تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

"واقع البحث العلمي ومستقبل الثقافة العربية في عصر العولمة ووسائط الاتصال"

سؤال: إن عصرنا الحالي هو عصر العولمة والشمولية وثورة تكنولوجيا الإعلام والاتصال. هل لكم أن تحدثونا عن واقع البحث العلمي في الثقافة العربية في ظل هذه المعطيات؟

يحيى اليحياوي: قد لا أستطيع الإجابة بمفردي على هذا السؤال الإشكالي في حد ذاته والجوهري تأكيدا، الجواب يتطلب الاستعانة بأكثر من اختصاص.

أعتقد أن كل جزء من تساؤلك يحيل على أكثر من حقل معرفي. فالعولمة كما الشمولية كما الطفرة التكنولوجية القائمة، كما البحث العلمي لا تحيل فقط على علم الاقتصاد أو السياسة أو الاجتماع أو غيرها بل تحيل كذلك على منظومات القيم السائدة وعلى التركيبة الذهنية التي تشتغل عليها الثقافة، تفعل فيها وتتفاعل معها.

معنى هذا أنه لو سلمنا جدلا بأن العولمة والشمولية، كما التحولات التكنولوجية الجارية، هي محكومة حتما بخلفيات اقتصادية واجتماعية وغيرها، فهي محكومة أيضا بمنظومات القيم الثقافية والرمزية التي تخترق كل هذه الظواهر، تبني لها وتؤسس، بل وتفتح لها في الآفاق  وتؤطر صيرورتها نهاية المطاف.

لهذا السبب ترى أن كل هذه الظواهر هي، في الغالب الأعم منها، إفراز ثقافة ونتاج منظومة قيم (غربية أقصد) لولاها ما تكرست ولا كان لها السبق في صياغة المنظومات الأخرى، خطابا على الأقل.

البحث العلمي لربما يكون أكثرها تأثرا بهذه الثقافة وذات المنظومة، لأنه في المحصلة تجسيد لهما معا.

 ماذا أقصد تحديدا؟ القصد من هذا إنما القول بأن البحث العلمي كما التطوير التكنولوجي إنما هو بداية المطاف ونهايته نتاج قيم القائمين عليه وإفرازا لتصوراتهم وتمثلاتهم لذواتهم، للآخر وللكون من حولهم بصرف النظر عن مكان تواجدهم المجالي أو تنقلهم بين الفضاءات.

الثقافة العربية/الإسلامية بدورها ولقرون خلت لم تشد عن هذه القاعدة بل قل إنها هي التي أقامتها وأسست لخلفياتها.

بالتالي، فانحسار دور هذه الثقافة زمن العولمة والشمولية والطفرة التكنولوجية ليس منها ولا من مسؤوليتها (وهي التي جعلت من البحث  ومن العمل عبادة)، بل من تردي المناخ العربي العام الذي واكب عصور الانحطاط والاستعمار واستلاب النخب الحاكمة بمشرق العالم العربي كما بغربه.

من هنا فالجواب على سؤالك الواسع هو جزئيا من استحضار هذا الواقع ومساءلته، وقد لا يتعدى كلامي هنا سوى اجترار ما سبق للعديد أن حسمه واعتبره من شبه تحصيل الحاصل.

سؤال: هل يمكن أن نقول إن الثقافة العربية اليوم تعيش مرحلة "المجتمع المعرفي" ونحن ما زلنا في بعد كلي عن التغيرات المؤسساتية الضرورية؟

يحيى اليحياوي: أزعم أنه من التجاوز الصارخ الحديث عن " مجتمع معرفي" في حالة العديد من البلدان والشعوب التي تتخذ من الثقافة العربية/الإسلامية مرجعية لها أو تستمد منها حمولتها الرمزية على الأقل لثلاثة اعتبارات كبرى:

الاعتبار الأول أن المجتمع المعرفي المتحدث عنه زمن العولمة والشمولية وثورة تكنولوجيا الإعلام والاتصال هو مجتمع بنى تحتية ومجتمع مضامين، "الغلبة" فيه للمنتج لا للمستهلك. والثقافة العربية بداية هذا القرن هي ثقافة استهلاك لا ثقافة إنتاج (على مستوى "اقتناء" التكنولوجيا كما على مستوى المضامين الممررة عبرها). وهذا أمر لا يتعذر التحاجج بشأنه في الكتاب كما في التلفزيون كما في الشبكات الألكترونية كما في غيرها.

