تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الريف بين العدوان والتهميش والبحث عن الذات

news-details

جميل حمداوي، منشورات الشروق، يونيو 2009، 120 ص.

+ يتناول هذا الكتاب منطقة الريف، منذ تواجدها في قبضة الاحتلال الإسباني بداية القرن العشرين، وإلى حين العام 1956، سنة انتهاء عهد هذا الاحتلال.

يقول المؤلف بهذا الباب: لقد "استعمل العدو الأجنبي في هجومه الشرس على منطقة الريف أعتى الأسلحة الفتاكة في مواجهة البطلين: محمد الشريف أمزيان ومحمد بن عبد الكريم الخطابي، فانتهى الوضع العسكري والميداني، الذي كان لصالح المقاومين المجاهدين والثوار الريفيين، باستخدام العدو الهمجي للغازات السامة المحرمة دوليا، من أجل القضاء على المقاومة الريفية بصفة نهائية".

وبعد الاستقلال، يتابع الكاتب، "دخلت منطقة الريف في مواجهة مع السلطة المخزنية، عندما رفض المقاومون الريفيون التخلي عن أسلحتهم لحساب الدولة، بدليل أن الاستعمار مازال جاثما بالبلاد، ولم ينعم الوطن بعد بالاستقلال الحقيقي في كل ربوعه وثغوره. وبالتالي، يستوجب الوضع الميداني الاستمرار في الجهاد والمقاومة لتحرير كل المرافئ والأشبار المحتلة".

إلا أن المخزن " أجهض المقاومة الريفية، بعد أن استعمل ضدها القوة والبطش. وبعد ذلك، انتقل المخزن إلى تطبيق سياسة التهميش والنسيان والتهجير في حق الريفيين، مما جعلهم ينتفضون بكل غضب وتمرد في سنة 1984، والتي أزهقت فيها نفوس كثير من المواطنين الريفيين الأبرياء ظلما وعدوانا".

لكن الريفيين، يؤكد المؤلف، سيفكرون في السنوات الأخيرة "في بناء الذات والذاكرة التاريخية بكيفية متدرجة واعية وذكية، من خلال البحث عن الهوية الأصلية، والتشبث بالكينونة الأمازيغية عن طريق البناء الثقافي الأمازيغي أولا، والدعوة السياسية إلى تطبيق الحكم الذاتي والجهوية الموسعة ثانيا".

+ في حديثه عن "سياسة العدوان والموت"، يؤكد الكاتب أن حرب الغازات السامة التي شهدتها المنطقة، تعد من "أهم الحروب الكيمياوية في تاريخنا المعاصر، حيث التجأت إليها إسبانيا بمساعدة حلفائها، قصد القضاء على مقاومة عبد الكريم الخطابي، التي كانت قد حققت انتصارا باهرا على القوات الفرنسية والإسبانية في معركة أنوال سنة 1921، وغيرها من المعارك. واستعملت الحكومة الإسبانية كل الغازات المحرمة دوليا، بسبب الذل المهين وهستيريا الهزيمة، ورغبتها في رد الاعتبار المعنوي للإمبراطورية الإسبانية، بعد أن منيت بعدة هزائم أثرت سلبيا على قوة الجيش الإسباني عددا وعدة".

لقد ترتب عن قنبلة الريف كيماويا برا وبحرا وجوا، من سنتي 1921 إلى سنة 1927      "مقتل الكثير من الريفيين، وتدمير البيئة بشمال المغرب، وتلويث المياه، وتسميم الأجواء، وجرح الكثير من السكان، وإعطابهم باسم الحضارة الغربية والمدنية المتقدمة".

فابتداء من العام 1921، أصبحت إسبانيا تملك العديد من المدافع الغازية، والطائرات الحاملة للقنابل السامة التي استوردتها من فرنسا، "وتلقى أكثر من 300 جندي إسباني تدريبهم في فرنسا، على كيفية استخدام الأسلحة السامة، وتركيب القنابل كيماويا. بل هناك الكثير من الجواسيس والمهندسين الألمان الذين كانوا يزورون مدينة مليلية كل شهر، وكانوا يسهرون على تسيير معمل الغازات السامة، ويشرفون بأنفسهم على تأطير الجنود وعمال المصنع في عمليات التركيب والتوليد والإنتاج. واستوردت إسبانيا طائرات خاصة بحمل قنابل الغازات السامة في فرنسا وألمانيا والدنمارك، واستعانت بالطيارين المرتزقة الأمريكيين والفرنسيين والأوروبيين، استعدادا لاستعمال الأسلحة الكيماوية في جبال الريف على نطاق شامل".

ومن الغازات الموظفة في حرب الريف، يذكر المؤلف: غاز اللوست (غاز الخردل أو الأبرايت أو الفوسفور الأصفر)، الذي كانت له آثارا تدميرية قوية في الريف، وتأثيرا سلبيا على صحة المواطنين وبيئتهم. كما استخدم  الإسبان الكبريت، والكاربونات ومادة الكلوروبكرينا وغاز لاكروميجين وغاز الدك وغاز ب.إن والفوسجين والأغيبيريت والكلور والأوكسول والفوسفور الأصفر، والإلكترون، وغيرها.

