تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

تجارة الأقراص المدمجة بالمغرب بين التشريع والتجريم

غزت كثيرا من المدن المغربية خلال السنوات القليلة الماضية ظاهرة استنساخ الأقراص والبرامج المعلوماتية لدى الشباب خاصة والمتاجرة فيها كمصدر للرزق وتزجية للأوقات، فعلى طول التراب المغربي تنتشر محلات بيع الأقراص المستنسخة، خصوصا في مدنه الكبيرة مثل الرباط، والدار البيضاء، ومراكش، ومكناس وفاس...)، غير عابئة بتحريم الشرع أو تجريم القانون أو بمنع الاتفاقيات الدولية.

وأصبح التعامل بها موضة جديدة تمكن من الاستفادة من عروض الأقراص المسجلة لمحاضرات دينية وبرامج معلوماتية وأقراص غنائية وترفيهية بأثمان زهيدة.

وبخصوص التنبيه لانتشار الظاهرة وحدود التعامل معها خصصت وسائل الإعلام المغربية استطلاعات وتحقيقات حول دوافع الاقتناء والمتاجرة في هذه الأقراص. وفي هذا الصدد نشرت جريدة "التجديد" اليومية المغربية استطلاعا في الموضوع، وكذلك الشأن بالنسبة للقناة الثانية المغربية مع أحد المشتغلين بهذه التجارة الجديدة.

دوافع مختلفة للاقتناء

 تتنوع الدوافع وراء قرصنة الإنتاجات الدينية والفنية والمتاجرة فيها حسب المستوى المعرفي لشرائح المجتمع، ولكن يتحدث جل الذي التقيناهم بالرباط خاصة، بأن ضعف القدرة الشرائية والبطالة التي يعاني منها جل الشباب هي التي تدفع إلى المتاجرة في هذه الأقراص، فهي بالنسبة لبعض الشباب المغربي (البائع) نوع من البحث الدؤوب عن الرزق، ولدى المقتني تزجية الأوقات وتلبية للرغبات بأرخص الأثمان.

كما أن مضمون الأقراص يتنوع بين مشاهد ساخرة إلى أخرى جدية وثالثة ترفيهية تختلط فيها الرغبات الإنسانية بتنوعها، لكن أخطر تلك المضامين تلك التي تروج للجنس أو الإشاعات عن الإسلام والمسلمين.

ويعبر محمد (موظف بإحدى المؤسسات الخاصة بالرباط) عن رأيه في شراء الأقراص المستنسخة بقوله: "لا أرى حرجا في نسخ الأقراص الدينية فهي من قبيل تيسير العلم للناس"، وهو الرأي نفسه الذي يذهب إليه أبو سعد بالمؤسسة نفسها: " الأقراص المستنسخة تيسر للناس الوصول إلى رغباتهم، بعدما استخلص صاحب الإنتاج الأصلي أرباحه فيطلق المنتوج في الإنترنت لمن أراده بالمجان".

إلا أن مصطفى، أب لخمسة أطفال، لا يساير الآراء السابقة في ما ذهبت إليه، فهو يعتبر هذا "الاستنساخ" بدعوى نشر العلم والتدين بين أفراد المجتمع من قبيل "تدمير الإعلام والإنتاج الإسلامي من حيث لا يدري المرء، فالإنتاج يقدر بأموال باهظة، لكن إعادة نسخه وقرصنته لا يكلف الكثير، خاصة وأن هذا العمل يكون بدون علم مالكه الأصلي مما يعرض هذا الأخير للإفلاس".

بالنسبة للأستاذ زكرياْء، أستاذ معلوميات بالرباط فهو يؤكد أن انتشار الظاهرة: "تتداخل فيه مجموعة من الأمور: فمن جهة يرجع الأمر إلى تفشي الفقر في مقابل غلاء البرامج المعلوماتية ثم سيطرة شركات معينة على السوق العالمية، أو ربما أن هذه الشركات تلجأ إلى سياسة فتح الباب أمام القراصنة كوسيلة إشهارية، وعندما يتوسع الاستعمال، تلجأ إلى التقنين، وبالتالي فالمواطن العربي الشغوف بمسايرة التقدم، لا يجد أمامه إلا اعتماد الأقراص المستنسخة تبعا لقدرته الشرائية، مع استحضار ضعف الاستثمار في البحث العلمي بالعالم العربي عامة، مما يعني أن العربي يتحول من منتج إلى مستهلك".

