1- في معنى الفجوة الرقمية
ليست عبارة الفجوة الرقمية (1) بالعبارة القديمة، ولا هي من تلك العبارات المشاعة جماهيريا أو الموظفة إعلاميا (إلا في القليل النادر) أو المتداولة كثيرا بين الكتاب والباحثين.
فالعبارة تستخدم حصرا، في منطوقها، لتوصيف واقع نشأ جراء الثورة التكنولوجية التي طالت ميدان الإعلام والاتصال على الأقل منذ بداية ثمانينات القرن الماضي...وتعني تحديدا واقع "البلوغ غير المتساوي لتكنولوجيا الإعلام والاتصال الجديدة بين الدول الغنية المتقدمة والدول السائرة في طريق النمو الفقيرة" (2).
ومعنى ذلك أن الفجوة الرقمية إنما تعني بوجه عام "اللامساواة أمام إمكانيات بلوغ المعلومة (والمساهمة فيها) والمعرفة والشبكات، وكذا الاستفادة من مقدرات التنمية الهائلة التي توفرها تكنولوجيا الإعلام والاتصال. هذه العناصر هي الأجزاء البارزة للفجوة الرقمية التي تعكس مزيجا من العوامل السوسيواقتصادية الواسعة، سيما عدم كفاية البنى التحتية والتكلفة العالية للبلوغ وضعف الإنتاج المحلي للمحتويات والقدرة اللامتساوية للاستفادة، على المستويين الاقتصادي والاجتماعي، من أنشطة شديدة الكثافة بالمعلومات" (3).
لا يبدو الأمر هنا منحصرا على مستوى التباين واللاتوازن فيما يخص البنى التحتية والشبكات والتعذر الحائل دون بلوغها أو"الاستفادة من مقدرات التنمية الهائلة" التي يوفرها ذات البلوغ، بل وأيضا عدم القدرة (أو ضعفها) لإنتاج محتويات محلية لترويجها بذات البنى والشبكات.
بالتالي، فالفجوة الرقمية القائمة بين الشمال والجنوب (4) بنى ومحتويات إنما هي تجلي موضوعي لطبيعة العلاقات السائدة أكثر مما هي مسبب من مسبباتها الكبرى.
وبما هي كذلك، فإن الفجوة الرقمية لا تحيل فقط على طبيعة اللاتوازن الذي ميز ذات العلاقات في مرحلة ما قبل "الثورة الرقمية"، بل ويحيل أيضا على فترة "الثورة" إياها وما ترتب عنها من تكريس لذات الفجوة وتعميقها في المظهر كما في الجوهر.
والواقع أن اللاتوازن بين الشمال والجنوب على مستوى تكنولوجيا الإعلام والاتصال لم يعد، منذ بداية ثمانينات القرن الماضي، حصرا على قطاع معين (اتصالات أو معلوميات أو سمعي/بصري)، بل أضحى جراء الرقمنة شاملا وعاما وشبه مطلق.
والسر في ذلك لا يكمن فقط في التداخل التقني الذي وفرته الرقمنة للقطاعات الثلاثة (مميعة بذلك الحدود التقنية فيما بينها)، بل وأيضا في الاندماج الاقتصادي للقطاعات إياها لم يعد من مجال لتمييزها سيما مع شيوع المتعدد الأقطاب والإنترنيت ومشاريع الطرق السيارة" وغيرها (5).
ومعنى هذا أنه مع تزايد ظاهرة العولمة واندماج الشبكات لدرجة الانصهار و"الوحدنة" (6)، لم تعد الفجوة القائمة بين الشمال والجنوب حكرا على قطاع دون آخر، بل غدت مجسدة فيما أفرزته الرقمنة في شكل شبكة الشبكات أو شبكة "الفضاء الافتراضي" أوما سواها.
