنت، ليشكلوا فكرا، ورأيا معارضا أو مؤيدا، ولتنتج ممارسات ديمقراطية على الإنترنت، كالتصويت الإلكتروني والحكومة الإلكترونية، ومن ثم الحديث عن أخلاقيات الإنترنت".

لقد كان لنمو المجتمعات الافتراضية أو التخيلية، التي توفر بيئة  للتواصل والتراسل الفعال من خلال التقنيات المستخدمة بشبكة الإنترنت، دور كبير يتابع الكاتب، في تشكيل بنية معلوماتية لكثير من الحركات السياسية.

كما ظهر حديثـا ما يسمي بالعصيان المدني الإلكتروني، والذي نشأ كبديل عصري، أو على الأقل مواز للاحتجاج البدني. ويقوم "ناشطو العصيان المدني الإلكتروني باعتراض التدفق المعلوماتي لمختلف الهيئات لشلها أو تعطيلها، ومنهم من يقوم بإرسال آلاف الرسائل الإلكترونية المنددة والمحتجة، إلى شتى الجهات المعنية بصورة ضاغطة ومزعجة".

وقد ارتبط الإعلام الجديد بالتطورات التي شهدتها شبكة الإنترنت، وبخاصة الإمكانيات التفاعلية التي أتاحها الويب 2، وكان من أبرز تطبيقاتها "ما نشهده من شبكات اجتماعية، وأدوات اتصال ومشاركة للمحتوى والأفكار والتجارب والخبرات".

من هنا، يبرز للكاتب، "مدى ارتباط مفهوم الإعلام الجديد بالثورة الاتصالية والتكنولوجية، وكذلك ارتباطها من ناحية أخرى بالثورة في مجال الويب. فمن الجيل الأول الذي كان يركز على النشر والمعلومة بصورة أساسية، إلى الجيل الثاني الذي نعيشه، وهو المعتمد على المشاركة في كافة المواد الإعلامية، ثم السعي نحو الجيل الثالث، الذي يركز على إمكانيات العالم الافتراضي، والبث الحي المباشر، وإمكانيات التعلم غير النظامي عبر الإنترنت والوسائط الاجتماعية".

من جهة أخرى، فقد كان للتطور الكبير الذي طرأ على وسائل الإعلام عموما، والصحافة خصوصا، ونشأة ما يسمى بالصحافة الإلكترونية، دور كبير في تشكيل الوعي السياسي لمستخدمي الإنترنت. ونعني بالصحافة الإلكترونية: "نوع من الاتصال يتم عبر الفضاء الإلكتروني الإنترنت، وشبكات المعلومات والاتصالات الأخرى، تستخدم فيه فنون العمل وآلياته ومهاراته في الصحافة المطبوعة، مضافا إليها مهارات وآليات تقنيات المعلومات، التي تناسب استخدام الفضاء الإلكتروني كوسيط أو وسيلة اتصال، بما في ذلك استخدام النص، والصوت، والصورة، والمستويات المختلفة من التفاعل مع المتلقي، لاستقصاء الأنباء الآنية وغير الآنية ومعالجتها، وتحليلها، ونشرها على الجماهير عبر الفضاء الإلكتروني".

من هنا، فقد منحت الصحافة الإلكترونية فرصة جيدة للأفراد، لمتابعة الأحداث فور وقوعها، لما تتمتع به من سمات مميزة عن بقية وسائل الإعلام التقليدية، وخصـوصـا بما يتعلق بالتحديث المتواصل، والسرعة، وهامش المساحة الكبيرة، والتفاعلية، والحرية الأوسع في التعبير.

تتسم الصحف الإلكترونية بعدد كبير من الخصائص، أهمها: إمكانية إرسالها وتعرض القارئ لها طوال اليوم، فيما ينتظر المتلقي يوما كاملا للحصول على العدد الجديد من الصحيفة الورقية اليومية، ثم إمكانية متابعة الجديد من الأخبار الصحفية في أي وقت، وإمكانية إنتاجها بناء على طلب المستخدم، فيما يعرف بخدمة الأخبار عند الطلب، وتمكن المستخدمين من اختيار المعلومات التي يريدون مطالعتها من بين المعلومات الكثيرة التي تقدمها الصحيفة.

 وكان لتداول الأخبار أيضا، من خلال الإمكانيات التي توفرها الشبكات الاجتماعية، "فرصة كبيرة لمعرفة الآراء والأفكار تجاه الأنظمة السياسية، ومن ثم نشأت معارضة تتخذ من أجهزة الكمبيوتر مقرات دعائية لها، لتغيير الواقع السياسي المعاش".

 إن الوظائف الديمقراطية للإعلام الجديد تتمثل في كونها تضمن، وفق الكاتب:

+  الشفافية الحكومية.

+ الاتصال بالسلطة.

+ تقليص صلاحيات السلطة.

+ نشر الوعي بالحقوق وصيانتها.

+ تحريك مطالب الإصلاح.

+ التعامل مع الأفكار المستحدثة.

 إن الإعلام الجديد، يؤكد الكاتب، قد عمل على مواجهة الدولة، التي كانت تتصرف من منطلق القوة الشرعية الوحيدة، حيث كان لها الحق في تنظيم مضامين العملية الإعلامية وتحديدها من مرجعية سياسية أو إيديولوجية.

بالتالي، فإن أشكال التغيير ستكون على مستويات عديدة، أولها "إن هذه التغيرات سوف تصب في موضوع القناعات. ففي السابق، كانت وسائل الإعلام التقليدية، تسهم إسهاما فعالًا وكبيرا في تكوين الرأي العام، لأن هذه الوسائل كانت من أكثر المصادر أهمية، وهي المحركة للناخبين... إلا أن شبكة الإنترنت ساعدت على تقليل درجة الاعتماد على القنوات الفضائية والإذاعات والصحف الكبيرة، وهي تقوم اليوم بإنجازات اتصالية مهمة".

* "ديموقراطية الإنترنيت وتشكيل الوعي السياسي"، محمد سعيد ريان، نافذة "قرأت لكم"، 15 نونبر 2012.

يمكنكم مشاركة هذا المقال