الاعتبار الثاني، وهذا اعتقاد خاص، أن الثقافة العربية تبدو بداية هذا القرن لصيقة بالتراث أكثر ما هي منفتحة على العصر والمستقبل.

ليس التلميح هنا فقط إلى ما يروج من أدبيات حول قيمة التراث ومركزيته، وأنا لا أستطيع أن أتنكر لذلك، لكن الخطر هو ارتكان ذلك إلى حالة من ردة الفعل تبدو، وهذه حقيقة، أبعد ما تكون عن الفعل في ذاتها وفي العصر...ولكأني بهذه الثقافة ترفض أن تضع نفسها بنفسها في المحك.

الاعتبار الثالث ويتعلق فيما أعتقد في ظاهرة "الردة" التي يتعرض لها الفاعلون في الثقافة العربية من مفكرين ونقاد وأصحاب رأي حر وما سواهم.

هذا أمر لا يطال فقط ما يسمى بعلوم "السوفط" (علماء دين أو مفكرين خارجين عن بنية السلطة أو غيرهم) بل ويتعداهم إلى العلماء "التطبيقيين" (المشتغلين بالعلوم الحقة أو البحثة) والذين تنعتهم الصحافة بالكفاءات العالية من مهندسين وعلماء ذرة وبيولوجيا وتقنيات معلوماتية وعلوم أحياء وغيرها.

للذين لا يتبنون هذا الطرح أن ينظروا في حجم هجرة "الأدمغة" العربية التي لم تحسب لهم " ثقافة" بلدانهم أدنى حساب يذكر في هذا الشأن.

سؤال: إن ثقافة الآخر ولغته أصبحتا تخضعان لتعميم وانتشار لا يقلان عن وتيرة تعميم وانتشار البضائع التجارية. هل يمكن للثقافة العربية واللغة العربية تحديدا أن تصمد في وجه هذا الانتشار؟ وهل لها من المقومات ما يؤهلها لتلعب دور المنافس؟

يحيى اليحياوي: لا أعتقد أن الإجابة على فرع سؤالك الأول متعذر كثيرا إذ المنظومة الغربية صنفت الثقافة كسلعة ضمن باقي السلع: الكتاب كما الفيلم السينمائي كما النوطة الموسيقية هي سلع كباقي السلع لا خصوصية لها مقارنة بالأدوات المنزلية أو بالأعتدة الحربية أو بمنتوجات النسيج. وقد مرر لذلك منذ إنشاء منظمة التجارة العالمية سنة 1994 دونما إشكالات " قيمية" تذكر.

ما يهمني أكثر في سؤالك هو جزؤه الثاني المتعلق باللغة وأنا أعرف أنك تشتغل منذ مدة على اللغة وعلى النحو بحب وشغف.

حديثك على خلفية من صمود اللغة العربية يوحي لي شخصيا ولكأننا، كأصحاب لغة وثقافة، بصدد استهداف من لدن طرف ما. وهذا أمر لا يمكن للمرء أن يزايد بشأنه، إذ الحروب القائمة حالا هي في جزء كبير منها حروب سيميائية تعمد إلى الرمز  أكثر ما تعمد للمكونات اللغوية التقنية الخالصة.

أزعم شخصيا أن اللغات (كل لغات الكون) هي إلى حد بعيد براء من الممارسة التي غالبا ما تكون عرضة لها أو مادتها.

 ليست هناك، فيما أتصور، لغة خير من لغة ولا امتياز للغة على أخرى إلا بالممارسة وإلى حد ما بقوة الدولة التي تأخذ من هذه اللغة أو تلك مرجعية لنسقيتها في التخاطب أو في رمزيتها. معنى هذا أن اللغة الإنجليزية اليوم مثلا هي الأقوى ليس لأنها الأفضل أو الأكثر تعبيرا ولكن فقط لأنها أضحت لغة الاقتصاد والمال والأعمال والتكنولوجيا...وهي مجتمعة " لغة" العصر وحاكمه الأقوى إنتاجا وتداولا للمعطيات والمعارف وهكذا.

بالتالي، فالمقوم الأهم ل" تنافسية" أية لغة لا يقاس بقوتها الكامنة بداخلها بقدر ما يكمن في مدى قدرتها على إنتاج المضامين وترويجها على نطاق واسع...أعني بالشبكات الكبرى الحالية التي أصبحت مركز ذلك بامتياز.