ومعناه أيضا أنه على الرغم من الاعتقاد السائد بأن عولمة الاقتصاد وانفتاح الأسواق وتوسع شبكات الاتصال...وغيرها، قد يكون من شأنها التقليص من ذات الهوة، فإن العكس من ذلك هو الحاصل والأكثر تجليا، إذ يبقى اللاتوازن بين الشمال والجنوب فيما يتعلق بإشكالية البلوغ أمرا عصيا شديد العصي:
+ فبلوغ البنى التحتية الأساسية يبقى حكرا على الدول ذات الدخول المرتفعة ليس فقط فيما يخص الخطوط الهاتفية والكوابل العابرة للمحيطات والأقمار الصناعية للاتصالات (7)، بل وأيضا فيما يتعلق بالشبكات المعلوماتية (أجهزة حواسيب و مطارف وقواعد معطيات وغيرها) ناهيك عن الأعتدة الجديدة الموفرة لسبل الإبحار بالشبكات كما بشبكة الإنترنيت مثلا أو بسواها.
+ وبلوغ المحتويات يبقى، إلى حد بعيد، متعذرا ليس فقط بتعذر البلوغ المترتب عن ضعف البنى التحتية، بل وأيضا لأن بنوك المعطيات الجادة غير متاحة مجانا ولا هي بالوفرة المروج لها بشبكة الإنترنيت (8). ففي جامعات الشمال مثلا بإمكان الطلبة الوصول مجانا إلى ما يناهز عشرين ألف قاعدة معطيات بواسطة شبكة الإنترنيت دون أن يكلفهم ذلك سنتا واحدا، في حين أن المنظمات غير الحكومية الإفريقية (مثلا) يجب أن تؤدي إلى حدود دولار واحد للورقة المرسلة أو المتلقاة حتى وإن كانت الورقة إياها ذات طبيعة إشهارية لا قيمة لها تذكر" (9).
+ كما أن بلوغ آليات إنتاج المعلومات يبقى محدودا بحكم تمركز الشبكات والقائمين على ذات الإنتاج ببلدان الشمال حيث وسائل البحث العلمي متوفرة ومؤسسات إنتاج واستغلال وتوزيع المعلومة مهيكلة وذات إمكانات عالية، ناهيك عن حقيقة تحول الدول إياها إلى اقتصادات مبنية على العلم والمعلومات والمعرفة (10).
بالتالي، فبالقياس فقط إلى هذه المستويات الثلاثة، يبقى واقع الفجوة واقعا لا مجال للتحايل عليه أو تجاوزه أو القفز على حقيقته على الرغم من ندرة الدراسات والأبحاث والإحصاءات الدقيقة المتعلقة بذلك.
2- في أصول الفجوة الرقمية
لو تسنى لنا التسليم بأن عبارة الفجوة الرقمية إنما هي مزامنة "للثورة الرقمية" (11) التي طاولت تكنولوجيا الإعلام والاتصال بداية ثمانينات القرن الماضي فاسحة بذلك في المجال لاندماج مكوناتها وانصهارها في بنية موحدة، فإنه لن يتسنى لنا التسليم بكونها لم تستند على طبيعة في العلاقات الدولية سابقة لها كانت إحدى ميزاتها الكبرى اللاتوازن في البلوغ و"اللاإنصاف" في تنقل المعلومات والمعطيات والأخبار والبيانات بين الشمال والجنوب.
بالتالي، فالفجوة الرقمية لا تبرز هنا "كحالة مستقلة" أفرزتها التحولات التكنولوجية المتسارعة ولا تظهر ك"نتاج" خارجي لحركية في الاقتصاد والتكنولوجيا، بل وتقدم في كونها امتدادا "طبيعيا" لرهانات سياسية واقتصادية ودبلوماسية كبرى ترتبت عن ظروف الحرب الباردة والصراع بين الشرق والغرب، لا تبدو معها الفجوة إلا مكونا من المكونات ليس إلا.
والواقع أنه في "ظروف التوتر الدولي المرتبطة بالحرب الباردة، فإن الدول في طريق النمو، قد صرحت أنها ضحية لاتوازنات خطيرة في ميدان تيارات المعلومات بين الشمال والجنوب...(واعتبرت) أن الطريقة التي تعكس بها وسائل الإعلام بالشمال واقع هذه الدول الوطني، مبالغ فيها، محرفة ومجانبة للصواب. بالتالي، فهي تطالب بإعادة التوازن لتيارات المعلومات وضمنيا مراقبة المعلومات الوافدة من دول الشمال" (12).
