بمجرد ما استتب له الأمر بوزارة الاتصال، أياما قلائل بعد تعيين حكومة عبد الإله بنكيران، عمد مصطفى الخلفي، دونما تأخر أو تباطؤ، إلى زيارة مؤسسات الإعلام التابعة لوزارته أو لهذه الأخيرة وصاية إدارية أو معنوية عليها بهذا الشكل أو ذاك. فزار الوكالة، ثم المقر العام للقطب الإعلامي العمومي، وشرع مباشرة بعد ذلك، في صياغة "الجيل الثالث" من دفتر التحملات، الذي من شأنه أن يؤطر عمل الإذاعة والتلفزيون العموميتين، ويرسم لهما الخط والتوجه.
هي دفاتر على شكل عقدة يحدد مضمونها ما للطرفين من حقوق وواجبات إزاء بعضهما البعض، ويضبط لفترة من الزمن، ما يجب على الوزارة أن تقدمه من دعم ومساندة، وما يجب على القطب إياه أن يقدمه مقابل ذلك، من مواد وبرامج للجمهور، وعلى مدى الثلاث سنوات التي تغطيها مدة العقد.
ويبدو أن الوزير، والوزارة من خلفه دون شك، قد راعى الحد الأدنى في مسطرة صياغة هذه الدفاتر، إذ استشار مديري القطب العمومي، وطلب رأي المتدخلين، نقابات وتنظيمات مهنية، واستأنس برأي بعض العارفين... وعندما استقر له الأمر، وتدقق لديه التصور العام، أوكل لمساعديه مهمة بلورة ما تم استقاؤه، وتحريره بالصيغة الرسمية التي يستوجبها الموقف.
لن يكون في الأمر مدعاة استغراب إن نفخ الوزير بذات الدفاتر بعضا من روح ما يؤمن به، أو يبدو له ضروريا أو أساسيا في المرحلة الراهنة من الأداء الإعلامي، أو يعمل على تصريف، من بين أضلع القطب العمومي، ما التزم به حزبه في حملته الانتخابية، أو ما وعد به الجماهير وانتخابات الحسم على الأبواب.
ولما كان الأمر كذلك، فإن الوزير، وهو المنتمي أصلا وبالمحصلة إلى حزب ذي توجه إسلامي، لم يتردد في زرع بعض من نفس التوجه إياه في مضمون الدفاتر، كما في شكلها، كما في الصورة التي يريدها لها عند التصريف.
ومع أن اللمسة الدينية لم تكن خفية فيما أقدم عليه وقدم بالدفاتر، لا سيما بجانب اعتماد آذان الصلاة وطقوس صلاة الجمعة والأعياد بالقناة الثانية، المفرنسة الطبيعة والفرنكفونية التوجه، كي لا نقول العلمانية المرجعية، فإن الوزير برر ذلك، تماما كما برر للغة العربية واللهجة الأمازيغية والحسانية بالأخبار، بدفوعات بسيطة وموضوعية في جزء كبير منها: دفوعات أنه إنما عمل على "تنزيل" مضامين الدستور، وترجمة معانيه دونما اجتهاد من لدنه، أو تجاوز على المتوافق عليه.
وهو أمر قد لا نختلف معه فيه كثيرا، إذ ينص الدستور جهارة على أن الدولة المغربية دولة إسلامية، لغتها الأولى هي اللغة العربية، برافديها الأمازيغي والحساني. بهذه النقطة، لا يستطيع المرء التحامل على الوزير، لا سيما وأن رأس الدولة لم يفتأ يؤكد على ضرورة تصريف بنود الدستور واحترام روحه في المبهم من مواده.
أما على مستوى المسطرة الإجرائية، فيبدو أن الوزير لم يتجاوز قيد أنملة على ما ضمنته له صلاحياته من اختصاصات:
+ فهو عمل على صياغة الدفاتر بشراكة وتشاور مع الفاعلين، علما بأن القانون لا يلزمه بذلك، على الأقل من منطوق الوصاية المباشرة التي له على مرفق الإعلام العمومي...وبكل الأحوال، فهي عقدة بين الطرفين مادية، تناقش موادها وبنودها وفق آليات وتقنيات التفاوض، ولا غضاضة تذكر إن تنازل هذا أو ذاك، على امتياز قائم أو تعهد بواجب جديد.
+ ثم بعث بذات الدفاتر إلى رئاسة الحكومة، والتي لها أن تجيزها أو ترفضها، أو تنظر في مضامينها، أو تطلب إعادة النظر في كل أو بعض من ذات المضامين.
+ ولما لم يكن لرئيس الحكومة من اعتراض على الدفاتر إياها، فقد أحالها مباشرة على الهيئة العليا للاتصال السمعي/البصري بغرض البث في مدى احترامها لروح الدستور والتعددية المعتمدة من بين ظهرانيه، وكذا حق الأفراد والجماعات في إعلام حر، متوازن، ومنفتح على كل الفاعلين، خواصا كانوا أم مؤسسات.
لم يكن لذات الهيئة من اعتراض يذكر على ذات الدفاتر، بل لم تتأخر كثيرا في التأشير عليها، وإعادتها لرئاسة الحكومة بغرض نشرها في الجريدة الرسمية، ثم دخولها حيز التنفيذ في أعقاب ذلك.
لم تنشر الدفاتر بالجريدة إياها لحد الساعة، وهو ما يشي بأن ثمة فاعلين مضمرين لم ترضهم مضامينها، فأشاروا إلى الأمانة العامة للحكومة بالتريث لحين وضوح الصورة النهائية، أي صورة ما لم يظهر لنا بالصورة.
الرباط، 16 أبريل 2012