تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

أولمبياد الخيبة

news-details

لست من هواة الرياضة كثيرا، ولا من المدمنين على متابعتها، فما بالك متابعة فرقها ونواديها، بالمغرب أو بما سواه من دول العالم. والسر في ذلك لا يأتي من كوني لا أتماهى كثيرا مع لغة الهتافات والشعارات التي تصاحب هذا النشاط الإنساني، ولكن أيضا لأنها  (أعني الرياضة) باتت مجالا مسيسا بامتياز، لا بل ومجالا خصبا لاستنبات الريع والفساد بهذا الشكل أو ذاك.

الرياضة، أكانت فردية أم جماعية، سلوك راق، والمنافسة من بين ظهرانيها فعل حضاري ومشروع، والعبرة فيها عند التتويج ليست للغالب على حساب المغلوب، بل للفرجة التي تكون قد أذكتها في النفوس، وسمو الأخلاق الذي تكون قد ثوت خلفه عندما يتعانق "الخصمان"، ويعترف بعضهما للبعض الآخر بالقوة والجلد، دون عقدة أو مركب نقص.

هي كانت ولا تزال كذلك في جزء منها، لكن الجزء الأكبر بات للمال والمتاجرة والربح، ناهيك عن البعد الإيديولوجي المضمر، الذي تضخ لغرض إدراكه إمكانات ضخمة، وترصد لبلوغه موارد بشرية ولوجستية كبيرة.

والمعنى أن الرياضة إنما غدت اليوم قطاعا مستقلا أو شبه قطاع مستقل، لا بل قل اقتصادا لوحده، له مدخلاته ومخرجاته، مواردا ومصاريفا، إدارة وتسييرا، تدبيرا وتأطيرا.

إنه لربما أكثر من ذلك بكثير، لا سيما لو علمنا أن ميزانية نادي من النوادي قد تتجاوز بكثير ميزانيات دول برمتها ونواتجها الخام، وقد يكون من ضمنها ما تدرج أسهمه بالبورصات المالية العالمية الكبرى.

وعلى الرغم من أن هذه النوادي تتمتع باستقلالية شبه تامة عن الدولة أو ما سواها، فإنها مع ذلك تتمثل جيدا مسؤولية تمثيلها لذات الدولة أو لشعبها أو لجمهورها. وعندما تفشل في ذلك أو تقصر فيه، فإنها لا تجد غضاضة في تسليم إدراتها لمن لديهم كفاءة أكثر وسبلا في رفع التحدي أقوى.

إن مناسبة هذا الكلام ليست الحديث في الرياضة، ولا في طقوسها وأطوارها، فذاك أمر لا علم لنا به كبير. المناسبة هي الحديث في بعض نتائج "السياسة الرياضية" بالمغرب، والتي أفرزت تدهورا كبيرا لهذا القطاع، لم تكن حوصلة أولمبياد لندن الأخيرة إلا تجلي من تجلياتها الأساس.

والواقع أن الذي تحصل عليه "الوفد المغربي" بهذه الأولمبياد (وقد كان من أضخم الوفود عددا) إنما يثير الخيبة والحسرة، لا بل والغضب والانتفاض:

+ فمن أصل 73 رياضيا ورياضية انتقلوا لعين المكان بلندن، لم يحصل المغاربة بالكاد إلا على ميدالية نحاسية يتيمة، لولاها ما دخل المغرب سبورة الميداليات بالجملة والتفصيل.

+ ومن بين الدول المتبارية، كبيرها وصغيرها على حد سواء، حصل المغرب على الترتيب 79 بجانب دول كأفغانستان لا يعرفها المرء إلا من خلال الحروب التي لا تنتهي، والفقر الذي لا فقر دونه، أو دول أخرى بإفريقيا أو بآسيا، لا اعتبار لها كبير في هذا الميدان أو في غيره من الميادين الأخرى.

+ ومن الطرائف المضحكة أن الوفد المغربي كلف دافعي الضرائب أكثر من 13 مليار سنتيم، بين تنقل ومأكل ومشرب، ولربما تعويضات للخاسرين أيضا، مقابل تنقلهم، وتعويضا عن أتعاب غير مبررة بميزان الخواتم، خواتم أطوار الأولمبياد.

+ ومن الطرائف المبكية أن العديد من المتبارين المغاربة تهاووا قبلما الولوج لحلبات التنافس تحت وابل المنشطات والمحرمات، فعادوا أدراجهم بعدما أهانوا المغاربة، وأبانوا لهم أنهم إنما يراهنون على نمور من ورق.

والحاصل أن فضيحة أولمبياد لندن لا تستوجب فقط إنزال القصاص فيمن تسنى لهم خيانة الأمانة، بل محاكمة المسؤولين الكبار الذين لم يركبهم الحياء وهم يبررون لنا نوازل الفشل وأسباب الخيبة.

أما وأن ذلك لم يتم، فسنبقى حتما نجر ذيول الخيبة جراء سلوك رياضيين ومسؤولين لا ضمير لهم بالنسبة للأولين، ولا جرأة للآخرين أن ينصرفوا من الساحة جملة وتفصيلا، على الأقل من باب الاستحياء في حده الأدنى.

* "أولمبياد الخيبة"، 13 غشت 2012.

يمكنكم مشاركة هذا المقال