لا تقتصر "لائحة اتهام" دول الجنوب للشمال على الجانب أعلاه، بل تذهب لحد اتهام هذه الدول لها بتوظيف وكالات أنبائها الكبرى لتشويه واقع دول الجنوب (والشرق أيضا) وهضم حقها في الاستقلال والتنمية" (13).
ليس غريبا إذن وقد " ثبتت" العلاقة بين تخلف دول الجنوب وطبيعة النظام العالمي القائم إبانه، أن تطالب هذه الدول بضرورة صياغة ذات النظام على خلفية من ضرورة احترامه "للسيادة الكاملة لدول العالم الثالث على مواردها الطبيعية وتحسين شروط التبادل وتقنين أنشطة الشركات المتعددة الجنسيات وخلق ظروف موضوعية ملائمة لنقل الموارد المالية والتكنولوجية للدول في طريق النمو " (14).
وعلى هذا الأساس، فبقدر حدة مطالبة دول العالم الثالث بضرورة إقامة نظام اقتصادي عالمي جديد، بقدر حدة المطالبة بالضرورة إياها فيما يخص النظام العالمي للإعلام القائم(15).
إذ، "إذا كان النظام الاقتصادي الجديد يعني إنهاء حالات اللاتوازن وإعادة تنظيم السوق العالمي وفق شروط تمكن كل الدول من أن تتقدم عبر استفادتها القصوى من مواردها الطبيعية والبشرية، وإذا كان يمثل الاستكمال الاقتصادي للسيادة السياسية، وإذا كان يهدف إلى محو آثار الماضي وتوسيع وتحسين التعاون بين الدول، فإن نفس التطلعات ونفس الأهداف تطبق على النظام الجديد للإعلام (على اعتبار) أن النظامين معا يترجمان نفس المطالب ويرتكزان على نفس الإلحاحية" (16).
لم تغد الفجوة، وفق هذا المنطق، كامنة في طبيعة ما اعتمدته دول العالم الثالث من سياسات اقتصادية وإعلامية واتصالاتية، بل أضحت " نتاجا حتميا" لطبيعة النظام العالمي القائم بشقيه الاقتصادي كما الإعلامي سواء بسواء.
ولئن تعرضت الأطروحتان معا للهجوم والتقادم والتآكل، فليس بضعف ما في بنيتهما الداخلية جعلهما عرضة للتجاوز السريع، بل لأن طبيعة التحولات اللاحقة قد غطت عليهما شكلا كما في المضمون.
ولهذا السبب، يلاحظ إيغناسيو راموني، فإن الفجوة التكنولوجية (الحالية) ليست فقط معطى مركزيا لوقتنا الحاضر، بل تعبيرا عن طفرة من عيار ثقيل: "إن تسارع الدينامية الرأسمالية، مخذرة بالثورة المعلوماتية التي تسقي من حينه شبكات السلطة والاقتصاد والثقافة، قد أدت إلى شيخوخة كل النماذج. فقد أدت بالغرب إلى إعادات هيكلة مؤلمة بداية الثمانينات وأزاحت الغطاء الإيديولوجي عن النظام السوسيو-ديموقراطي، وأنهت بالشرق نموذج الاقتصاد المخطط وأدت بطريقة غير مباشرة، إلى تهاوي الشيوعية. كما أدت بالجنوب إلى تمزق قوي جعلت العالم الثالث ولكأنه جامد، مصاب بالشلل...هذا التسارع بكل مناطق العالم عمق من خاصية الميوعة الملازمة لليبيرالية الجديدة: قدرتها الخارقة على إنتاج اللاتوازنات" (17).
ومعنى هذا أن الفجوة بين الشمال والجنوب لم تعد مقتصرة على البنى والمحتويات التي تحدث عنها تقرير ماكبرايد (الإذاعة، الهاتف والتلفزة عموما)، بل تجاوزت ذلك إلى " تكنولوجيا لامادية" (وفي مقدمتها الشبكات الألكترونية وشبكة الإنترنيت وانفجار التيارات التلفزية العابرة للحدود) "تتعذر معها عملية التقنين ولا تحد من عولمتها" التشريعات أواللوائح.
