تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

فلسفة الثورات العربية

سلمان أبو نعمان، مركز نماء للبحوث والدراسات، الرياض، 2012، 160 ص.

ينطلق المؤلف في هذا الكتاب، من الاعتقاد بأن حال الثورات العربية الجارية منذ العام 2011، إنما تستدعي "مناهج تفكير جديدة، وأدوات معرفية مجددة في البحث، تنطلق من الإطار الكلي في فهم أبعاد الظاهرة وامتدادها، بشكل يتجاوز العدة البحثية القديمة، ومنطق الإسقاطات وأسر النماذج التاريخية".

ولإدرك ذلك، ينصح المؤلف بأن نتجاوز في ذلك الإطارات التفسيرية التقليدية، الغربية كما العربية على حد سواء، لأن ما يجري بنظر الكاتب، إنما يجب أن يوضع في سياق إمكانية انطلاق دورة حضارية جديدة، "تكون رافعة لمشروع نهضوي عربي واعد ومقاوم".

ويؤكد المؤلف أن تحليل حالة الانتفاضات العربية الجارية، كما القادمة، يجب أن تذهب أبعد مما روجه ويروجه الفكر الفلسفي والسياسي الغربي، خصوصا بجانب "اشتراط وجود طليعة، وتنظيم سري، وقيادة كاريزمية لقيام الثورات".

وهذا ما يبرز، في نظره، "الحاجة الملحة إلى مراجعة وتجديد أدبيات علم الاجتماع والسياسة، وأيضا الفكر السياسي الكلاسيكي، بعد الثورات التي عاشتها تونس ومصر وغيرها من الحالات الثورية الأخرى في اليمن وليبيا وسوريا، والتحولات الجارية في باقي المنطقة العربية".

 ومعنى هذا برأيه، أن "مفاهيم علم الاجتماع السياسي الكلاسيكي، التي كانت تنظر إلى الظاهرة الثورية من خلال تنظيم سري محكم مضبوط، أو طليعة منظمة، وزعيم قائد ذو شخصية كاريزمية ملهمة، وبرنامج سياسي إيديولوجي، وشعارات مركزية جاهزة يتبناها التنظيم والمثقفين والقاعدة الجماهيرية، كما حدث في الثورة الروسية أو في الثورة الإيرانية"، قد أصبحت غير كافية لتأطير الثورات العربية من الناحية النظرية، ومن ناحية إفراز المفاهيم والمقولات. وهو ما يقتضي، في نظره، "صياغة نظرية جديدة في الإصلاح والتغيير، تتجاوب مع فكر ما بعد الثورات، وما أفرزه من تحولات وتحديات، وما فتحه من آفاق، واعتمده من آليات وأساليب جديدة، وارتاده من فضاءات ومجالات، وما اجترحه من قيم وأخلاق وسلوكات".

ويهاجم الكاتب الدراسات العربية التي لا تزال سجينة التنظيرات والمقولات الغربية، أو التي تفكر من داخل بنيانه، أو بالارتكاز على مفاهيمه ومصطلحاته، وهو ما حال في رأيه دونها ودون إنتاج فكر غير متحيز حضاريا، غير متجدد معرفيا وغير مبدع لإفراز نماذج لقراءة التحولات المجتمعية التي يعيشها العالم العربي.

من هنا المحاولة التفسيرية التي اعتمدها الكاتب وأطلق عليها نموذج"التغيير الثوري الانتفاضي المقاوم"، والذي من شأنه أن يستكشف القدرات الكامنة في المجتمعات العربية، والقادرة على تأجيج الثورات واستنبات الأرضية المناسبة لنجاحها واستمرارها.

 ويقف المؤلف، في توظيف نموذجه على الحالة التونسية، ثم الحالة المصرية، دونما أن ينسى الحالات الأخرى. لكنه يعتبر أن للحالة التونسية "فضل السبق، والمفاجأة وسرعة الانتصار. فهي ثورة تأسيسية مرجعية، ملهمة لما بعدها من الحالات الثورية الأخرى. أما الحالة المصرية، فهي ثورة نموذجية في قوتها الجماهيرية، وصلابتها المزدوجة من الطرفين: الثوار والنظام الحاكم. كما أنها ثورة محطمة لفكرة الاستثناء المصري وخصوصية تونس، إضافة إلى كونها ثورة ذات أبعاد خاصة لموقع مصر التاريخي والجغرافي والقومي والاستراتيجي في الوطن العربي، وذات أثر كبير على الكيان الصهيوني والسياسات الدولية في المنطقة".

إن المنظور التركيبـي للتحولات السياسية والانتفاضات الثورية، وطبيعة الحركات الاحتجاجية الجديدة، التي ثارت على الاستبداد والفساد وطالبت بالحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية، إنما تسنى لها ذلك بفضل قدرتها على صياغة " تركيب خلاق بين منطق الهوية والسيادة والمواطنة".

ومعنى ذلك، في نظره، أن الحالة الثورية العربية هي أكبر من ثورة أو ثورات، لا بل وتتميز عما سواها من ثورات، كانت مبنية على نماذج تاريخية أو براديغمات منهجية، أو تنظيرات علمية لم تكن ذات طبيعة كلية. بالتالي، فإن نموذج "التغيير الثوري الانتفاضي المقاوم" الذي يقترح، إنما يؤشر في نظره، "على ظهور قوة مجتمعية جديدة، غير حزبية وغير تقليدية، ابتدعت وسائلها وطورتها وتراكمت خبراتها تدريجيا".

ويخلص الكاتب إلى أن استمرار و"امتداد اللحظة الثورية العربية، بنبلها وطهرانيتها ومثاليتها العالية والمتألقة، تستدعي القيام بثورة ثقافية شاملة، فكرية، ذات عمق حضاري كفاحي، تكون رافعة لتنزيل مشاريع نهوض حضاري جديدة متطورة وملائمة للعصر، تجعلها مركبا للسيادة والاستقلال واستعادة المبادرة".

نافذة "قرأت لكم"، 3 ماي 2012

يمكنكم مشاركة هذا المقال