وعلى هذا الأساس، فطالما أن نسبة المواقع بالعربية ضعيفة بالإنترنيت مثلا (كما على ألسنة رجال المال والأعمال وأيضا كلغة مركزية بالمنتديات العالمية الكبرى) فإن قدرتها على المواجهة والصمود (ناهيك عن التنافسية) تبقى محدودة للغاية إذا لم نقل منعدمة.

سؤال: إذا كان "التراكم" شرطا أساسيا من شروط تقدم المعرفة العلمية، هل يمكن أن نتحدث عن تقدم علمي في الثقافة العربية في غياب أبسط شروط هذا التراكم؟

يحيى اليحياوي:  اصطلاح "التراكم" (الذي هو مصطلح قائم لدى الغرب) هو اصطلاح إبستيمولوجي يفترض الاستمرارية في الزمن أكثر ما يفترض القطيعة، إذ القطيعة عنوان البداية لنهاية براديغم قائم وسائد.

على هذا الأساس، أزعم أننا في الثقافة العربية/الإسلامية بحاجة إلى قطيعة ما، من نوع ما، أكثر ما نحن بحاجة إلى ترسيخ " القيم" السائدة أو العمل على تجذيرها.

 هذه الثقافة لم تعد منذ قرون عدة محكومة بمنطق التراكم الذي كان يحكمها. إنها أصبحت في حاجة ماسة إلى تحقيق الثورة على نفسها وعلى المحيط من حولها.

معنى هذا أنه لم يعد من المجدي مساءلة التراث بقدر ما أصبح مهما أن نتجاوز الكثير من إرهاصاته وتداعياته ولربما أيضا تجاوزاته. لن يتم ذلك بالقطع من خلال الخطاب بل وبالأساس من خلال تجديد الممارسة كي لا يصبح الماضي "المعرفي" أداة اعتقال، بل ووسيلة خلاص من تبعات قد لا تبدو اليوم ذات معنى يذكر وهي مع الأسف كثيرة ومتشعبة بالاقتصاد كما بالمجتمع كما بالثقافة.

بالتالي، فالشروط التي تتحدث عنها في هذا السؤال هي في المحصلة من الشروط الواجبة للقطيعة وليست بأي حال من الأحوال شرطا من شروط التراكم.

سؤال: بفضل تقدم وسائل الإعلام والاتصال أصبح العالم بموجبه عبارة عن " قرية صغيرة". في ظل هذا المعطى، هل يمكن أن نقول إننا أمام اختراق وغزو ثقافيين؟

يحيى اليحياوي: أطروحة "القرية الصغيرة"، التي ابتدعها ماكلوهان منذ حوالي أربعة عقود، تتنافى في الحقيقة مع طروحات الاختراق والغزو.

"القرية الصغيرة" تفترض سريانا في الخبر والمعارف والمعطيات مبني على قدر من الشفافية وإمكانية للتواصل بداخله دونما حواجز أو حدود.

صحيح أن ثورة وسائل الإعلام والاتصال للثلاثة عقود الأخيرة مكنت رواجا واسعا للمعلومات والخبر سيما مع انفجار السواتل وتعدد قنوات البث الفضائي وإلى حد ما تطور شبكة الإنترنيت وغيرها.

 لكننا نلاحظ بالمقابل أن معظم هذه الوسائل ممركزة بالدول المتقدمة من ناحية البنى كما من ناحية المضامين لدرجة أن العديد من شعوب الأرض (بإفريقيا كما بآسيا كما بأمريكا اللاتينية) لم يتسن لها لحد الآن بلوغ خدمات هذه السواتل أو القنوات أو الشبكة. بالتالي، فهي في أحسن الأحوال (أعني للدول والشعوب التي تم لها البلوغ) تستهلك مواد ومنتجات الدول الكبرى.

يسهل من هنا الاستنتاج بأن البلدان المستهلكة تبقى دونما شك عرضة لهذه المواد والمنتجات، تخترق منظومتها وتفرض عليها نموذجا في الإنتاج والاستهلاك، بل وتفعل حتى في منظومتها التربوية ولربما على مستوى قيمها في الأمد البعيد...هذه مسائل لا يمكن للمرء أن يتغافلها أو يغض الطرف عنها.

أنا أعتقد بهذه النقطة بالذات بأن هناك توجها بجهة استهداف وغزو المنظومات الأخرى ("المتدنية" يقول البعض) لكني لا أعتقد على النقيض من ذلك بوجود غزو من أجل الغزو، بل هو " تطويع" لهذه المنظومات من أجل إدماجها في منظومة الاستهلاك التي تعتبر المحرك الأقوى لدورة رأس المال. وهذا إشكال تعرضت له بالتفصيل في أكثر من دراسة.

