يذهب يحيى اليحياوي إلى أن فقدان الضمانات هو أمر وارد ومؤكد عند مستخدمي اتصالات المغرب المعنيين بالتوقيع على النظام الداخلي الجديد، على اعتبار أن أفقه المثالي هو قانون الشغل. ويضيف اليحياوي المختص في القطاع وابن المهنة أن المنعطفات التي شهدتها المؤسسة خلال العقد الأخير لا تؤسس لتاريخ قطاعات الاتصالات بالمغرب بقدر ما تستهدف تحويل قواعد اللعبة بداخله.
الأخبار: باعتباركم باحثا في مجال الإعلام والاتصال وإطارا في مؤسسة اتصالات المغرب, ما هو السياق العام للجدل القائم اليوم في المؤسسة بين الإدارة والنقابات؟
يحيى اليحياوي: الحديث عن السياق العام يفترض استحضار بداية الثمانينات وبالتحديد عام 1984، أي سنة إحداث المكتب الوطني للبريد والاتصالات كمؤسسة عمومية لها الصفة القانونية والاستقلال المالي. ويفترض أيضا استحضار برامج التقويم الهيكلية التي أسست منذ تلك الفترة لسياسة تقليص دور الدولة في هيكلة وملكية البنى الاقتصادية العمومية. ويفترض كذلك الوقوف عند القانون 96/24 المنظم لتحرير سوق الاتصالات وفتح رأسمال فاعلها الرئيسي. هذه المحطات الثلاث لا تؤسس لتاريخ قطاعات الاتصالات بالمغرب بقدر ما كانت تستهدف تحويل قواعد اللعبة بداخله وبطريقة جذرية، أي نقلة من الطابع العمومي الذي ميزه على الأقل منذ 1924 إلى المجال الخاص ملكية وتنظيما.
الأخبار: ما هي الخلفية التي انبنى عليها القانون 96/24؟
يحيى اليحياوي: لقد ساهم هذا القانون في تسريع هذا الإشكال على مستوى الشكل كما على مستوى المضمون، وذلك لاعتبارات عديدة، منها أن الفترة المذكورة عرفت تدشين مرحلة ما سمي بمسلسل التوافق والتراضي، بدليل تمرير هذا القانون دونما صعوبة، وبحضور 11 في المائة من النواب، وبدأنا من حينه نرى كيف أن الذين كانوا يناهضون الخوصصة بالقطاعات العمومية الكبرى أضحوا هم المدافعين عنها لحد التطرف في بعض الأحيان، وهو سلوك يمكن التأكد منه حتى في الوقت الراهن خطابا وفي الممارسة.
الاعتبار الثاني أن هذا القانون هو الذي على أساسه تم خلق ثلاثة مؤسسات على أساس طبيعة المهنة وخصوصية الوظيفة، أي اتصالات المغرب وبريد المغرب والوكالة الوطنية لتقنين الاتصالات مع اقتسام "الأملاك" والمستخدمين.
أما الاعتبار الثالث، فلأن القانون 96/24 هو الذي على أساسه تم فتح رأسمال اتصالات المغرب (بنسبة 35% لفائدة مجموعة فيفاندي الفرنسية) وتحولت إلى شركة مجهولة الإسم في أوقات قياسية اخترقت إثرها العديد من المراحل.
الأخبار: ما هي تبعات القانون على هيكلة المؤسسة عموما؟
يحيى اليحياوي: القانون شتت قطاع البريد والاتصالات إلى حد كبير، وذلك ما بين بريد المغرب كمؤسسة عمومية، اتصالات المغرب كشركة مجهولة الإسم، ووكالة التقنين كهيئة حكومية مرتبطة مباشرة بالوزارة الأولى.
الأخبار: مع أن لكل منهما قانونها الأساسي؟
يحيى اليحياوي: كان من المفروض أن يكون الأمر كذلك بصفة تلقائية، أي ارتكاز على الفصل 100 من القانون المذكور، لكنه لم يكن كذلك إلا بالنسبة لبريد المغرب ووكالة التقنين واللذان عمدا إلى إحداث قانون أساسي من منطلق أن وضعية المستخدمين المنحدرين من قانون المكتب الوطني لا يمكن بأي حال من الأحوال، أن تكون أقل امتيازا من التي كانت لهم من ذي قبل.وهو ما تم لهم على الرغم من بعض الغبن التي طالت هذه الفئة أو تلك. وهكذا أصبحت وضعية مستخدمي اتصالات المغرب من المنحدرين من المكتب الوطني في وضعية "البين-البين"، ولما كان الأفق هو خوصصة الشركة، فقد تم إحداث قانون أساسي بمرسوم حكومي في فبراير 1998، وهو مرتكز على روح قانون 84، بغرض التسوية الإجرائية ليس إلا بإزاء الأجهزة الرسمية، وقد تلا هذا الإجراء فتح رأسمال الشركة بنسبة 35 بالمائة. ولما أصبحت الشركة بعد هذا التاريخ شركة مجهولة الإسم، فإن الذين تم "استوظافهم" بعد هذا التاريخ تم التعاقد معهم دونما وجود مرجعية قانونية واضحة.اللهم إلا ما تم لكل متعاقد أن يستخلصه من امتيازات و"ضمانات" وما سواها.