أما أبو أسعد (مخرج إعلامي) فهو يرى أن الاستفادة من بعض المنتوجات من محاضرات دينية وأفلام غنائية لا يتم مجانا إلا بعد أن يستوفي صاحب الإنتاج أرباحه مضاعفة، ثم ينتج أشياء جديدة ومغرية تساير الموضة العصرية، لذا فهو لا يرى حرجا في نسخها والاستفادة منها.

ويضع لحبيب الجرادي (طالب جامعي بالحقوق بالرباط) شروطا لاقتناء مثل هذه الأقراص الدينية:( لابد أن أن تخضع هذه الأقراص لمراقبة هيئات دينية بالبلاد، فما يروج من مواضيع في هذه الأقراص وإن كان دينيا، فهو يروج لأشياء منافية لخصوصياتنا الدينية المغربية وهناك بعض "المواعظ الدينية" ليس لها أية قيمة علمية أو تأصيلية، فهناك مواد مفيدة ومهربة في هذه الأقرص وهناك مواد كاسدة ومهربة، فالكل يشترك في أنه مهرب".

التشريعات غير معتبرة 

رغم أن التشريعات الحقوقية في مجال حماية الحقوق الفكرية للمؤلفين حظيت باهتمام كبير، وارتبط جلها باتفاقيات دولية واقتصادية خاصة، إلا أن المتاجرين بالأقراص المهربة والمقرصنة بيعا واقتناء غير مبالين  بما قد يعرضهم ذلك من جزاءات، رغم أن بعض التحقيقات في مجال القرصنة تبرز أن المغرب إلى جانب دول العالم الثالث من أكثر المتضررين من هذه الآفة، إلا أن التحسيس بالظاهرة عبر الإعلام قلص من حدتها، إذ انخفضت النسبة من82 (اثنين وثمانون) بالمائة إلى 58(سبعة وخمسون) في الفترة ما بين 1994 و2002.

وقد أوضحت المـادة 61 للمكتب المغربي لحقوق المؤلفين (بامدا) التدابير والطعون والعقوبات ضد القرصنة والمخالفات الأخرى، إذ يخول للمحكمة المختصة في حالة وجود النسخ المتحصلة من انتهاك حقوق ثابتة: "يخول للسلطات القضائية إصدار الأوامر بإتلاف هذه النسخ وتلفيفها، أو بالتصرف فيها بشكل آخر معقول، خارج النطاق التجاري بشكل يحول دون إحداث ضرر لصاحب الحق، إلا إذا رغب صاحب الحق في غير ذلك، ولا يطبق هذا المقتضى على النسخ التي اقتناها شخص آخر عن حسن نية، ولا على تلفيفاتها".

وشددت اتفاقية التبادل الحر بين المغرب وأمريكا(الثاني من مارس 2004)، التي ستدخل حيز التنفيذ في  2010 على التزام: "كل من الحكومتين على سلطة وضع اليد على، ومصادرة، وإتلاف البضائع المزيفة والتي تم الحصول عليها عن طريق القرصنة وتستخدم دون ترخيص، ووضع اليد ومصادرة وإتلاف المعدات التي استخدمت في إنتاجها".

الدين الإسلامي يمنع أن نمد أيدينا إلى حقوق الغير 

من الناحية الشرعية، يشير الدكتور محمد الروكي، رئيس جمعية خريجي الدراسات الإسلامية العليا وأستاذ جامعي بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط، إلى أن الدين الإسلامي يمنع أن نمد أيدينا إلى حقوق الغير، فحقوق الابتكار مضمونة لصاحبها الأصلي، الذي صرف على إنتاجها أموالا وجهودا، والسطو عليها باستنساخها بدون إذن المبدع والمبتكر لا يجوز، إلا إذا رخص المبدع بذلك فهنا لا مانع في نسخها.

