تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

التعريب والتنمية

news-details

مصطفى محسن، منشورات شراع، طنجة، يونيو 1999، 86 ص.

بمقدمة هذا الكتاب، يقول المؤلف: " لقد أصبحت إشكالية التعريب في المغرب، كما في الوطن العربي بشكل عام، من بين أبرز المشكالات وأخطرها وأكثرها تداولا، ولا سيما في الظرفية الراهنة التي تجتازها مجتمعاتنا الثالثية، والتي تأكد فيها بالملموس، وعبر التجارب الكونية المتعددة، أن المقومات الخصوصية لمجتمع ما، ومن بين أهمها اللغة، تعد الدعامة الأساسية لكل تنمية شاملة ومستديمة".

ويتابع المؤلف القول: " إذا كانت مجتمعاتنا العربية قد أحرزت على استقلالها منذ فترة ليست باليسيرة، فإن وضعية التعريب فيها ما تزال معلقة، وغامضة المعالم والآفاق. كما أن القرار السياسي والاجتماعي بشأن تجاوز هذه الوضعية، ما يزال بدوره ضائعا بين تضارب واختلاف التوجهات والمصالح والصراعات والرهانات الفكرية والاجتماعية والسياسية، التي تخترق هذه المجتمعات".

إن الحاجة إلى تعريب التعليم والتكوين والثقافة والبحث العلمي، ومجمل أساليب تدبير الشأن العام في مجتمعنا المغربي والعربي على السواء هو، بنظر الكاتب، " مطلب أساسي هام، يصبو إلى الوصول إلى ما حققته المجتمعات المتقدمة من عناية بلغاتها الوطنية، واعتمادها كلغات أساسية في مختلف المجالات الفكرية والاجتماعية، يتجاوز المطلب الآنف الذكر إلى كونه ضرورة وشرط وجود حضاري وتاريخي".

ولعل الدروس التي تقدمها لنا التجارب الكونية " تبرز ما يكفي من الوضوح، أن المجتمع، أي مجتمع، لا يحتاج لغته الوطنية للتعامل بها واستعمالها في شتى مناحي الحياة، وللحفاظ على هويته وثقافته الوطنية فقط، وإنما، وهذا هو الأهم، يحتاجها في عملية التنمية الشاملة".

 بالتالي، يتابع الكاتب، فإن الانخراط في زمن الحداثة بكل ما يرتبط بها من قيم العلم والمعرفة والعقلانية والتنظيم والتقدم والديموقراطية وحقوق الإنسان، " لا يمكن أن يتحقق لأي مجتمع إلا بالاعتماد على قدراته وإمكاناته الخاصة ومقوماته الذاتية بالأساس، واللغة من أهم مقومات الذات، إن لم تكن أهمها على الإطلاق".

ويلاحظ الكاتب، في محاولة لتأصيل انفصام اللغة والتنمية، بأن للمسألة جذور تاريخية، حيث " قام المشروع الكولونيالي في مجتمعات العالم الثالث كما هو معروف، ولا سيما في أوج صعوده وتناميه في أواخر القرن التاسع عشر ومستهل القرن العشرين، على تحطيم البنيات والهياكل التقليدية في هذه البلدان، وتشويه ما كانت تتوفر عليه من خصوصيات ومقومات ثقافية وحضارية، مثل اللغة والعادات والأعراف والتقاليد والقوانين وأنماط التربية والتعليم والتقاضي، فضلا عن البنيات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، التي كانت سائدة قبل التغلغل الاستعماري بمختلف أشكاله المادية والرمزية. الأمر الذي حال بين هذه المجتمعات وبين مواصلتها لتطورها الطبيعي، ضمن سيرورتها التاريخية والحضارية الذاتية، وما ينتظمها من شروط ومقومات نوعية، خاصة ومتميزة".

ويعتقد المؤلف أن التبرير الذي اعتمد عليه الاستعمار لتسويغ ما قام به " من تحطيم وتشويه لتراث ومقومات هذه البلدان المعنية هو أن تراثها هذا، بما فيه اللغة، يعد في تصوره عاملا من عوامل التخلف، وعائقا دون تحقيق التنمية التي تنشدها".