سؤال: إذا كانت الدول المتقدمة قد سعت في وقت من الأوقات إلى تطويق كل وسائل التقدم العلمي والتكنولوجي بهدف الاستفراد بها، ما الذي يجعلها تسعى اليوم إلى تعميمها؟ وما هي الأهداف المتوخاة من ذلك؟

يحيى اليحياوي: لست متأكدا تماما من أن الدول الكبرى تسعى لتعميم ما تم لديها من أدوات البحث العلمي والتطوير التكنولوجي. أنا أعتقد بعكس ذلك تماما لدرجة أنها تحارب الدول التي عملت أو تعمل على إقامة منظومة لها مستقلة في البحث العلمي والتطوير التكنولوجي.

لا ألمح هنا إلى عمل الدول الكبرى على استجلاب علماء دول العالم الثالث، بل وأيضا إلى ضرب كل دولة لها تطلع ما بهذا الاتجاه. ولك أن تتذكر ما فعلته الولايات المتحدة (وإسرائيل أيضا) وتفعلانه دائما بهدف تدمير العراق الذي توفرت له العزيمة والقدرة على بناء منظومته العلمية.

قد يتم السماح لبعض الدول بالاشتغال ببعض الجيوب التكنولوجية البسيطة، لكنها تبقى محدودة على ما تسمح به الشركات الكبرى ورأس المال الدولي والدول الكبرى من وراء كل ذلك.

سؤال: لقد أبدت بعض الدول الكبرى مثل فرنسا تحفظات كبيرة بخصوص "المسألة الثقافية"، اتضح ذلك في مفاوضات "الغات" حول الاستثناء الثقافي. ولعل هذا يعبر عن تخوف على اختراق الثقافات الوطنية. إذا كان الأمر كذلك بالنسبة إلى دولة كبرى، ماذا يمكن أن نقول عن المسألة الثقافية في المجتمعات العربية؟

يحيى اليحياوي: فرنسا (والاتحاد الأوروبي عموما) تستهلك أحجاما ضخمة من المنتوجات الثقافية (السينمائية والتلفزية تحديدا)، لكنها تعمل على تقنينها إلى أقصى حد على الرغم من اغتراف كلا الطرفين (الأمريكي والأوروبي) من نفس المنظومة الفكرية والدينية والأخلاقية وغيرها.

الخطر بالنسبة للمجتمعات العربية أنها لا تحتكم على المناعة الكافية لدرء ذلك، بل هي تبدو أسواقا مفتوحة للمنتوجات الغربية... وإنتاجاتها في هذا المضمار ضعيفة لا تستطيع المنافسة أو الصمود بالسوق.

صحيح أن القيم الثقافية العربية/الإسلامية تملك مناعة داخلية تحول دون المس بجوهرها، لكن طبيعة العصر تفترض إعارة الأولوية لأدوات المناعة تلك أعني تقييم هذه الثقافة وترويج منتجاتها على نطاق واسع.

سؤال: يروم الحديث اليوم عن "الغزو الثقافي" و"الاختراق الثقافي" و"الهيمنة الثقافية" و"الاستعمار الثقافي". ما المقصود بهذا؟ وهل تتفقون مع ذلك؟ وما هي الجهات المستهدفة ولأي هدف؟

يحيى اليحياوي: جزء من الجواب سبق لي تقديمه. تسألني عن الهدف والمستهدف، أعتقد أن الإشكال لا يمس ثقافة دون أخرى أو منظومة رموز دون سواها. كل ما يساعد على فتح الأسواق عبر فتح البطون هو هدف وغاية في حد ذاته.

لا يمكنني أن أتفهم من يعتبر أن هناك غزوا من أجل الغزو ولا من يتصور أن هناك استهدافا من أجل الاستهداف، الغزو هو أداة لبلوغ أغراض أخرى في مقدمتها توسيع وتسريع وتيرة الربح والمردودية والإنتاجية ودورة رأس المال.

