تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

يحيى اليحياوي لجريدة الصباح: الرداءة بالقناتين تحولت إلى قيمة في حد ذاتها

الصباح: كيف يمكن للمستشهرين أن يتدخلوا في نوعية الأعمال التلفزيونية المعروضة على شاشتي "الأولى" و"الثانية" خلال شهر رمضان؟

يحيى اليحياوي: لست متأكدا من أن هؤلاء المعلنين هم من النباهة والفطنة، لدرجة تدفعهم للتدخل في شكل ومضمون ما قدمته القناتان برمضان. أزعم أنه قد يكونوا على علم بطريقة ما، بما تعده القناتان، لكني لا أتصور أنهم يشترطون الاطلاع على النصوص والشخوص، وحبكة العمل، حتى يكون بمقدورهم، ويتسنى لهم بالبناء على ذلك، اتخاذ قرار تمرير الإشهار بساعات الذروة من عدم اتخاذ ذات القرار.

من جهة أخرى، أعتقد أن لا مجال من بين ظهراني المعلنين للاختيار. فهم بإزاء قناتين عموميتين، وبإزاء شخوص باتت تؤثث من مدة، مواد رمضان مباشرة بعد آذان المغرب. بالتالي، فلهم إما أن يمرروا لإعلاناتهم بهذا الحيز الزمني المحدود، وإما أن يستنكفوا عن ذلك بالجملة والتفصيل.

من جهة ثالثة، أزعم أن ما يقدم بهذه الفترة لربما يلقى استلطاف المعلنين، ليس فقط بمقياس تهافتهم على ذات الفترة، ولكن أيضا لأن ما يقدم لربما يخاطب الشرائح التي يتغيأون إدراكها، أي يخاطب البطون قبل العقول، فنرى بالمحصلة تكديسا للإشهار المرتبط بالسلع الاستهلاكية، أكثر من السلع الأخرى التي بالإمكان تمريرها خارج هذا الشهر.

وبكل الأحوال، فالأمر بحاجة لدراسة ميدانية متعددة الاختصاصات، حتى يمكن ملامسة جوانب الدقة في الأمر. بغياب ذلك، يبقى الأمر انطباعيا بالنسبة للدارس، وعشوائيا بالنسبة للمعلن، أي أن المعلن يختار الفترة الزمنية، ولا يسأل كثيرا عما سيمرر، أما القناتان فهما تعلمان أنهما لو مررا لبرنامج المسيرة القرآنية مثلا مباشرة بعد الإفطار، فإن المعلن لربما يتبرم عنها، أو يفسخ العقد تماما أو جزئيا.

الصباح: هل يشترط المستشهرون أسماء معينة مثل محمد الخياري أو عبد الخالق فهيد أو سعيد الناصري أن تكون مشاركة في الأعمال التي يودون أن تتخللها وصلات إشهارية لمنتوجاتهم؟

يحيى اليحياوي: هذا سؤال لا أعتقد أن ثمة من يستطيع الإجابة عليه إلا الشخوص المذكورة لا غيرها. لكني أزعم أن المعلنين يستلطفونها، ويعتبرونها القادرة على استقطاب الجمهور، لتأتي مؤسسة قياس نسب المشاهدة، وتؤكد لهم "بالأساليب العلمية" أنها وجوه مقبولة، ونسبة متابعة ما تقدمه مرتفعة.

أتصور أن القائمين على المؤسسات التي أتخمتنا بالإشهار في شهر رمضان، معجبون بهؤلاء بدرجات عالية. إنهم لا يضحكون على نفس المواقف مثلنا، أو لنقل إن لهم مرجعياتهم في الضحك والفكاهة، شأنهم في ذلك شأن النكت التي يتداولونها، ولا تثيرنا بالمرة.

من ناحية أخرى، ألاحظ أن ثمة مفارقة غريبة لم أستطع استساغتها كثيرا، مفادها أنه في ظل تذمر معظم مشاهدي سيتكومات رمضان السابقة على هذه السنة، فإن القائمين على القناتين يفرضون علينا دائما نفس الوجوه. وثمة من المسؤولين بالقناتين من عبر لي عن تذمره، لكنه يتذرع بالقول بأنه ما بالأمر حيلة، أو أن هذا "هو الموجود بالسوق من فكاهيين".

أنا أقول إذا كان هذا "هو الموجود"، فالأفضل أن نعفى من ذلك، وتقدم لنا أمداح نبوية أو حكايات شعبية قديمة، أو سلسلة من موسيقى طرب الآلة أو غيرها. هذا وضع يثير التقزز والشفقة.

