تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الحرب والتغيير في السياسة العالمية

روبرت غيلبن، ت. سعيد الأيوبي، دار الكتاب العربي، بيروت، 2009، 312 ص.

هذا الكتاب هو بنظر واضعه، محاولة لوضع إطار فكري عام، يحلل مشكلة التغيير في السياسة العالمية، وأثر الحرب على هذه السياسة، من خلال مدحلين اثنين: مدخل اقتصادي صرف ومدخل اجتماعي.

الكتاب، بهذا المعنى، هو محاولة في العلاقات الدولية، تتغيأ ملامسة التجمعات السياسية التي توالى البشر في تشكيلها، في إطار ما يطلق عليه بالنظام العالمي، متسائلا في طبيعة العلاقات الدولية التي تفرز هذا النظام من خلال حالتي الفوضى والنظام التي تطبعه وتدفع عبره إلى تغيير الوضع السياسي العالمي.

من هنا السر في نوعية الأسئلة التي يطرح المؤلف لسبر أغوار هذا النظام: "كيف يحدث التغيير على مستوى العلاقات الدولية، وما الظروف التي يحدث فيها؟ ما الأدوار التي تلعبها التطورات السياسية والاقتصادية والتكنولوجية في إحداث التغيير في النظم الدولية؟ أين يكمن خطر الصراع العسكري الحاد في أوقات الاضطراب الاقتصادي والسياسي السريع؟ والأهم كله هل الإجابات المستقاة من تفحص الماضي صالحة للعالم المعاصر؟".

إن علم السياسة، يتابع الكاتب، قد أهمل إهمالا شديدا مسألة التغيير السياسي، لا بل اعتبرها مسألة طارئة ووقتية، "في حين عندما نجري قراءة للتاريخ، نجد أن فترات السلام دائما تكون أقل من حالة الاضطراب والفوضى التي تقود حتما إلى التغيير".

من ناحية أخرى، يؤكد الكاتب بأن هذا العلم، علم السياسة، ارتكز في تحليلاته واستشرافاته على القار والساكن، الذي يسهل استنباط متغيراته، لكنه لم يقدم دراسة جدية في تحليل المتحرك.

من هذا المنظور، يوضح المؤلف، فإن دراسة " المنهجية للعلاقات الدولية مجال فتي. وكثير مما يعتبر قوة محركة، ما هو في الحقيقة سوى جهود لفهم سكونيات تفاعلات نظم دولية معينة".

إن الكاتب، في هذه الدراسة، إنما ينطلق في تفسيره للعلاقات الدولية باعتبارها شبيهة بالنظام الاجتماعي والسياسي، حيث يقول : إن "النظام الدولي ينشأ لنفس الأسباب التي ينشأ من أجلها أي نظام اجتماعي سياسي".

من هنا، يضع المؤلف إطارأ نظريا عاما لفهم التغيير السياسي الدولي، بالبناء على الافتراضات التالية:

+ أولا: "يكون النظام الدولي مستقرا، أي في حالة توازن، إذا لم تعتقد أي دولة بأنه من الأفضل محاولة تغيير النظام".

+ ثانيا: "ستحاول دولة ما تغيير النظام الدولي، إذا كانت المنافع المتوقعة تزيد على التكاليف المتوقعة، أي إذا كانت هناك مزايا محددة متوقعة".

+ ثالثا: "ستسعى دولة ما إلى تغيير النظام الدولي، عن طريق التوسع الإقليمي والسياسي والاقتصادي، حتى تتساوى التكاليف الحدية لأي تغيير إضافي مع المنافع الحدية أو تزيد عليها".

+ رابعا: "عندما يتم التوصل إلى توازن بين التكاليف والمزيد من التغيير والتوسع ومنافعه، يصبح هناك ميل لأن ترتفع التكاليف الاقتصادية للمحافظة على الوضع الراهن، بصورة أسرع من القدرة الاقتصادية على دعم الوضع الراهن".

+ خامسا: "إذا لم يحل انعدام التوازن في النظام الدولي، سيتغير هذا النظام وينشأ توازن جديد يعكس إعادة توزيع القوى".

هي افتراضات نظرية، يقر المؤلف، لكنها رهينة بمصالح المسيطرين، أي أنها رهينة الصراع بين مجموعتين سياسيتين تتباريان في تحديد هذه المصالح، وأولوية هذه المصالح: إنهم التقليديون والحداثيون.

يقول الكاتب، بخصوص هاتين المجموعتين: " يرى الأولون، وهم واقعيون سياسيون أساسا، أن الأمن القومي والسلطة كانا في الماضي ولا يزالا في الحاضر، الأهداف الأساسية للدول، غير أن الحداثيين يردون بأنه أيا تكن صحة ذلك في الماضي، فإن تحقيق الاستقرار الاقتصادي الداخلي وضمان رفاه السكان، أصبحا أهم أهداف الدول في العالم المعاصر".

ويؤكد الكاتب، من جهة ثالثة، أن أمريكا "لم تعد تمتلك القدرة على حكم النظام، النظام الدولي، رغما عن كونها لا تزال الدولة المهيمنة والأكثر هيبة". إن أمريكا، برأيه في تراجع لأن تكاليف الاستمرار بقيادة النظام أصبحت تفوق قدرتها.

نافذة "قرأت لكم"، 30 يناير 2012

يمكنكم مشاركة هذا المقال