تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

التكنوقراط والسلطة

news-details

إسماعيل نوري الربيعي، مركز أسبار للدراسات والبحوث والإعلام، الرياض، أكتوبر 2009، 15 ص.

ببداية الدراسة، يقول الكاتب: "يكشف واقع العلاقات عن الدور البارز والكبير الذي بات يضطلع فيه العلماء والفنيون، لا سيما في مجال مواجهة الأزمات والمشكلات التي تفرض بتفصيلاتها على الواقع. ومن هذا المعطى الشديد الموضوعية، بات من المهم النظر إلى إعادة النظر في مجمل العلاقات السابقة، التي كانت تخضع لهيمنة العامل السياسي، حيث توزيع الأدوار صار شديد الارتباط بالتفاصيل التي تحددها، حالة التوسع الهائل والكبير لدور التكنولوجيا وتوسع إسهاماتها في المجال الاجتماعي. ولم يقف الأمر عند مستوى الحاجات المباشرة التي تفرضها العلاقات الاجتماعية، بل أن التفصيلات المرتبطة بالمفاصل الإدارية والتنظيمية التي تقوم عليها بنية وهيكلية الدولة، صارت تفصح عن هذا الجانب الذي يبرز أهمية التكنولوجيا في الحياة وبطريقة الزيادة الهندسية، حتى غدا أمر الاستناد إلى التكنولوجيا والفنيين الذين يقودونها، بمثابة الأصل الذي لا يمكن الاستغناء عنه أو حتى المس به".

 لم تعد التقانة مجرد عامل إتمام إنشاطي، قوامه المساهمة الجادة والمباشرة في ترسيخ وتحقيق معدلات النمو وتوسيع معطيات الجانب الإنتاجي، في سبيل تحقيق الطفرات النوعية على المستوى الاقتصادي، بل إن الأثر لهذا العامل صار، برأي الكاتب، ينبئ عن "الأهمية القصوى التي تفرزها مقومات التفاعل بين العوامل الاقتصادية والاجتماعية إلى الحد الذي صارت فيه دالة العلاقة تقوم على الوعي الجديد، المستمد من التطور الهائل والواسع للتقانة في صميم الواقع. إذ لم تعد مجرد أداة ووسيلة غايتها السيطرة على الطبيعة، بل تحولت إلى فاعل شديد الرسوخ في تنظيم وتحديد مجال العلاقات الأشد حضورا وأهمية".

إن الخضوع لمؤثر النفوذ والسيطرة المالية والإدارية، لم يعد لوحده كافيا في تحديد وترسيم القرار الذي يسعى إليه مجمل المتطلعين، نحو ترصين وجودهم داخل حلقة السلطة. "فالتطورات التي فرضتها التقانة جعلت من مسألة توزيع العلاقات، تتخذ طابعا شديد الاختلاف، قوامه الاستناد إلى سلطة المعرفة بشكل متزايد، إلى الحد الذي توسعت فيه سلطة الفنيين من خبراء وعلماء وتقانيين في صنع القرار السياسي، حتى أن الصورة العامة باتت تفصح عن اللمسات الواضحة للتكنوقراط في صميم القرار الذي تصدره المؤسسة السياسية".

لم يعد من الممكن، يتابع الكاتب، الوقوع تحت إسار الهيمنة التي تفرضها سطوة القرار السياسي لوحده، بل "إن العامل الاجتماعي يظهر بجلاء، في طريقة تقديم التكنوقراط إلى الواجهة، خصوصا وأن الأمر بات متعلقا بالتفصيلات التي تفرضها تفاصيل الحياة اليومية، حيث التقانة التي ترسخت في مجمل المضامين والعلاقات السائدة، إلى الحد الذي باتت نظرة المجتمع تتوثق حول أهمية التكنوقراط في وضع الحلول الناجحة والمبتكرة لمجمل المشكلات والعوائق التي تفرضها وقائع الحياة".

 من هنا، يزعم الكاتب، تبرز للعيان "ملامح الشرعية" التي يحظى بها التكنوقراط، في بلوغهم إلى السيطرة، وملامح النفوذ على إصدار القرار السياسي، إن كان على مستوى امتلاك الخبرات والمعارف التي تؤهلهم نحو التصدي للمزيد من الموضوعات التي تعترض حياة الناس، أم كان على صعيد ثقة الناس في الخبرات التي يمتلكها التكنوقراط، لا سيما في معالجة المزيد من المشكلات والقضايا".

