هناك تدريجيا وبسياق معلمن بأوروبا وبالغرب عموما، انبعاث إسلام يحاول التعايش مع ذات السياق (سياق العلمنة) بشكله ومضمونه. وهناك وعي داخل التجمعات المسلمة الأوروبية بضرورة التوفيق بين الاستقلالية الفردية، والإيمان بوجود منظومة فوقية يجب التعامل معها، على مستوى الزواج مثلا، كما على مستوى الختان، كما على مستوى الدين بوجه عام.
هذا الوعي هو وعي جيل مؤمن بالتأكيد، لكنه غير ممارس بمعظمه. جيل طبقات متوسطة، لا تعير كبير اهتمام للطقوس الدينية كما يمارسها آباؤها. الإسلام هنا (على الأقل بتصور ذات الجيل) يلتزم بالاحتفاظ على الإخلاص في الانتماء للمجموعة، لكن دونما أن يؤدي ذلك من لدنه، إلى التقوقع بطقوس الإيمان والتعبد الضيقة المعروفة. هو جيل طبقات ثرية من الجزائر وتونس والمغرب وغيرها، تسلك ذات المسلك، مسلك رفض الاصطفاف على الموروث الديني، وتحاول "تطويع" ذات الموروث وفق السياق العام.
الإسلام هنا لا يراد له أن يكون دينا للتعبد فحسب، بل تراثا ثقافيا يحيل على انتماء عربي/إسلامي، يموقع الإسلام كدين، لكن أيضا كتربية وكثقافة. المفروض أن ينصهر الإسلام هنا في طقوس يومية محددة، يعمل على توجيهها، دونما الأمر بالانصياع لها بأدق التفاصيل.
قد يكون ذلك إحدى المداخل الأساس لضمان إمكانات استنبات إسلام أوروبي، ينهل من مرجعية الإسلام، لكن من خلال "تطويعها" لمجريات واقع الحال. إلا أن ذات الأوربة، أوربة الإسلام، إنما تبدو ولكأنها تتأسس على مفارقة صارخة: فهي تتم بسياق ديموقراطي يشجع على تعدد الممارسات الدينية، ويحمل علامات الفردانية والعلمانية، لكنه بغياب سلطات دينية وأماكن التكوين، فإن "المعروض من الإسلام" يبقى محكوما بالتيارات المحافظة للعالم الإسلامي، سيما بتيارات الحركات السلفية المتشددة، القادمة بهذه الجهة من العالم أو بتلك، والتي تبرر لمنظومة الربط بين الفقر والضواحي والإسلام، الواسعة الانتشار.
بالمقابل، هناك توجها يتقدم تدريجيا بجهة استنبات إسلام "جديد"، يرتكز على الأخلاق وعلى التربية، يمجد الفردانية، ويحاول الانفصال دونما انفصام عن "طائفية" الدين. إنه يشدو فردنة الانتماء الديني، على أساس من الاعتقاد بأنه لا يكفي أن نزداد ببيئة مسلمة، ونمارس طقوسنا على أساسها، بل المهم أن نعبر عن فردانيتنا عبر اعتماد خيار الممارسة، لكن دونما أن نولي معنى خاصا أو ذاتيا للرسالة الدينية، يقول البعض.
معنى هذا، من الناحية العملية الصرفة، أن ثمة عزما قائما ومتزايدا على وضع مسافة مع العائلة ومع الآباء، كونهم يجهلون "الإسلام الحقيقي"، وليس لديهم معرفة بذلك، بل هم لا يمارسون إلا تحت تأثير العادات والتقاليد المرتبطة بثقافتهم. هذا التوجه من شأنه خلق قطيعة صعبة مع المحيط العائلي، وتكييف مضامين التراث الإسلامي لوضعية الأقلية التي يمثلها المسلمون الأوروبيون.
