لو كان ثمة من سنة محورية، بتاريخ الوطن العربي المعاصر، لكانت دون شك السنة الحادية عشرة من الألفية الثالثة الجارية.
والواقع أن الذي حدث، منذ بداية السنة إياها، ولا تزال تموجاته قائمة، إنما كان من القوة والسرعة ما لا يمكن إلا أن يثير الدهشة والاستغراب:
+ فنظام الجنرال بن علي تهاوى برمشة عين، هو الذي خلناه أزليا، إذا لم يكن في شخص الثاوي خلفه (خلف النظام أقصد)، فبالتأكيد بالقياس إلى تجذر المتظومة الأمنية التي بناها، ثم نشرها، ثم أشاع الاعتقاد بالداخل كما بالخارج، أنها أعصى ما تكون على الاختراق، فما بالك بالتقويض.
فلم تمر إلا بعض من شهور على إحراق البوعزيزي لجسده، وانفجار الانتفاضة في أعقاب ذلك، حتى انهار النظام، وفر رأس الدولة شر فرار، بطائرة لم يكن المرء ليدري أين ستحط الرحال، ومن سيفتح لها مجاله الجوي للرسو بإحدى مطاراته.
+ أما نظام حسني مبارك بمصر، فلم يصمد كثيرا هو الآخر، إذ اشتداد الاحتجاجات بميدان التحرير، كما بباقي فضاءات المدن المصرية الكبرى، لم يعط النظام إياه كبير متنفسا للاستمرار أو المكابرة.
وعلى الرغم من توالي تنازلات النظام إياه، واستعداده لإصلاح بعض من عيوب المنظومة وتشوهاتها، فإنه ما لبث أن استسلم، ليفسح في المجال واسعا لمتابعة الرئيس وأبنائه وحاشيته، وهم في وضعية اعتقال بالسجون، وببذل بيضاء بقفص المحكمة، تماما كسائر المجرمين واللصوص و"الحرامية".
+ لم تكن خاتمة النظام الليبي بأحسن حال مما جرى للنظامين التونسي والمصري، إذ مباشرة بعد سقوط ذات النظامين، انفجرت شرارة الانتفاض على نظام العقيد بليبيا، وبدأت قلاعه تتساقط، حتى غذا لا يلوي إلا على بعض من أحياء طرابلس، وبعض المدن الصغيرة ذات الرمزية المتواضعة، كما حال مدينة سرت، مسقط رأس العقيد القذافي ومهد قبيلته.
إلا أن ما ميز حالة ليبيا عن حالتي مصر وتونس، إنما النهاية الدرامية التي آل إليها القذافي، وهو بيد "الثوار"، حيث أهين وضرب وسحل وقتل، ثم دفن بأدغال الصحراء الليبية الكبرى.
+ أما باليمن، فقد تمنع النظام وكابر، لا بل وأمعن في سياساته بالقتل والقصف والتحدي بالقول والممارسة. وحتى والرئيس اليمني بالسعودية يعالج من آثار محاولة الاغتيال، فإنه لم يتراجع بعد شفائه قيد أنملة، بل عاد للبلاد متحديا، وبقي على رأس الدولة حتى منحت له ضمانات سياسية بعدم المتابعة القضائية، أو أن يجبر على مغادرة البلاد باتجاه هذا المنفى الاختياري أو ذاك.
بالحالات الأربع المذكورة، يبدو لنا أن الذي جرى إنما يعبر في جوهره ومضمونه، عن حالة درامية حقيقية، لنظم عربية أفرزت الاحتقان على أشده، والغبن والضيم في أقوى صوره، حتى باتت الموت، بأعين المواطن العادي، أهون بكثير من الاستمرار على ذات الحال.
ويعبر أيضا عن حقيقة أن الغطاء الخارجي لم تعد له من نجاعة وجدوى أمام هيجان الشارع، ومطالبته برحيل حاكم لم يفلح في البناء، بقدر ما أفلح في التهديم والإفساد.
ومع أن البعض الكثير لا يتوانى في توصيف ما جرى ب"الربيع الديموقراطي العربي"، على اعتبار طرد الاستبداد واسترجاع المبادرة من لدن الجماهير، فإن ما جرى ويجري منذ سقوط ذات النظم، لا يؤشر على موسم غلة معتبر، قياسا إلى وعود وتباشير الربيع:
+ فتونس ما بعد بن علي لا تزال تتلمس الطريق بعسر، ولم تفرز نخبها دستورا جديدا متوافقا عليه إلا بمشقة الأنفس، لا بل إن ثمة من خف طموحه بعدما تزايدت الحركات الاحتجاجية والإضرابات، وعجزت الحكومة عن لجم الأسعار، وفسح المجال للاستثمار، ثم للشغل ثم للعيش الكريم.
+ أما مصر، المحكومة منذ سقوط مبارك من لدن العسكر، فلا تزال بدورها في متاهات بداية الطريق، إذ وإن نجحت في استنبات انتخابات حرة ونزيهة، فإنها أفرزت بالآن معا، تقاطبات قوية بين الإخوان المسلمين ومن يدور بفلكهم ( وهم الفائزون في الانتخابات)، وبين باقي مكونات مشهد سياسي مبلقن، تتجاذبه الإيديولوجيات ذات اليمين وذات الشمال، ولم يستطع التموقع، قياسا إلى ما ينتظر مصر من رهانات تحديات.
+ أما ليبيا، فقد باتت وكر الميليشيات، ومكمن التجاذبات العرقية والقبلية، ومجالا خصبا لعصابات بيع السلاح ونهب النفط، لا بل إن من المناطق من أعلن استقلاله بالجملة والتفصيل، في حين تبقى "السلطة" في طرابلس عاجزة، متذبذبة، في حيرة من أمرها، ببلد مترامي الأطراف جغرافية وتوزيعا بشريا.
+ أما اليمن، فقد أضحى مرتعا لتنظيم القاعدة، متجدر بالقبائل والجهات، حتى باتت البلاد برمتها تحت رحمته، فيما الحكومة المركزية مرابطة بالعاصمة لا تلوي على شيء، اللهم إلا على جيش منهك، متواضع السلاح، غير مكترث بما يجري هنا وهناك.
هل كانت الغلة في مستوى تباشير الربيع؟
لا أظن. إنه موسم الفوضى بكل المقاييس.
* "فوضى الربيع العربي "، التجديد العربي، 17 أبريل 2012. وكالة فتح للأنباء، 18 أبريل 2012. أخبار الزوى، 21 أبريل 2012. جريدة العرب، لندن، 21 أبريل 2012. موقع كلامكم، 22 أبريل 2012. موقع المبادرة، 4 ماي 2012. موقع تطوان 24 ماي 2012.