ليس ثمة أدنى شك، بالمحصلة، أن طبيعة النظام الإعلامي القائم لم تكن لتسهم في تضييق "الفجوة" (18) الإعلامية والاتصالاتية التي طبعت العلاقات الدولية طيلة فترة الحرب الباردة وما تلاها بقليل.
وليس ثمة شك أيضا أن قوة ذات النظام لم يكن لها من مواز يذكر إلا ضعف "السياسات التكنولوجية" (19) التي اعتمدتها دول العالم الثالث الحديثة العهد بالاستقلال، إذ لم تكن النخب الحاكمة بدول العالم الثالث، منذ ستينات القرن الماضي، تعير كبير اعتبار للاستثمار في بنى الإعلام والاتصال التحتية (وفي المحتويات أيضا) ولم تكن ترى في ذلك إلا ضربا من ضروب تبذير الموارد تراءت لها في حينه أولوية توجيهها أساسا نحو " بناء مقومات الدولة الوطنية المستقلة سياسيا ومؤسساتيا" (20).
لم يتوقف الأمر عند هذا الاعتقاد فحسب، بل تعداه إلى توظيف الشبكات المتوفرة (الموروثة أصلا عن المرحلة الاستعمارية) لضبط الأفراد والجماعات عبر ضبط الفضاء والمجال الجغرافي المتحركين في نطاقه...وهو نفس المنطق (أو يكاد أن يكون كذلك) الذي اعتمدته السلطات الاستعمارية لتحقيق ذات الضبط والتحكم فيه زمنا وفي المكان (21).
ولما كانت "الحدود وشبكات البريد والنموكلاتورا الإدارية هي الأدوات الترابية للسلطة" فقد كان من المفروض " توحيد المجال والبشر بغرض محو التمايزات المحلية". من هنا "الدور الكبير للبنى التحتية والتجهيزات والقوانين لخلق حاجات جديدة وإقحام البشر في فضاء ترابي وذهني جديد" (22).
من البديهي إذن أن تنظر النخب الجديدة، بداية ستينات القرن الماضي، إلى الاتصالات كما إلى البريد كما إلى غيرها في كونها أدوات ضبط المجتمع لا وسائل للتنمية أو لإعداد التراب: ف"الدول الجديدة اختارت المركزية الإدارية (بامتداد للنظرة الكولونيالية) لتواجه التمايزات الجهوية وتبني للوحدة الوطنية. (بالتالي) فالحكومة المركزية هي التي تهم النخب الشابة التي تسلمت السلطة...فأقيمت الأنظمة الاستبدادية مكونة أوليغارشيا بيروقراطية تقوم بوظائفها وفق تمثلات النظام النيوبتريمونيالي" لا وفق غيره (23).
وعلى هذا الأساس، فلو تسنى للمرء أن يدقق في أصول وعوامل الفجوة الرقمية (الفجوة الكبرى أعني) لحصرها في عاملين أساسيين اثنين:
+ عامل سوسيو- تاريخي متمثل أساسا في الإهمال الكبير (من لدن المستعمر كما من لدن الدول الناشئة) لبنى الإعلام والاتصال على خلفية من ضرورة حصر دورها في ضبط البشر عبر ضبط المجال، وهو ما جعل هذه البنى محصورة في الوظائف الأمنية دونما سواها من باقي الوظائف.
+ وعامل خارجي بنيوي متمثل في طبيعة العلاقات الدولية وتوظيف بنى الإعلام والاتصال (أعتدة ومضامينا) في تجديد آليات الهيمنة التي ما فتئ الشمال يمارسها على دول الجنوب والتي لم تفلح المنظمات الدولية في تقويضها أو تعديل أطرافها.
ومعنى هذا أن الفجوة الرقمية الحالية ما هي، حقيقة الأمر، إلا امتداد للفجوة التكنولوجية التي طالت علاقات الشمال بالجنوب منذ ستينات القرن الماضي...لم تزدها التحولات التكنولوجية الجارية إلا تعميقا وتجذرا مع الإبقاء على الطبيعة الثاوية خلفها.
وعلى الرغم من كون الفجوتين معا إنما هما، وبكل المقاييس، انعكاس لفجوات بنيوية أخرى (24)، لم تفلح الدول ولا الحكومات ولا المنظمات الدولية في سدها، فإن الفجوة التي حملتها الشبكات الألكترونية وفي مقدمتها الإنترنيت هي الكبرى...وهي الأخطر.
