تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

دور الفكر في السياسة والمجتمع

صاحب الربيعي، دار صفحات للدراسات والنشر، دمشق، 2007، 170 ص.

ببداية هذا الكتاب، يقول المؤلف: إن "النظريات السياسية والاجتماعية نظريات خارجة عن السياق العلمي، ولم يجر التحقق من صدقها على صعيد الواقع في بيئات اجتماعية مختلفة".

بالتالي، فانطلاقا من التمييز بين المفهوم النظري والمفهوم العلمي، يشير الكاتب إلى "أنه لا يجوز تعميم الفرضيات السياسية والاجتماعية على المجتمعات كافة، لأن استنتاجاتها تخص مرحلة تاريخية محددة، ولأن آليات الصراع الاجتماعي وعوامله متغيرة بفعل التقدم والتحديث، في حين أن مقدار الخطأ في المفهوم العلمي محدود نتيجة إخضاعه للتجربة للتحقق من صدقه، لذلك يمكن تعميمه دون الخشية من حدوث إخفاقات في تطبيقاته العملية في بيئات مختلفة".

ويستدل الكاتب على ذلك بكون أكثر من عشرين دولة في العالم اعتمدت وعلى مدى 80 عاما من التجربة على النظرية الماركسية أساسا لنظمها السياسية، "وبإسقاط المنهج التجريبي عليها، ظهر أن هناك فشلا ذريعا لحق بها نتيجة إتباعها رؤية دوغمائية بقوالب فكرية ونصوص جامدة، ولم تتمكن من مجاراة حركة التطور والعصرنة في العالم".

أما النظام الليبيرالي، فيعتبره المؤلف "الصورة المتقدمة للنظام الديمقراطي، حيث قدم الحلول لبعض المشكلات التي عاناها النظام الديمقراطي، خاصة في مجال معالجة حقوق الأقليات العرقية والإثنية، وفي ظل وجود حكم أغلبية برلمانية مستمدة شرعيتها من صناديق الاقتراع، لفرض توجهاتها من خلال آليات النظام الديمقراطي على فئات المجتمع... وقد ضمن النظام الليبرالي حرية ممارسة الشعائر الدينية والحريات الشخصية، واشترط عدم تدخل الدولة في الشؤون الخاصة للأفراد والجماعات".‏

أما من الناحية الاقتصادية، فيرى الكاتب أن الفكر الليبرالي اعتمد "سياسة الباب المفتوح للاقتصاد، ورفض تدخل الدولة في فرض نهجها على مرافق النشاطات الاقتصادية، ومنح الحرية للقطاع الخاص في ممارسة نشاطه بحرية لإنعاش الاقتصاد المحلي. وعلى الصعيد الدولي تحتكم الدولة إلى قوانين السوق والنظام المصرفي التجاري وأنظمة السوق العالمية".‏

من هنا يأتي استشهاد المؤلف بأطروحة فوكوياما، لا سيما عندما يؤكد هذا الأخير أن "التطور الاقتصادي يتطلب النظام الديمقراطي الليبرالي، لأنه أولا قادر على معالجة تعقيد المصالح المتأزمة التي يولدها الاقتصاد الحر، وثانيا: المجتمعات المتقدمة تكنولوجيا، تساهم في انهيار الأنظمة الشمولية ونظام الحزب الواحد، وثالثا: نجاح التصنيع ينتج مجتمعات تسود فيها الطبقات الوسطى، وهذا النوع من المجتمعات يفرض المشاركة السياسية والمساواة".‏

ويتابع المؤلف القول: إنه من "المعروف أن الأحزاب السياسية المتبنية للتوجهات الفكرية الداعية إلى العدالة والمساواة بين البشر، حققت انتصارا كبيرا على غيرها من الأحزاب التي انحسرت توجهاتها في تحقيق المصالح القطرية والفئوية... إن مبدأ تحقيق المصالح مع المجتمع هو الأساس لكسب المؤيدين، لما يحققه من منفعة لجميع فئات المجتمع، فصدق الفكر يعني مدى تحقيقه للمنفعة عند إسقاطه على الواقع".

وعليه، فإن المنهج البراغماتي، إنما هو، بنظر الكاتب، نهج عملي ومحدد المسارات في تطبيقاته، ويستند إلى التجارب لقياس صدق الأفكار لتحقيق المنافع، رافضا المسارات النظرية غير التطبيقية، ويخطط للمستقبل ولا يهتم بماهية الفكر إلا بقدر ما يخدم نتائج التجربة لتحقيق المنفعة المباشرة.‏

في نفس السياق، يؤكد المؤلف على أن العلاقة بين الفكر والسلطة تستوجب الاستقلالية الفكرية كركيزة أساسية للإبداع الإنساني، وإلا "فإنه يصبح أداة لخدمة توجهات فئوية مضادة للتوجهات العامة"، مرتكزة على الهيمنة السلطوية والحزبية المفروضة على المفكرين، والمتأتية من أنماط في الرقابة تقيد حركة الإبداع الفكري والثقافي.‏

ويعتقد الكاتب أن "المثقّف المنضوي تحت لواء حزب سياسي على أساس فكري، يغالط نفسه، لأن الحزب أداة لتحقيق المصالح... والفكر مجرد وسيلة للوصول إلى الغاية المتمثلة في تحقيق مصالح منتسبي الحزب. لذا يتعين عل المثقف أن يترك مسافة آمنة بينه وبين الحزب، حتى لا يفقد حريته".‏

من جهة أخرى، يلاحظ الكاتب بأن جميع المجازر الوحشية التي ارتكبت عبر التاريخ قام بها السياسيون، "وما من تخلف أصاب المجتمع إلا بإشرافهم، وما من حروب اندلعت وحصدت الملايين من البشر، إلا وكانت بقرارهم.‏ فالسياسيون الجهلة مسؤولون عن كبوة الأمة عظيمة الشأن، لأنهم مشغولون بتحقيق رغباتهم، وفرض توجهاتهم غير السوية بالعنف والاستبداد على المجتمع. فهم مستعدون لعرض الوطن والمجتمع في المزاد العلني في السوق الدولية للحفاظ على سلطانهم... إن المثقف السياسي والمحترف للعمل السياسي بالدراسة والتحصيل والتجربة، ينأى بنفسه عن الأنماط المبتذلة للسياسة، حتى يحظى بمصداقية وثقة أقرانه من السياسيين، فيتماشى سلوكه وأداؤه مع ما يطرحه من آراء وأفكار، ويكون ملتزما بتعهداته مع الآخرين".

وبناء على ذلك، فإن المؤلف يعتقد بأن السياسي السوي هو الذي يتطابق سلوكه وتصرفاته وضميره الحي مع ما يكتسبه من سمعة، من دون الحاجة إلى شرائه الذمم والأقلام المأجورة لتلميع صورته في أعين الناس.‏

نافذة "قرأت لكم"، 17 ماي 2012

يمكنكم مشاركة هذا المقال