سؤال: يعتبر جاك ديلكور الهيمنة الثقافية وفرضها على دول الجنوب من شروط غزو وتوسيع الأسواق. هل تتفقون مع هذا الرأي؟ وهل تعتقدون أن الدول الكبرى في حاجة إلى استثمار ملايير الدولارات من أجل ذلك علما بأن هذا الغزو قائم فعلا؟

يحيى اليحياوي: أنا لا أتفق معه فحسب بل وأتبناه أيضا. لنأخذ مثلا شركة كوكاكولا، هذه الشركة العملاقة تصرف الملايين بغرض إضعاف نماذج الاستهلاك القائمة على الشاي مثلا، لماذا؟ لأن الشاي هو الشراب المفضل لدي ملايين الآسيويين، بالتالي فلو تسنى لها التأثير على هذا النموذج فسيضمن لها ذلك أسواقا ضخمة...ألا يستحق ذلك أن تصرف عليه الشركة المذكورة مئات الملايين؟

سؤال: إذا أمكن أن نتحدث عن "غزو ثقافي جديد"، فهذا يعني أن هناك "غزوا قديما". هل يفهم من ذلك أن بعض الثقافات والعربية إحداها قد صمدت في وجه الغزو القديم؟

يحيى اليحياوي: لا أعتقد أن فلسفة "الغزو" قد تغيرت. الذي تغير هي الأدوات وسبل بلوغ ذات الأهداف. فهيمنة الآلة الإعلانية منذ ستينات القرن الماضي وبلوغها ملايين العائلات لا يختلف عما كان سائدا من ذي قبل إلا في الدرجة وليس في الطبيعة.

بالتالي، فالتحدي القائم أمام الثقافات، والثقافة العربية إحداها، لا يكمن في طبيعة التحديات التي تتعرض لها بقدر ما هو كامن في حدة هذا التحدي ودرجته. وعلى هذا الأساس، أعتقد أن إحدى شروط درء هذه المخاطر يبدأ بالوعي العميق بطبيعة التحدي كما بدرجته ممارسة وليس على أرضية الخطاب الأجوف.

سؤال: ما هي عوائق البحث العلمي في الثقافة العربية؟ وهل تعتقدون أن مشكل الكفاءات مطروح؟

يحيى اليحياوي: أعتقد، مرة أخرى، أن العوائق القائمة في وجه البحث العلمي في الوطن العربي لا تكمن في بنية هذه الثقافة أو في خلل بنيوي من نوع ما في تركيبتها. هو كامن في القائمين على الشأن العام والثقافة جزء من هذا الشأن العام.

 شروط البحث العلمي لا تفترض توفر البنية المادية لذلك فحسب، بل وتتطلب أيضا مناخا عاما اجتماعيا واقتصاديا ونفسيا وقبل كل هذا وذاك مناخا سياسيا يوفر الرؤية، يحمي المنظومة العلمية، يوفر لها الرؤية الضرورية ويكرم العلماء.

هذا أمر غير قائم ولا متوفر بالعالم العربي حيث لا قيمة للعلم وبالتالي لا اعتبار للعلماء يذكر. كيف لعالم أن يبحث ويبدع والسياق العام السائد يعارضه إذا لم نقل يحاربه؟ كيف له أن يطور أدواته ومعارفه وهو غير قادر على ضمان الحد الأدنى لنفسه ولعائلته؟

هذا إشكال جوهري وخطير، إذ لا يستطيع العالم أن يعطي إلا بالقدر الذي يرى في عطائه تقديرا وتقييما واعترافا. وهو أمر بين الواقع العربي وبينه بون شاسع.  

سؤال: نحن الآن في الثقافة العربية بصدد تشكل ردود فعل متباينة في خصوص العولمة وتحديات تكنولوجيا الإعلام والاتصال. هل يمكن أن نقول إننا بصدد عصر " نهضة جديد"؟ وهل يمكن للثقافة العربية أن تدخل في دوامة صراع جديد بين التراث والتجديد أو القدامة والحداثة علما بأنها لم تتخلص بعد من الصراع الذي فرضته المرحلة النهضوية؟ نريد منكم تحديدا أن تحدثونا عن مواقف المثقفين العرب بهذا الخصوص؟

يحيى اليحياوي: أنت مصيب وعلى حق إلى حد بعيد عندما تستعمل عبارة رد الفعل. نحن أمة ابتلينا بردود الفعل كلما طرأ بالعالم من حولنا طارئ. كيف إذن الحديث عن " نهضة" من نوع ما أو عن "حداثة" أو عن غيرها؟

لست أدري كيف للمرء أن ينساق وراء كذا خطابات نحن أبعد ما نكون عنها ولم يتسن لنا أن نفهمها حتى أو نستسيغ السياق الذي جاءت في ظله فبالأحرى أن ننسج على منوالها أو على النقيض منها. هذا إشكال الاختلاف بشأنه أعمق من سبل الاتفاق.