3- الفجوة الرقمية الكبرى
على الرغم من كون إشكالية اللاتوازن بين الشمال والجنوب فيما يتعلق ببلوغ المعلومات كانت الأساس الذي بنت عليه دول العالم الثالث مطالبها بإقامة نظام عالمي إعلامي جديد، فإن هذه الدول لم تنجح في استنباته وتكريسه لأسباب عديدة ليس مجال البحث فيها هنا(25).
بالتالي، فلم يبد ذات الخطاب (سيما مع انتهاء الحرب الباردة) ذي قيمة عملية كبرى وتم التبرم عنه لفائدة أطروحات جديدة تتغيأ توظيف تكنولوجيا الإعلام والاتصال الجديدة لتطوير العلاقات بين الشمال والجنوب (26).
وهو طرح سليم إلى حد بعيد، لكنه يبقى رهينا في منهجه لواقع حال قائم لم تغير عولمة الاتصال ولا انفتاح السواق ولا سيولة سريان المعلومات من طبيعته وإن تسنى لها التأثير في درجته.
ومعنى هذا أن ذات الطرح لم يفرز فجوة جديدة أعمق نوعيا وأخطر، بل تبنى سياسات إذا لم تكن تساير ذات الفجوة، فهي لا تعمل كثيرا للمساهمة في ردمها.
لا تغدو الفجوة الرقمية، من هنا، نتاجا طبيعيا للحركية التكنولوجية التي طاولت قطاع الإعلام والاتصال والتي لم يتسن لبلدان العالم الثالث مسايرتها، بل تضحو إفرازا حقيقيا للسياسات المعتمدة من لدن دول الشمال كما من لدن دول الجنوب: " فدول الشمال تحمي تكنولوجياتها المتطورة ولا تسلمها إلا للدول الصديقة، المضمونة سياسيا. ودول الجنوب المثقلة بالديون والموضوعة تحت طائلة البنك الدولي، مضطرة عموما لقبول الحلول المقترحة من لدن الخبراء: التضحية من أجل التنمية بالمؤسسات القديمة للبريد والاتصالات، تحويلها إلى مؤسسات عمومية بداية، اللجوء إلى الرساميل الخاصة فيما بعد ثم، في ترتيب محكم، خوصصتها وإقامة تحالفات شكلية مع مجموعات الاتصال العالمية الكبرى" (27).
ومعناه أيضا أن الفجوة الرقمية القائمة أصلا، لم تزدد إلا تعمقا بين الدول المتحكمة في التكنولوجيا الجديدة (28) أجهزة ومحتويات ومواقع وخدومات وبرامج معلوماتية...الخ، وبين الدول التي لا تملك ذات التكنولوجيا (أو تملك جزءا بسيطا منها) ولا تتحكم فيما يرافقها من برامج وتطبيقات.
من النافل القول، بناء على هذا، إننا حتما بإزاء تمييز جديد بين دول "غنية معلوماتيا" (29) ودول "فقيرة معلوماتيا" لم تزدها سياسات التحرير واللاتقنين والخوصصة إلا سعة وتعميقا.
يقول آلن غريش في هذا الصدد: "إن تطور الإنترنيت ليس مستقلا عن الحركية الاجتماعية وعن الفوارق بين الأغنياء والفقراء لا على مستوى محتوى المعلومات ولا على مستوى الحصول على هذه الأخيرة...لكن منطق إعادة تقنين الاتصالات من شأنه أن يسرع من الفارق الذي يفصل الشمال عن الجنوب" (30).
ومنطق إعادة التقنين المقصود هنا إنما تنازل الدولة والحكومات لفائدة منطق السوق كي يضع وينظم ويقنن الشبكات بنية ومضامينا...وهو ما من شأنه حتما أن يعيد إنتاج الفوارق ويعمق الفجوة.
فإذا كانت الولايات المتحدة ذاتها قد صممت وطورت الإنترنيت ارتكازا على الجامعات والمؤسسسات العمومية فإن "السيناريو الليبيرالي، غير التدخلي سيقود بالضرورة إلى تقوية اللاتوازن في بلوغ المعلومات" (31).