الصباح: ماذا عن دور إدارتي الإنتاج في القناتين "الأولى" و"الثانية" في اختيار نوعية الأعمال؟

يحيى اليحياوي: ليس لي أدنى علم أو معرفة بذلك، لكني مقتنع بالقياس إلى ما يوضع بين أيدينا من مواد، بأن الأمر غير جدي بالمرة، وأن ثمة نية ثابتة للضحك على الذقون، وتقويض الذوق العام، أو على الأقل لتجاهل رأيه ورد فعله. والدليل على ذلك أن معظم هذه المواد لا تصاغ إلا في الأسابيع الأخيرة قبل بدء شهر الصيام، ومنها من تقدم أجزاء في الإعداد المتزامن للأجزاء التالية وهكذا.

لو كان ثمة حد أدنى للجدية والمصداقية، لما استمرت القناتين ولسنين عدة، في برمجة مواد لم تلق إلا السخط والتنديد من لدن الجمهور العام، ومن أهل المهنة أنفسهم، ناهيك عن المتتبعين. وقد أسر لي بعضهم من حوالي ثلاث سنوات بأنه خجول مما يقدم، لكن قوت أولاده يستوجب منه القبول بما يعرض عليه. بهذه السنة أيضا لم تخل هذه المواد من أسماء محترمة، لكنها لربما دفعت لذلك دفعا لسد متطلبات العيش، مع العلم أن من الذين يعرفون من أين تؤكل الكتف، باتوا بوضعية مادية متميزة.

أنا اشعر بالحزن والأسى من الحال الذي أبلغنا إياه بعض المتطفلين، المدثرين بغطاء الفكاهة. هذا عيب ولا يمكن السكوت عليه بأي وجه من الوجوه.

الصباح: هل أصبح الإشهار وسيلة تساهم في تدني الذوق العام بدلا من الرقي به من أجل تحقيق أهدافهم المالية؟

يحيى اليحياوي: إذا لم يكن وسيلتها المباشرة، فهو حتما وقودها. عندما يكون المال سائبا، أو يأتي من مصادر ريعية سهلة، كما الحال مع شركات الاتصالات، فإن تبذيره يهون، ويغدو كل من له علاقة أو قرابة أو صداقة أو مودة من نوع ما، يغدو من المنعم عليهم بسخاء. المال الوفير يعلم الكسل، ولا يفترض بالمقابل جهدا أو تعبا لإنتاج الجودة.

صحيح أن المال ضروري، لكنه غير كاف دائما في حال الصناعات الثقافية، التي تستوجب توفر كفاءات عالية ومصادر بشرية تثوي خلف الإبداع وإنتاج القيمة الفنية المضافة. لو كان المال كافيا لوحده لإخراج أعمال جيدة للوجود، لكانت الدراما السورية بالمؤخرة، وهي الرائدة بكل المقاييس من أكثر من خمس سنوات.

بالتالي، أتصور أن سؤالك حقيقي وعين الصواب: لقد أفسد المال السائب لدى المعلنين، وغياب الرؤية والمسؤولية لدى القائمين على القناتين، لقد أفسدا الذوق العام عن قصد وبسابق ترصد. وأنا مسؤول عن كلامي، لا بل طالبت من مدة بمقاطعة القناتين، في أفق وضع تقييم أولي، وإعادة البناء من الصفر. وأتصور أن طاقات التجديد متوفرة وبكل المستويات.

يحيى اليحياوي: ما هو تقييمكم للأعمال التي عرضت رمضان الماضي وما هي الأعمال التي يمكن، حسب رأيك، أن تصنفها أكثر رداءة؟

يحيى اليحياوي: المسألة منظومية بامتياز. والمحيط الرديء يسهل عملية انتقال العدوى.

الرداءة بالتلفزة ليست موسمية، أو طارئة. إنها تنهل من ثقافة محددة، أسميتها من أكثر من عشر سنوات بثقافة الرداءة، أعني تلك الرداءة التي تحولت مع الزمن إلى "قيمة" في حد ذاتها، يتبارى الرديء فيها بالقياس إلى الأردأ، وهكذا. والدليل على ذلك أننا بتنا نحن إلى الرداءة الأولى، أعني رداءة هذه السيتكومات عندما غزت المغرب بالسنين الأولى من دخولها.

* "يحيى اليحياوي لجريدة الصباح: أعمال رمضان تخاطب البطون"، جريدة الصباح، 25 شتنبر 2009.

يمكنكم مشاركة هذا المقال