وقد كانت الطائرات تنطلق من مطارات الناظور (تاويمة) وتطوان والعرائش، وتستخدم الغازات المصنعة بمليلية، أو المحملة بالسفن إلى مدينة سبتة، أو المصنعة بمعمل بلامر غينوسا بمدريد.

وعلى الرغم من هروب العديد من الريفيين، أو احتماءهم بالكهوف والمغاور، واستعمالهم الكمامات الواقية، فقد خلف استعمال الأسلحة المحذورة دوليا كوارث بشرية وبيئية كبيرة للغاية، حيث أدى ذلك إلى مقتل الكثير من الريفيين، وتشويههم عضويا، وإصابتهم بالعمى واسوداد الجلود، وإصابتهم بمرض السرطان. فقد صرح أطباء الأنكولوجيا إلى أن 50 بالمائة من مرضى السرطان بالمغرب من منطقة الريف، وأغلبهم من الأطفال والنساء والعجزة.

وقد "نتج عن الغازات المستعملة من قبل الأعداء، سقوط الشعر وتساقط الجلد، بفعل الحرائق الفوسفورية، وكثرة الحروق وارتفاع درجة الحمى، والإصابة بالأوجاع المعوية، والتأثير سلبا على الجهاز التنفسي، بما فيه الصدر والفم والأنف، بله عن الأجهزة العضوية الأخرى، كالجهاز الدموي والجهاز التناسلي والجهاز الهضمي".

أما النتائج البيئية لهذه الحرب الجرثومية الكيماوية، فتتمثل في تلويث البيئة، وتدمير السبل باللوست والأدخنة الغازية الصفراء، وتسميم المياه والأجواء والهواء، والقضاء على المزروعات والثمار، وإحراق الغلات المزروعة وتخريب البنيات التحتية، وتجفيف النباتات الخضراء. وبهذا كان لغاز اللوست تأثير خطير على البيئة، وجميع مكوناتها النباتية والمائية والحجرية والحيوانية. فنتج عن هذا كثرة العقارب المسمومة والحشرات الجرثومية.

أما على المستوى النفسي، فقد سببت الغازات السامة والمبيدات الكيماوية في كآبة قاتلة، وإذكاء التهيج العصبي، وإثارة كثرة انفعال وسرعة رد الفعل، مع الميل إلى العنف، وتلقي الصدمات النفسية المؤثرة، والجنوح نحو الخمول التام، والعزلة التامة، وتفشي الحزن النفسي، والخيبة الدائمة، ناهيك عن الإحساس بالغربة والوحدة عند الكبار والصغار على حد سواء.

أما "المشوهون والمعطوبون، فيحسون بالنقص والهروب من الآخرين، وبالتالي يشعرون بالعجز. لذا يتلذذون بالوحدة والإخفاق والفشل والهذيان والعصاب النفسي، ويحسون أيضا بالخوف واقتراب الموت أثناء منامهم وارتياد أحلامهم".

+ أما بخصوص سياسة التهميش والنسيان، فيلاحظ الكاتب أنها بدأت مباشرة بعد الاستقلال، وإلى حين عقد التسعينات من القرن الماضي. وأقصد، يتابع المؤلف، "فترة الجنرال أوفقير المميتة، وسنوات الرصاص التي كان فيها الريف فضاء للتغريب والإقصاء والتعذيب، ومصادرة حريات الإنسان الأمازيغي الخاصة والعامة، وتمادي السلطة المغربية الجائرة آنذاك في إسكات المثقفين والمبدعين بوسائل قمعية إرهابية شتى، إلى أن فجرت هذه الخطة التنكيلية النيرونية، مجموعة من المظاهرات والإضرابات الدموية التي قتل فيها الكثير من المواطنين الريفيين الأبرياء، الذين كانوا يدافعون عن هويتهم الأصلية، وحقوقهم المشروعة، استنكارا للأوضاع المتردية السيئة على جميع الأصعدة والمستويات".

ويتابع الكاتب: لقد "ترتب عن سياسة القمع الأوفقيرية قتل الكثير من أبناء الريف، وتلويث البيئة، وتهجير الكثير من طاقاته الشابة نحو الخارج، وتجويع الولدان الصغار والأسر المحتاجة، والشيوخ واليتامى والدواب المسرحة في الهضاب والبراري".

+ ويزعم الكاتب أن بعضا من الاعتبار للمنطقة إنما يجب أن ينطلق من الدفع بمبدأ الحكم الذاتي، في إطار استراتيجية الجهوية الموسعة، لأن من شأن ذلك أن يدفع الريفيين إلى استنبات سبل بناء هويتهم وثقافتهم، والعمل على تنمية إقليمهم دون إكراه أو وصاية.

* "الريف بين العدوان والتهميش والبحث عن الذات"، جميل حمداوي، نافذة "قرأت لكم"، 8 مارس 2012.

يمكنكم مشاركة هذا المقال