ولئن أضحت الفجوة الرقمية بين الشمال والجنوب أمرا واقعا اليوم، فإنها تجد امتدادات لها كبرى تبين أنها لا تقتصر فقط على هذا المستوى:
+ فالفجوة الرقمية بين الشمال والجنوب هي أيضا من الفجوة داخل كل واحدة من هاتين المنظومتين وتعكس إلى حد بعيد الهوة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية الثاوية في صلب كليهما.
فبداخل الجنوب مثلا نجد الفجوة كبرى بين قارة وأخرى (32)، وداخل القارة الواحدة بين دولة ودولة.
ومعنى هذا أنه إذا كانت الحصة الكبرى من الحواسيب والمواقع على الشبكة ممركزة ببلدان الشمال والجزء الأكبر بالولايات المتحدة، فإن لجنوب إفريقيا (مثلا) النصيب الأكبر من الحواسيب والمواقع المحصورة بالقارة الإفريقية (مقابل تدنيها الكبير بدول كأثيوبيا أو السودان أو الصومال).
لا يختلف الإشكال كثيرا داخل الدولة الواحدة قياسا على ما هو سائد على المستوى العالمي أو بين الجهات، إذ لكل دولة من الدول فجوتها الرقمية الصارخة:
+ فبمعظم دول الجنوب تتركز معظم الشبكات بالتجمعات المدنية بنسبة قد تصل إلى 90 بالمائة في حين تبقى جهات شاسعة بالبوادي وبضواحي المدن بمعزل عن تلك الشبكات تجهيزا في البنى التحتية العامة وتجهيزا على المستوى الفردي والجماعي. إذ " بين مراكز المدن المتطورة المرتبطة بالشبكة المدنية العالمية وأقصى الهوامش المحرومة من كل أداة اتصال...توجد كل أطياف الهوة السوسيو- ترابية التي تعكس الفوارق الاجتماعية (33) (حيث) الفضاءات المنفتحة للنخب المعولمة تجاور فضاءات الأرياف العميقة التي لم يتسن لها بعد تمرير مكالمة هاتفية (34) اللهم إلا ما وفرته التكنولوجيا الخليوية في السنين الأخيرة بالنسبة لبعض الدول.
نحن بهذه الحالة أيضا بإزاء "الأغنياء معلوماتيا والفقراء معلوماتيا" تماما كما لا حظنا ذلك على المستوى العالمي...ليس فقط جراء تعذر الارتباط والبلوغ ولكن أيضا (بالنسبة للمرتبطين بالشبكة "العالمية") بسبب ارتفاع تكاليف الحواسيب وكلفة أسعار الارتباط والإبحار (حال الجامعات مثلا) ناهيك عن "الأمية" المتفشية الأبجدي منها كما المعلوماتي سواء بسواء.
+ إذا كان الأمر كذلك بالنسبة لدول الجنوب، فإنه لا يختلف بالشمال كثيرا اللهم إلا في الحدة والدرجة.
ومعنى هذا أنه إذا كان مبدأ البلوغ (والبلوغ فقط للشبكة) هو المقدم أساسا لتوصيف واقع الفجوة الرقمية داخل دول الجنوب، فإنه بداخل دول الشمال، غير كاف حتى وإن كان ضروريا، إذ العبرة بالدول إياها هي بمواصفات ذات البلوغ وبميزاته.
بالتالي، فلم يعد الارتباط بشبكة الإنترنيت مثلا هو المهم، بل المهم أيضا هو بأي صبيب (35) أي مستوى الصبيب الذي يمكنه ذات الارتباط وسعة شبكة الاتصالات الموفرة لذلك ونوعية الأجهزة المتاحة وهكذا.
وهذا يعني أن توفر البنية التحتية بكل ربوع التراب الوطني إنما يقدم ولكأنه مصدر فجوة رقمية سوسيو- ترابية إذا لم ترتبط ذات الربوع بالشبكة وفق نفس المواصفات والامتيازات.
