بصرف النظر عمن يقتل من بسوريا، ومن يقتل السوريين بالنيابة عمن، فإن الذي يثير الانتباه حقا إنما تحمس العرب، فرادى، من بين ظهراني بلدانهم، وجماعات داخل الجامعة العربية، تحمسهم الكبير لتغيير النظام في سوريا، لهذا الاعتبار أو ذاك، على أساس هذا الحساب أو ذاك.
إن الذين يرفعون لواء إسقاط النظام في سوريا، لا يبنون مواقفهم اعتبارا لمصلحة البلد، أو بالاحتكام إلى شفقة ما انتابتهم فجأة، على أرواح الناس وأعراضهم وأموالهم، بل يبنون لها بالمضمر الباطن، انطلاقا من حسابات جيوستراتيجية دقيقة وبعيدة المدى، لم يتساوق النظام معها في شكله وفي جوهره، وإحداها تحالفه مع إيران والمقاومة بلبنان وفلسطين.
قد يفهم المرء السر خلف إصرار الغرب، أمريكا وفرنسا وإسرائيل تحديدا، على إسقاط النظام، بسبب عصيه أمام تقدم المشاريع الكبرى في المنطقة. وقد يتفهم تلهف "معارضة" الداخل والخارج على ركوب الموجة للوصول إلى سدة الحكم.
لكن الذي لا يستطيع المرء استساغته، فما بالك أن يفهمه أو يتفهمه، إنما سلوك معظم النظم العربية في تساوقها مع الطرح الغربي بالقلب والقالب، لدرجة اندفاع البعض والتصريح بأن زمن الإصلاح الذي يعمد إليه النظام قد ولى وفات أوانه، وذهاب البعض الآخر لحد اقتراح مآوي لنفي الرئيس السوري، لا بل وعرض الرئيس التونسي لبلاده كمنفى آمن، ولدرجة ذهاب بعض العرب أيضا، لحد المطالبة بتسليح المعارضة، والمجاهرة بأن بلادها لها تجربة وسوابق في ذلك، بليبيا تحديدا أيام الانتفاضة على الزعيم الليبي الراحل.
إن الذي لا يمكن للمرء مجانبة ملاحظته، والحالة هاته، إنما سطوع نجم إمارة قطر، واندفاعها، بظل هذا "الربيع العربي" المتزايد المد، لنصح هذا الحاكم، أو تحذير ذاك، أو تنبيه ثالث، أو مطالبة آخر بمغادرة السلطة، وإلا فإنها ستعمد إلى تأجيج الأعداء والأصدقاء ضده دونما تردد أو مواربة.
إنها باتت، قطر أقصد، كمن يوزع صكوك حسن السيرة، فمن رضيت عنه، فهو في مأمن من الغرب ومن معارضيه ومن شعبه، ومن غضبت عليه، فدونها ودون إزاحته الزمن و"الضرب من تحت الحزام"، أو بالمباشر الحي حتى.
لم تتأت إمارة قطر هذا "الجلد والقوة" من ترسانة عسكرية معتبرة، فسكانها بالكاد كتيبة أو أقل في جيش متوسط، متواضع العتاد. ولم تتأت لها من دهاء في الدبلوماسية، أو ضغط عبر اللوبيات الخشنة بهذه الدولة الكبرى أو تلك. ولم يتأت لها، فضلا عن ذلك، من موقع جيوسياسي، لا يمكن التجاوز أو الالتفاف عليه في التجارة أو الاقتصاد العالميين.
إنه تأتى لها من مصدري "قوة"، هما أقرب إلى الريع منه إلى العمل المنتج المفضي للقيمة:
+ تأتى لها من فوائض نفطية وغازية ضخمة، تتعدى بآلاف المرات القدرة الاستيعابية للاقتصاد والساكنة. صحيح أن مئات الملايير مودعة بالبنوك الأجنبية، لكن الباقي كاف وأكثر، لإطعام شعب لا يشتغل، ثم تمويل الأصدقاء والحلفاء بالخارج.
+ وتأتى لها أيضا من فضائية تلفزيونية، بات لها منذ أكثر من عشر سنوات، باع كبير، اللهم إلا بالبدايات الأولى، في تأنيب هذا على ذاك، في تأجيج غضب هذ الحاكم على زميل له بالسلطة، وفي المزايدة على هذه الجهة كما على تلك.
إن فضل الجزيرة على إمارة قطر، إنما تمثل ويتمثل في إبراز الإمارة إياها بخارطة العالم، هي التي من المتعذر تحديدها من على خريطة المنطقة، فما بالك على خريطة العالم.
من هنا، فإن توفر قطر على هذين المقومين، مقوم المال الوفير والفضائية الواسعة الانتشار، هو الذي منح الإمارة "الثقة في النفس" لحد الاغترار، والجرأة في التطاول، عبر التدخل في قضايا إقليمية ودولية لا تتناسب بالمرة مع حجمها أو طموحها، أو طبيعة النظام الذي يثوي خلفها.
لا ينتابنا أدنى شك، في حالة قطر، بأن الإمارة إنما تلعب لعبة خطيرة للغاية، أجزم بالقطع أنها لا تدرك جيدا تبعاتها على المديين المتوسط والبعيد.
إنها تتوهم أنها، بما تقوم به، إنما باتت قوة إقليمية لها كلمتها في حال المنطقة ومآلها. وتتوهم أنها تستطيع امتطاء سلوك الكبار، عندما يعمدوا إلى سيناريوهات الحل والعقد في قضايا المنطقة الكبرى.
لكنها لا تدري أنها، بكل ما تعمده، إنما تلعب دور كومبارس صغير، سرعان ما سينتهي دوره بانتهاء المقطع، دونما حصوله بالمقابل على شيء ذي قيمة بالنتيجة النهائية.
إنها أرنب السباق، ينسحب عندما يفسح في المجال لالتقاط أنفاس المراهن عليه في السباق.
* "أمبراطورية قطر"، التجديد العربي، 10 مارس 2012. جريدة العرب الدولية، لندن، 12 مارس 2012.