الأخبار: لماذا إحداث قانون داخلي، مع وجود قانون الشغل؟
يحيى اليحياوي: هو مجرد" قانون" داخلي لا مرتكز قانوني له بمعنى أن الذي اصدره اليوم له الصلاحية لتغييره غدا أو بعد غد. بالتالي فما قد يبدو بداخله اليوم ضمانة قد يغدو إذا إكراها. الذي يهمني هو التساؤل عن سبب تعمد إدارة اتصالات المغرب عدم إصدار قانون أساسي لمستخدميها كما عمدت إلى ذلك بريد المغرب ووكالة التقنيين؟ وما السر وراء ترك العاملين تحت رحمة هذا القانون الداخلي أو ذاك؟ ولماذا دفع العاملين المنحدرين من المكتب الوطني إلى توقيعه وغالبا باللجوء للترهيب؟
يقال إن هذا القانون يضمن كذا وكذا ويفتح السبل في كذا وكذا. هذا كلام قد يسلم به المرء. لكن لو كان متضمنا للحد الأدنى من الضمانات لتهافت عليه المستخدمون. لماذا ترغيبهم وترهيبهم والعمل على تطويعهم بهذا التهديد أو ذاك لاتخاذ هذا القرار أو ذاك؟
يقال إن هناك رهانات وهذا أمر صحيح. فالشركة تبنت قانون الشغل قلبا وقالبا سيما مبدأ المرونة بداخله وهو يعطي للإدارة حق التصرف في العاملين نقلا وتسريحا وما بين ذلك. والشركة مقبلة على خوصصة 16 بالمائة المتبقية على 51 بالمائة ويبدو لها المستخدمون كتلة بشرية ومصدر تكلفة عالية لا سبيل للإنتاجية والتنافسية وغيرها في وجودها (هكذا يقال) سيما مع التطورات التكنولوجية الهائلة التي أفرزت طرقا في التسيير وأنماطا في التدبير لا تحتاج إلى جيش عرمرم من البشر. ناهيك عن إعادات المركزة وسياسة المناولة التي تعتمدها الشركة ...كل هذا من شأنه لا فقط الاستغناء عن المستخدمين (كما كان الحال مع التسريح الطوعي), بل وأيضا تسريحهم كما يذهب إلى ذلك غلاة المفسرين لقانون الشغل.
نفس الأمر يقال عن مشروع الاتفاقية الجماعية، والذي يستوجب توافقا مع النقابات وتنازلات متبادلة تسري نتائجها على الجميع تلقائيا أي على الذين رغبوا في ذلك كما على الذين لا رغبة لهم في ذلك.
الأخبار: كيف ذلك؟
يحيى اليحياوي: الانضمام إلى القانون الداخلي غالبا ما يتم عن طواعية، وأنا هنا أتحدث عن المستخدمين المنحدرين من المكتب الوطني. والذي كانت لهم وضعية نظامية معينة. الاتفاقية الجماعية بحكم تسميتها يتم الاتفاق على موادها عبر "مشاورات"، وبالتالي فاعتمادها من لدن النقابات الممثلة لأكبر عدد يعطيها فاعلية السريان على الكل، أي حتى على الذين لا ينتمون لهذه النقابة أو تلك أو الذين لا انتماء نقابي لهم. وعلى هذا الأساس، فالقانون الداخلي، كم الاتفاقية الجماعية، هما أقل سموا من القانون الأساسي على اعتبار أن أفقهما المثالي هو قانون الشغل، وعلى هذا الأساس، فإن فقدان الضمانات هو أمر وارد ومؤكد. بمعنى أخر: كيف تريد من مستخدم أن يفرط في قانونه الأساسي ويخضع لآليات جديدة لا يعلم مقاصدها ولا تبعاتها إلا حينما يكون عرضة لموادها.
الأخبار: صرحت فعاليات إدارية أن تحديات المنافسة تفرض إحداث النظام الداخلي كأداة من أدوات المرونة؟
يحيى اليحياوي: هذا كلام غير دقيق. هناك خلط بين نظام الشركة ونظام العاملين فيها، ومن قال بأن عمل الشركة في محيط خصوصي يفترض إخضاع العاملين بها للقوانين المؤطرة لذات المحيط! ثم أن يكون العامل مرتبطا بنظام الوظيفة العمومية، ويعمل بشركة خاصة لا ينفي عنه الفعالية والكفاءة. التمييز بين المستويين أمر جوهري ولنا في حالة فرانس تلكوم الفرنسية العبرة.
الأخبار: كيف تقيمون الأداء النقابي داخل اتصالات المغرب؟
يحيى اليحياوي: العمل النقابي قديم من حقبة عمر بنجلون، ولكننا اليوم، لا نجد نقابات مصفحة كما كان الأمر بالأمس، وإنما تفريخ النقابات كما يتم تفريخ الأحزاب، والدليل أنه لا توجد استراتيجية واضحة أو مطالب موحدة، كما أننا نلاحظ انفصاما كبيرا ومتزايدا بن الهياكل النقابية والقواعد، ليس فقط بسبب تدني التمثيلية، ولكن أيضا بسبب تغول الدولة وغياب المعارضة الجادة. وهذا تقييم لا ينفي وجود نقابيين جادين لهم مصداقيتهم وأياديهم نظيفة.
منتصر حمادة، "الأخبار المغربية"، أسبوعية، الرباط، العدد 17، 30 يناير 2003
* "يحيى اليحياوي يصرح للأخبار: لا يوجد أي مرتكز قانوني للنظام الجديد باتصالات المغرب"، "الأخبار المغربية"، أسبوعية، الرباط، العدد 17، 30 يناير2003 (أجرى الحوار: منتصر حمادة).