وعلى هذا الأساس، فلو كان للمرء أن يستنبط التوجهات الكبرى لظاهرة الفجوة الرقمية (36) الملاحظة بين الدول والجهات وداخل الدول لاستوقفه توجهان اثنان:
+ الأول أن الفجوة الرقمية هي أصلا وبالأساس فجوة تنموية. بالتالي فمن المتعذر ردمها أو التخفيف من حدتها طالما بقيت الإشكالية التنموية مطروحة.
+ الثاني أن الفجوة الرقمية إنما هي ظاهرة متحركة وديناميكية. هي لصيقة بمدى التطور العلمي والتقني المحقق..وهي رديفة ذات التطور حتى وإن ظهرت لنا بالمحصلة الأولية غريمته...
هوامش
(1)- تسمى أيضا الهوة الرقمية:
Fossé numérique, fracture numérique ou digital divide
وهي كلها صفات لواقع واحد لا اختلاف على توصيفه كبير.
(2)- UIT, «Conférence mondiale sur le développement des télécommunications», Istanbu, Turquie, 18-27 Mars 2002.
(3)- Elie. M, «Le fossé numérique : l’internet, facteur de nouvelles inégalités ?», Problèmes politiques et sociaux, La Documentation française, n° 861, Août 2001.
(4)- على الرغم من "تراجع" مصداقية أطروحة تقسيم العالم إلى شمال وجنوب، فإنها لا تزال ذات قوة تفسيرية وقيمة منهجية كبيرتين.
(5)- El Yahyaoui. Y, «Internet et société de l’information : essai sur les réseaux du savoir», Ed. Boukili, Kénitra, 2001.
(6)- لعل شبكة الإنترنيت تمثل المقدمة الأولى لانصهار الشبكات الإعلامية والاتصالاتية في "شبكة عنكبوتية عالمية" لن يكون بموجبها من قيمة للحديث عن هذا القطاع أو ذاك بمفرده.
(7)- راجع في ذلك مختلف تقارير المنظمة العالمية للاتصالات وكذا تقارير منظمة اليونسكو عن واقع الاتصال بالعالم.
(8)- Lanvin. B, «Tiers-Monde et accès à l’information : le dernier défi du deuxième millénaire ?», Papier non publié, Avril 1999.
(9)- Bissio. R, «Nouvelles armes pour les démocrates», In «Internet, l’extase et l’effroi», Manière de voir, Numéro Hors-Série, Octobre 1996.
(10)- على الرغم من بعض المجهودات المبذولة ببعض دول العالم الثالث، فإن نصيب إنتاجها يبقى هزيلا وشبه معدوم بلغتها/الأم.
(11)- الرقمنة هي العملية التي تمكن من إرسال (على حامل واحد) المعطيات والنصوص والصوت والصورة. بالتالي، فالمعلومة المرقمنة هي معلومة مرموزة على شكل سلسلة طويلة من 0 و 1 (تدعى أيضا اللغة الرقمية) والتي أصبح تطبيقها اليوم على الصورة والصوت ممكنا...هي سلسلة طويلة من الأرقام التي يمكن أن تقتني الخط الهاتفي أو غيره وبالإمكان "حل شفرتها" وقراءتها عبر الحاسوب المرسلة إليه.
(12)- UNESCO, «Rapport mondial sur la communication : les médias face aux défis des nouvelles technologies», Ed. UNESCO, Paris, 1997.
(13)- للتذكير، فقد كان لخمس أو ست وكالات أنباء عالمية نصيب الأسد من المعلومات المنتجة والمتداولة عالميا في حينه أي إبان اشتداد الحرب الباردة.
(14)- Braillard. P et Alii «Les relations internationales», Ed. Presses Universitaires de France, Paris, 1997.
(15)- Cf : UNESCO, «Rapport intermédiaire sur les problèmes de la communication dans la société moderne», Ed. UNESCO, Paris, 1978.
(16)- UNESCO, « Rapport intermédiaire… », Rapport. Précité.
(17)- Ramonet. I, « Géopolitique du chaos », Ed. Galilée, Paris, 1995.
(18)- لا تختلف الفجوة الإعلامية والاتصالاتية التي سادت طيلة الحرب الباردة عن الفجوة الرقمية التي برزت بداية ثمانينات القرن الماضي إلا في الدرجة، إذ هما معا من نفس الفصيلة ولهم نفس الطبيعة.