وأضاف في تصريح هاتفي معه أن المبتكر حقه أن يبيع إنتاجه بما يناسب جهوده والأموال التي صرفها على إنتاجه، مشيرا إلى كتاب في الموضوع حول "حقوق الابتكار".

وعن سؤال عن احتكار أصحاب الإنتاجات المعلوماتية لابتكاراتهم وبيعها بثمن غال مع ضعف القدرة الشرائية للمواطن، قال الروكي أنه لا يجب عليه أن يحتكر ما أنتجه، مفوضا للسلطة الشرعية في البلاد إقناعه بالتخلي عن هذا الاحتكار وليس المواطن نفسه.

الظاهرة قبل أن تستدعي لجن بحث ميدانية 

 ويذهب الخبير الإعلامي يحيى اليحياوي إلى أن "التقنيات الجديدة دخيلة على المجتمع المغربي بكل المقاييس، فمنذ أواسط الثمانينيات، لم يكن شيء ولكن حصلت طفرة في حوامل التكنولوجية في المعلوميات والأقراص المدمجة والفضائيات خاصة البطائق التي تتجدد كل سنة، والمغاربة وصلوا إلى الإتقان في عملية إدخال التعديلات على هذه الحوامل، فقد كانت الظاهرة نخبوية إلى حد ما وأصبحت الآن مسألة جماهيرية".

ويفسر اليحياوي انتشار الظاهرة إلى التعامل السوسيولوجي، أي طريقة تعامل المغاربة مع هذه التقنية ومستجداتها، ورغم أنه ليس هناك دراسات ميدانية، لكن المتتبع يلاحظ أن شريحة الشباب هي أكثر استعمالا هذه الأقراص, تليها شريحة الأطفال.

وشدد "اليحياوي" على أن التشريع لضبط هذه الظاهرة "يتطلب الوعي بعنصرين: أن تصبح للظاهرة قوة اجتماعية ووزن سوسيولوجي في الواقع، ويقوم التشريع بتقنينها.والزاوية الثانية هو أن نستبق الظاهرة قبل أن تستشري للحيلولة دون تجاوزها وعدم حصول المآسي المترتبة عنها".

ويرشد الخبير الإعلامي المغربي إلى أن العلاج يأتي من: "قيام المشرع والبرلماني بالخصوص بدراسة ميدانية للظاهرة حول مدى اتساعها وتأثيرها والحق في الإبداع، والنظر في ماذا يجري في الواقع، بواسطة لجنة بحث ميداني مثل فرنسا وألمانيا وأمريكا تتكون من باحثين في الاقتصاد والاجتماع لضبط هذه الطفرة، ولا يجب أن يتعامل معها المشرع بمنطق المنع حتى يضبط أبعادها والخلفيات والنتائج التابعة لها وضبط مستجداتها لتحويلها إلى ما يعود بالنفع على المجتمع.

ظاهرة تتطلب التوجيه فقط 

لكن تبدو أن آراء الفقهاء والخبراء والتشريعات السابقة غير ذات بال لدى كثير من الشباب المغربي خاصة، لكن تداعيات الفوضى التي يعرفها المجال لا تقف نتائجها على الجوانب الاقتصادية فقط، بل تتعداها إلى أخرى تربوية واجتماعية وثقافية لا تحدها  حدود أو سدود، فالظاهرة أصبحت مستشرية في جل البلدان النامية والإسلامية، مما يفرض إيلاءها ما تستحق لتوجيهها في ما ينفع المجتمعات خاصة الإسلامية، وبيان حدود التعامل الاستفادة للمصلحة الخاصة وشروط وضوابط المتاجرة والتسويق.

* "تجارة الأقراص المدمجة بالمغرب بين التشريع والتجريم"، مركز الدراسات الإسلامية (السنة) ، عن ملف التجديد، 8-10 أكتوبر 2004.

يمكنكم مشاركة هذا المقال