بالتالي، فهناك ثلاثة توجهات كبرى قائمة اليوم بأوروبا، لكنها غير كافية لضمان الانتقال إلى ما بات يقدم منذ مدة تحت مسمى الإسلام الأوروبي:
+ الأول، ومفاده الاعتقاد السائد بأن الإسلام بأوروبا إنما هو بإزاء تحقيق "ثورة صامتة"، ستتحول بمقتضاها، وإن تدريجيا، ممارسات الطقوس والسلوكات الثقافية للإسلام، لكن دونما مجابهة مع هذا أو اصطدام مع ذاك. المسألة هنا مسألة محاولة مطابقة الممارسات والعادات مع المحيط الأوروبي، وليست تماهيا مطلقا معها بالشكل أو بالمضمون. إن المشادات المترتبة عن الحجاب مثلا، أو عن ذبح أضحية العيد أو ما سواها، إنما هي وفق ذات الاعتقاد، مشاكل مؤقتة، لا تحتمل التأويلات أو التفسيرات، أي أنها ستتقوض مع الزمن، أو هكذا يقال ويزعم.
قد يكون ذات الاعتقاد واردا، إلا أنه لا يخرج عن مضمار الترقيعات، التي لا ترتكز على تصور فلسفي أو ديني أو أخلاقي، يكون من شأنه المساعدة على استنبات هوية دينية أوروبية بالنسبة للمسلمين.
+ التوجه الثاني: هناك مؤسسات تمثيلية للإسلام، أو لنقل ممثلين رسميين للإسلام بكل بلد أوروبي. لكن هل استطاعوا حقا تحريك الأمور بجهة خدمة الإسلام بأوروبا؟
ليس المهم هنا أن يأخذ هؤلاء الممثلون مواقف من قضايا محددة وعابرة بظروف استثنائية، ليعودوا بعد ذلك لروتينياتهم المعهودة، أي أن يتبرموا عن كونهم مسيرين للشؤون الدينية بالبلد حيث يوجدون، ويتحولوا إلى سفراء لمصالح أجنبية، دونما اتخاذ موقف ذي قيمة كبرى بجهة إعادة التفكير في الإسلام، وفق المتطلبات الخاصة بالحالة الأوروبية. إنهم، إن عمدوا إلى ذات السبيل وهو مع الأسف ديدنهم، لن يفلحوا في تمثل إسلام يتماشى مع السياق الاجتماعي والثقافي الأوروبي..."إسلام الأنوار"، يقول البعض.
+ التوجه الثالث: إننا، يقول البعض، أبعد ما نكون عن أن نتوفر على الرؤية والجرأة والشجاعة النظرية، الدينية والفلسفية، التي من شأنها إفراز إسلام أوروبي ينتج "ثقافة إسلامية جديدة"، تتجاوز على التأويل الضيق للنص، وتذهب لحد استقرائه وفق مستجدات العصر والسياق.
المطالبة هنا، من لدن هؤلاء، لا تنحصر في الدفع بجهة "إلغاء كل الآيات الغير مطابقة لحقوق الإنسان: الآيات التمييزية ضد النساء" ضمن أخريات، ولكن أيضا كل الآيات الموجهة ضد المسيحيين واليهود والكفار، وكذلك كل "الآيات الحربية" المنادية بالعنف والجهاد باعتقادهم.
بهذه النقط الثلاث، يبدو الأمر كما لو أن ثمة ترددا حقيقيا، لدرجة العجز بجهة خلق هوية إسلامية أوروبية، تتمثل القيم الموجودة بأوروبا، والمتمحورة حول حرية العقيدة، والمساواة بين الأجناس والتسامح.
من ذات التوجهات، تتفرع ثلاثة مقترحات غالبا ما يقدمها الأوروبيون، كتابا ودارسين على السواء:
+ الأول، ويتعلق بنظرهم، بضرورة إعادة صياغة كل مبادئ القرآن بما فيها التشريعات المنبنية عليه، على ضوء قيم حقوق الإنسان، وعدم ترك أي شيء خارج قانون العقل النقدي، مع التصريح جهارة "بلا صلاحية" أي عنصر بالنص المقدس، بالممارسة أو بالتقليد، يكون مناقضا لقيم الحرية الفردية، منافيا للمساواة بين الأجناس، غير متبن لمنطق العلمانية، وغير مؤمن بمزايا التسامح بين الديانات والثقافات، الجماعات والشعوب.