وبما أن اللغة تعد الدعامة المركزية في تراث كل أمة، " فقد اتخذ المستعمر من استبدال اللغة الوطنية للمجتمع المحتل بلغته الأجنبية، مدخلا رئيسيا إلى مشروعه الحداثوي المزعوم، وتكريسا لنواياه وأغراضه".

وعليه، فقد قام المحتل بالتالي: تجريد الشعوب المستعمرة من أهم خزان لتراثها الثقافي ألا وهو اللغة، ثم استبدال اللغة الوطنية باللغة الأجنبية للمحتل، وجعلها اللغة الأساسية للتعليم والعلم والثقافة، وأيضا لغة التدبير الإداري والبشري لمختلف دواليب ومرافق ومجالات الحياة الاجتماعية والاقتصادية، لتصبح بذلك لغة التداول اليومي والمعاملات العامة. ثم جعل اللغة الأجنبية أداة لترويج واستهلاك ثقافة المستعمر، تمهيدا لتهميش الثقافة الوطنية للبلدان المستعمرة، وإدماجها بشكل كلي في الثقافة الأجنبية.

من هنا، يلاحظ الكاتب، فإنه ضمن هذا التصور السوسيوتاريخي لعلاقة المسألة اللغوية في مجتمعات العالم الثالث بالمسألة الكولونيالية، يمكن "فهم الكثير من أبعاد ودلالات ومشكلات حركات أو سياسات التعريب في الوطن العربي، سواء تعلق الأمر بمواقف ومبادرات حركات التحرر الوطني، أثناء الفترة الاستعمارية في المجتمعات العربية، أو ما تلا هذه الفترة من سياسات واستراتيجيات الدول الوطنية المستقلة في هذه المجتمعات، في مجال التعريب واسترجاع الهوية الوطنية والقومية في الأوضاع الراهنة للتبعية والتخلف".

إن اللغة الوطنية، يلاحظ المؤلف، دعامة أساسية للوجود والتواصل البشري في كل مجموعة إثنية أو مجتمع. ولما كانت كذلك، فإنها تعتبر جزءا لا يتجزأ من الثقافة الوطنية، باعتبارها مخزونا من مخزونات الإنتاج الفكري المادي والرمزي على حد سواء.

إن علاقة اللغة بالتنمية، يؤكد الكاتب، إنما هي علاقة جدلية بامتياز، أولا لأن اللغة ظاهرة اجتماعية، ثم هي أداة أساسية للتواصل وتبادل الرموز والقيم والمصالح داخل فضاء اجتماعي وثقافي معين. وهي أيضا خزانا لتراث وثقافة الشعوب، وأداة لإغناء هذا التراث وموالاة إنتاجه وإعادة إنتاجه باستمرار.

ويلاحظ، من جهة أخرى، أن اللغة أداة للتنشئة الاجتماعية والثقافية والأخلاقية والمهنية للأجيال الصاعدة، " وذلك عن طريق قيامها بنقل القيم والخبرات والتجارب والمعارف، وكل المقومات الروحية والمادية للجماعة إلى هذه الأجيال، بغرض تمثلها واستدخالها وإعادة إنتاجها في سلوك وممارسات معبرة عن قيم الجماعة".

ولما كانت عملية التنمية، بالنسبة للكاتب، هي عملية قصدية إرادية وذاتية، ولما كانت مقوما من مقومات الذات، وأداة استيعابها وتعاملها وتفاعلها المتواصل مع مكونات الواقع الطبيعي والاجتماعي، فإنه " لا يمكن لأي مجتمع أن يحقق أي تنمية أو تقدم إلا بالاعتماد، بشكل أساسي على لغته الوطنية، وإلا إذا استطاع أن يجعل من هذه اللغة وسيلة فعالة للتحاور مع الغير، وقادرة على تطوير وتجديد ذاتها، صيغا ومامينا، لتصبح بذلك مواكبة علميا وحضاريا".

* "التعريب والتنمية"، مصطفى محسن، نافذة "قرأت لكم"، 9 فبراير 2012.

يمكنكم مشاركة هذا المقال