(19)- نتحدث هنا عن سياسات تكنولوجية بالتجاوز ليس إلا.
(20)- Cf : Chéneau. Loquay. A, (Coord), «Enjeux des technologies de la communication en Afrique : du téléphone à internet», Ed. Karthala, Collection Hommes et Sociétés, Paris, 2000.
(21)- Cf : Gras. A, «Grandeur et dépendance, sociologie des macro-systèmes techniques», Ed. Presses universitaires de France, Paris, 1993.
(22)- Cf : Pourtier. R, «Les Etats et le contrôle territorial en Afrique centrale : principes et pratiques», Annales de Géographie, n° 547, Paris, 1989.
(23)- Medard. J.F, «L’Etat néo-patrimonial en Afrique noire», In Collectif «Etats d’Afrique noire», Ed. Karthala, Paris, 1991.
(24)- على اعتبار أن الفجوة الاقتصادية (أو فجوة التنمية) هي الأصل، على أن ما سواها من فجوات إنما هي فروع وأطراف. أنظر في ذلك:
Falk. R, «Vers une domination de type nouveau», Le Monde diplomatique, Août, 1995.
(25)- لعل إحداها انسحاب الولايات المتحدة وبريطانيا من منظمة اليونسكو وتعذر ترجمة مطالب ذات النظام إلى قرارات وسياسات محددة.
(26)- بعدما كانت الأجيال الأولى من هذه التكنولوجيا موضع مزايدة وأداة للهيمنة.
(27)- Mignot. Lefebvre. Y, «Technologies de communication et d’information، une nouvelle donne internationale ?», In Revue Tiers-Monde, Avril-Juin 1998.
(28)- ونعني بها تحديدا هنا شبكة الإنترنيت.
(29)- عبارتي "الأغنياء معلوماتيا" و"الفقراء معلوماتيا" اصطلاح جديد لواقع قائم وكان قائما من ذي قبل، بل قل إنه كان مزامنا لمختلف المستجدات التكنولوجية منذ الهاتف وإلى شبكة الإنترنيت.
(30)- Gresh. A, «Et les citoyens du Sud ?», Manière de voir, Numéo Hors-Série، Octobre 1996.
(31)- Elie. M, «Internet et développemnt, un accès à l’information plus équitable ?» , Futuribles, n° 214, Novembre 1996.
(32)- لعل إفريقيا القارة الأولى بامتياز على مستوى تدني ارتباطها بالشبكات العالمية بالهاتف كما بالإنترنيت. أنظر في الإحصاءات:
Elie. M, «Internet et développement global», Papier sans référence, Avril 1999.
(33)- Chéneau.Loquay.A, « Nord-Sud, quelle Afrique dans les réseaux de communication mondiaux ? », Actes du Colloque «Monde et centralité», MSHA, Bordeaux, Mai 2000.
(34)- لعل سياسات تشجيع "الأقطاب التكنولوجية الكبرى" المعتمدة من لدن العديد من دول العالم الثالث، تدفع باتجاه استمرار الفجوة بين الجهات. فالهند مثلا تتوفر على أكبر الأقطاب التكنولوجية بالعالم (بنغالور هي الحادية عشرة ضمن 64 وفق ترتيب وايرد) لكنها تأتي في المرتبة 73 وفق معيار التطور التكنولوجي...وذلك نتيجة الهوة التكنولوجية الكبيرة الموجودة بين مختلف دول الاتحاد الهندي.
(35)- وهو الإشكال الذي طرح عندما ظهر للوجود الإنترنيت االعالي الصبيب:
Internet à haut débit
(36)- لم يكن من أهداف هذه الورقة الحديث في سبل ردم الفجوة أو طرق تضييقها لأنها ستظهر حتما تقريرية ومجترة للخطاب الرائج.
* "الفجوة الرقمية في الوطن العربي"، مجلة حوار العرب، شهرية، العدد 11، بيروت، أكتوبر 2005، موقع اتحاد كتاب الإنترنيت العرب، 20 أكتوبر 2005.. مجلة " فكر ونقد"، العدد 66، 15 فبراير 2005