المقصود هنا إنما العمل على إعطاء كل مسلم الحق في اختيار مضمون الهوية الإسلامية التي يريد، سواء كان ممارسا أم لم يكن، مؤمنا أم غير مؤمن... ثم الاعتراف، بعد ذلك أو بامتداد له، بأن الهوية الإسلامية هي هوية ثقافية بالأساس، وليست دينية محضة، ورفض كل ادعاء بأن هناك "إسلاما حقيقيا" وإسلاما رسميا يصدر عن الأئمة، من رجال الدين أو من الممثلين المؤسساتيين، و"الاعتراف بأن النساء متساوون مع الرجال بكل شيء، بما معناه إلغاء الهيمنة الذكورية، والاعتراف باللائكية كمبدأ كوني وليس كاختراع أوروبي، وتثمين الوجه الاجتماعي للإسلام، دونما ادعاء بأن المسلمين خير من الآخرين، سيما أصحاب الديانات الأخرى، من يهود ومسيحيين" وغيرهم.
+ المقترح الثاني، ومفاده الدفع بإسلام يحترم المحيط الثقافي الأوروبي، دون الإمعان في الادعاء بأن المسلم والإسلام "حالة خاصة"، مع العمل على الدفع بقيم التسامح، واحترام التعدد والاختلاف، واحترام قوانين الدولة، سيما إذا كانت هذه الأخيرة تعطي للكل حق ممارسة شعائره، دونما رقابة أو تمييز أو مضايقة.
إن القول بأن الإسلام ليس "حالة خاصة"، يؤكد هذا المقترح، إنما هو من ضرورة التجاوز على منطق المطالبة ب"حقوق خاصة" للمسلمين، من قبيل فتح المدارس الدينية، والدعوة لعدم التزاوج من خارج الملة، أو مظاهر أخرى قد تدعو للانعزال، أو لردود الفعل.
ليس معنى هذا، يتابع ذات المقترح، خندقة ما للإسلام بزاوية غير مرئية، بل يجب العمل على أن يتمظهر شرعيا، عبر الحق في التعبير والاجتماع وممارسة العبادات، لكن دونما أن يدعو ذلك للتميز أو يذهب مذهب الاستفزاز، استفزاز الآخر بالفضاء العام، عبر اللباس أو السلوك أو الخطاب أو ما سواها.
+ أما المقترح الثالث، فمؤداه الرفض "المطلق" لأية "فكرة في الجهاد أو الحرب المقدسة"، على اعتبار أن الإسلام الأوروبي سيكون سلميا أو لا يكون...ولن يكون كذلك إلا إذا دفع بقيم وسلوك وأنماط عيش تتفاعل إيجابا مع قيم العصر...
إن تكذيب أطروحة صراع الحضارات والثقافات، يقول هذا المقترح، "يجب أن تتم عبر السلوك اليومي، لخلق التلاقح بين الثقافة الإسلامية والثقافة الأوروبية، لدرجة الدفع بعدم التنافي والتعارض بين الإسلام والحداثة، وبين الإسلام وقيم الأنوار".
الحاصل إذن بالبناء على ما سبق، أن الإشكال لا يطاول في صلبه المسلمين بأوروبا، وبالغرب عموما، بل يطاول أساسا وبالتحديد الإسلام كنص مقدس، "المفروض" تطويع مضامينه وفق القائم من سياقات، ليضمن إيديولوجية الاندماج في المنظومة الأوروبية اندماجا كاملا، أي اندماجا بالجملة والتفصيل.
* "المسلمون بأوروبا: جدلية الهوية والاندماج"، التجديد العربي، 20 أبريل 2010. شبكة الرافدين، 21 أبريل 2010. سايس أخبار، العدد 186/187، يوليوز 2010. القدس العربي، 6 غشت 2010. جريدة العرب، لندن، 22 أبريل 2010.