إن توسيع دور التكنوقراط، بنظر الكاتب، إنما يعود إلى زيادة المشكلات والتداخلات التي تنوء بثقلها على الواقع، حيث يكون البحث عن وضع الحلول صعبا، لا سيما في الأحوال والأوضاع المضطربة. بمعن أنه إذا كانت السلطة السياسية تدار من قبل السياسيين المحترفين، حيث المباشرة الشديدة الوضوح في صنع القرار، "فإن الواقع الفعلي يكشف عن هذا الدور الذي لا يمكن أن يؤديه سوى أصحاب الخبرة المباشرة في صميم الظاهرة، وعلى مختلف المستويات الاقتصادية منها والإدارية".

إن السمة الخاصة التي تقوم عليها حكومة التكنوقراط، يتابع الكاتب، إنما تجعل منها قائمة على الانتداب المباشر من قبل القادة السياسيين، وعلى هذا "تبرز الكفاءة حاضرة بكل قوة في هذا الشكل من الحكم، إذ تلعب العوامل الفنية في إبراز القيادات دورا بالغ الحسم، حيث التطلع نحو الإفادة القصوى من التخصصات، وجعلها الوسيلة الأصل في الاختيار. ومن هنا تتجلى أهمية الخبرة والمهارة والإمكانات الذاتية، في استقطاب هذا العنصر أو ذاك. فيما تنحسر أهمية العوامل الأخرى، ذات التأثير الفاعل في ترسيم معالم النظام السياسي".

ثم إن سلطة التكنوقراط لا تقوم على أحادية الفعل أو الخضوع لشكل محدد من النشاط، بقدر ما تتمظهر المزيد من أشكال المساهمة في صنع القرار، والتي تكون المشورة الفنية جزءا راسخا وأكيدا فيها، بل تكاد تكون الأصل الأهم من بينها، حيث الارتباط الوثيق بين هذه النخبة الفنية وقدرتها على تقديم المعلومات ذات الأثر المباشر في استقراء ملامح الظواهر.

من جهة أخرى، يؤكد الكاتب أنه لا يمكن إغفال الجانب الاستشرافي الذي يتمتع به التكنوقراط، خصوصا وأن مدى المساهمة السياسية لديهم تقوم على قاعدة راسخة من البيانات والمعلومات. من هنا "تكون مجالات التنفيذ وقد اتخذت مرونة عالية في وضع التقديرات ذات السمة العلمية، الخالية إلى حد ما من الجوانب الحدسية والاستغراقات العاطفية أو الحماسية، أو حتى الانتماءات الفئوية والتخندقات الأيديولوجية".

بالتالي، فإن السمة الأصل التي تميز التكنوقراطي تقوم على حالة الاستناد إلى التخصص الدقيق في مجال معرفي محدد شديد الوضوح. وقوام الاكتساب هذا إنما يستمد من تكثيف جانب التحصيل والتعلم والخبرة. ومن هذا المعطى فإن القراءات المناطة به تكون على قدر واسع من إمكانية مواجهة المشكلة، والقدرة على وضع المعالجات الموضوعية لها.

ومع أن دور الفني يرتبط بالحقل الإنتاجي أو الإداري المباشر من دون أن يكون له الإسهام الواضح في صنع القرار، إلا أن الاستشارة تبقى بمثابة الفيصل الذي يحدد العلاقة بصنع القرار. ومن هنا "تتبدى ملامح دور الخبرات والكفاءات الموزعة في العديد من المجالات، إن كان على صعيد الهندسة أم الاقتصاد أم الاختصاصيين في مختلف الميادين، حيث التطلع الحثيث نحو الوقوف على الآراء والمقترحات والمشورة، التي يمكن أن يقدموها إلى القيادات السياسية التي تضطلع بدور صنع القرار".

بالمقابل، فإن الدور المفصلي الذي يقوم عليه التكنوقراطي، في تصميم وتوضيب ملامح وقسمات القرار، لا يجعل منه الأداة الحاسمة والنهائية في استصدار القرار. فالأمر يبقى منوطا بالقائد السياسي على صعيد تصنيع القرار الحكومي. إلا أن "الأهمية تكمن في هذا التصميم والإعداد الذي يجهد في صياغته وتوظيبه وتقديمه إلى أصحاب القرار من أجل الأخذ به. ولعل المفارقة الأشد حضورا في هذا الواقع، تتمثل في هذه الشعرة الرقيقة التي تمثل الفاصلة بين دور الفني والسياسي. إذ تقوم العلاقة على التكامل وليس الاستغراق في لعبة الإلغاء والتهميش. فلا يكون الفني مجرد أداة بيد السياسي، ولا السياسي مجرد ألعوبة بيد الفني. ومن هنا تحديدا تبرز ملامح سلطة صنع القرار، والتي تبقى منغرسة في مجال صانع القرار والذي يتمثل في السياسي".

* "التكنوقراط والسلطة"، إسماعيل نوري الربيعي، نافذة "قرأت لكم"، 11 يوليوز 2013.

يمكنكم مشاركة هذا المقال