تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

"العولمة والثقافة"

news-details

جون توملينسون، ترجمة إيهاب عبد الرحيم محمد، عالم المعرفة، العدد 354، غشت 2008، 320 ص.

ببداية هذه الدراسة، يقول الكاتب: " تقع العولمة في القلب من الثقافة الحديثة، وتقع الممارسات الثقافية في القلب من العولمة". ويتابع: لست " أقصد القول بأن العولمة هي المحدد الوحيد للتجربة الثقافية الحديثة، ولا أن الثقافة بمفردها هي االمفتاح المفاهيمي الذي يفك مغالق القوة الدينامية الداخلية للعولمة".

القصد، يوضح المؤلف، إنما القول بأن العمليات التحويلية الهائلة لعصرنا الحديث، والتي نصفها العولمة، " لا يمكن أن تفهم على نحو صحيح حتى تدرك من خلال المفردات المفاهيمية للثقافة. وبالمثل، فإن هذه االتحولات تغير نسيج التجربة الثقافية ذاته. كما أنها، في الحقيقة، تؤثر في إحساسنا بالهوية الحقيقة للثقافة في العالم الحديث".

ولمقاربة مفهوم العولمة، يلجأ الكاتب لما يسميه ب "المرتبطية المعقدة"، أي أن العولمة، بالبناء على ذلك، إنما تشير إلى "تلك الشبكة سريعة التطور، ومتزايدة الكثافة دوما من الترابطات والعلاقات المتبادلة التي تميز الحياة الاجتماعية الحديثة".

بالتالي، فإن العولمة هي " ببساطة، تقوية أواصر الترابط العالمي"، بمعنى أنه " في الوقت الحاضر، نجد أن السلع ورأس المال، والبشر، والمعرفة، والصور، والجريمة، والملوثات، والمخدرات، والأزياء، والمعتقدا تتدفق كلها بسهولة عبر الحدود الإقليمية. وأن الشبكات والحركات والعلاقات الاجتماعية العالمية واسعة الانتشار في كل المجالات تقريبا، من الأكاديمية إلى تلك الجنسية".

إن هذه الارتباطات والتشابكات المتعددة القيم، هي، يقول الكاتب، " ما يربط الآن ممارساتنا وتجاربنا ومصائرنا البيئية والاقتصادية والسياسية معا عبر العالم الحديث. وبالتالي، فإن المهمة العريضة لنظرية العولمة تتمثل في كل من فهم مصادر هذه الحالة من المرتبطية المعقدة، وترجمة نتائجها عبر المجالات المختلفة للوجود الاجتماعي".

ويلاحظ المؤلف أن فكرة المرتبطية تدل تحديدا على تزايد التقارب العالمي/المكاني، "والذي تحدث عنه ماركس ...على أنه إفناء المكان بالزمان، والذي أشار إليه ديفيد هارفي على أنه انضغاط الزمان والمكان". الأمر المتضمن هنا هو " إحساس بانكماش المسافات، من خلال الانخفاض الدراماتيكي في الوقت المستغرق، إما بصورة مادية ( على سبيل المثال، عن طريق النقل الجوي) أو تمثيلية ( عن طريق النقل المتواسط ألكترونيا للمعلومات والصور) لاجتيازها".

بالتالي، فإن فكرة المرتبطية بنظر الكاتب، إنما هي حمالة لمجازات مختلفة، ابتداء من "القرية العالمية" لماك لوهان، وإلى "جوارنا العالمي" الذي طرحته الأمم المتحدة. ومع ذلك، فإن حالة المرتبطية لا تؤيد بنظر المؤلف، فكرة التقارب فقط، "لكنها تضفي طابعها الخاص على الطريقة التي نفهم بها التقارب العالمي. فأن تكون مرتبطا يعني أن تكون قريبا بطرق بالغة التحديد. فتجربة التقارب الناتجة عن هذه الارتباطات، تتعايش في وجود مسافة مادية، يستحيل نكرانها، وتتسم بثبات عنيد، بين الأمكنة والناس في العالم، والتي لم تتمكن التحولات التقنية والاجتماعية للعلم من طردها".

وعليه، فإنه من بين الإجراءات اللازمة لتحقيق العولمة، " نجد مدى توافق قهر المسافة المادية مع مثيله في المسافة الثقافية".

ويوضح الكاتب أنه من وجهة النظر الوسائلية للرأسمالية، فإن المرتبطية تعمل " على زيادة القرب الوظيفي. ولا يجعل هذا كل الأماكن متشابهة، لكنه يخلق فضاءات معولمة، كما أن الأروقة الموصلة تسهل من تدفق رأس المال، بما في ذلك، سلعه وموظفوه، بصورة متوافقة مع انضغاط الزمان/المكان الخاص بالمرتبطية، مع درجة ما من الانضغاط الثقافي. وهذا بالتأكيد بعد مهم للعولمة، لكنه لا يدرك الصورة الكاملة، ويخاطر بالمبالغة في حجب المرتبطية بالتقارب الثقافي". إلا أن هذا التباين الثقافي " يختفي في كثير من الأحيان عند رؤيته من منظور عولمة رأس المال، التي تعمل على نحو متناغم".

من جهة أخرى يتابع الكاتب، فإذا كانت المرتبطية تدل حقا على التقارب كحالة اجتماعية/ثقافية عامة، فيجب أن يفهم هذا على اعتبار أنه تحول في الممارسة والخبرة، يحس في الحقيقة داخل النواحي المحلية، بقدر ما يستشعر في الوسائل التكنولوجية المتزايدة للوصول إليها أو الخروج منها...: إن المجتمع الحديث هو مجتمع متنقل" بامتياز.

ويقر الكاتب بأن تعدد الأبعاد هو أمر وثيق الصلة بفكرة المرتبطية المعقدة. ولأن تعقيد الارتباطات التي تنشئها العولمة يمتد إلى الظواهر التي اجتهد علماء الاجتماع في فصلها إلى مقولات، نفكك من خلالها الآن بشكل مألوف الحياة الإنسانية: الاقتصادية والسياسية والاجتماعية وبين الأشخاص والتقنية والبيئية والثقافية...".

وهذا لا يعني، بذهن المؤلف، التقليل من أهمية البعد الاقتصادي في عملية العولمة، إذ " إن القوى المحركة للرأسمالية في كل لحظاتها المتعلقة بإنتاج وتوزيع واستهلاك السلع، مثقلة بالتضمينات حول ترابطنا المتزايد. ولا يعني هذا على أي حال، أن التحليل الاقتصادي للرأسمالية العالمية هو الطريق الميسر لفهم العولمة".

ويخلص الكاتب إلى القول بأن الناس " لا يتحولون من ممارسة البعد الاقتصادي إلى ممارسة البعد الثقافي بالطريقة التي قد نتخيلهم فيها، وهم ينهون عمل اليوم، ومن ثم يتحولون إلى الأنشطة الترويحية...أي أنه يجب علينا أن نستخلص من الممارسات المتشابكة بصورة معقدة لكل من الأبعاد الثقافية والاقتصادية والسياسية، إحساسا بالغرض من البعد الثقافي، والذي يتمثل في جعل الحياة ذات مغزى".

* "العولمة والثقافة"، جون توملينسون، نافذة "قرأت لكم"، 23 فبراير 2012.

يمكنكم مشاركة هذا المقال