سؤال: أنتم ترفضون الحديث عن "عولمة ثقافية". ما هي مبررات رفضكم هذا؟ وهل تعتقدون أن للثقافة العربية من المقومات ما يجعلها تقف سدا منيعا في وجه التحديات التي يفرضها التقدم العلمي والتكنولوجي؟

يحيى اليحياوي: أزعم أن العولمة السائدة لا يمكن بأي حال من الأحوال (ولا يراد لها كذلك) أن تكون مبنية على الثقافة. هي في جوهرها وفي الشكل مرتكزة على الاقتصاد والمال والأعمال والربح والإنتاج. ..شروط  العولمة من هذا القبيل  قائمة من شبكات وأقمار صناعية وحركية الرساميل في زمن آني ودونما حواجز. "منظومة قيم وثقافة" هذه العولمة قائمة أيضا، وأساسها المرونة والانضباط والتكيف والبقاء للأقوى وما سواها.

عولمة الثقافة الحقيقية، في تصوري، هي عملية من المفروض أن تكون مبنية على تبادل وتلاقح بين منظومات القيم المختلفة دونما مركب قوة أو نقص من لدن هذه الثقافة أو تلك. أما وأن الثقافة المراد عولمتها هي الثقافة الغربية ذات المرجعية المسيحية واليهودية المحكومة بعقدة التفوق والمطبوعة بالتعالي عما سواها فهذا أمر مرفوض بل ومضر لمبدأ الاختلاف الذي لا قيمة للثقافة في غيابه.

شطر سؤالك الثاني يثير في ذهني إشكالا أعتبره جوهريا، ويتعلق بمستوى قدرة الثقافة العربية/الإسلامية على فرز منتجات البحث العلمي والتكنولوجي المتوفرة وإخضاعها لمنظومة قيمها ( على اعتبار تعذر قدرتها على إنتاج العلم والتكنولوجيا).

أروم التلميح هنا إلى تداعيات ثورة البيوتكنولوجيا والتطبيقات القائمة على الجنس البشري والتحويلات الجينية التي يخضع لها بنو البشر وغيرها والتي ستسائل الثقافة، بل كل ثقافات العالم، أكثر ما ستسائل الثورة التكنولوجية.

أعتقد أن التحدي الحقيقي الذي ستواجهه الثقافة العربية وضمنها منظومة القيم المرتكزة  عليها سيكون المحك الحقيقي الذي على محرابه ستبرز قوة هذه الثقافة من ضعفها.

سؤال: إن الغزو الثقافي في نظركم "وسيلة لا هدفا". ماذا تعنون بذلك؟

يحيى اليحياوي: أعني تحديدا أنه ليس هناك غزوا من أجل الغزو ولا قيمة  في تصوري لغزو في حد ذاته. هو وسيلة لبلوغ أهداف قد تكون اقتصادية أو سياسية أو عسكرية أو حضارية نهاية المطاف أو غيرها. الخلفية البانية لذلك هي العمل على "تطويع" منظومات القيم الأخرى بغرض بلوغ أهداف غالبا ما تكون محددة مسبقا.

وقد أفردت أكثر من فصل لهذا الأمر في كتابي الصادر منذ سنة ببيروت عن "العولمة والتكنولوجيا والثقافة".

سؤال: إن "الاختراق الثقافي" في أبسط معانيه هو اختراق للهوية الحضارية للأمم والشعوب عن طريق اختراق منظومتها الثقافية. بناء على هذا ما هو مستقبل المنظومة الثقافية العربية إذا أخدنا بعين الاعتبار الدور المركزي للغة العربية والتحديات التي تواجهها؟

يحيى اليحياوي: الثقافة العربية، كما اللغة العربية، هما في المحك اليوم على أكثر من مستوى. البحوث العلمية المكتوبة باللغة العربية أو التي يقوم عليها علماء عرب هي ضعيفة للغاية قياسا غلى ما يكتب من لغات أخرى سيما اللغة الإنجليزية والفرنسية بل وحتى الصينية والكورية. وهذه معطيات أوردها تقرير التنمية الإنسانية العربية لسنة 2002.

بنفس التقرير نقرأ التفوق الهائل للغة ميتة  كاللغة العبرية والتي تجاوز عطاؤها في الميدان العلمي والتكنولوجي إسهامات العرب مجتمعين وهذا أمر مخجل للغاية.

اعتقد أن اللغة العربية لم تغدو (وهذه ملاحظة وليست استنتاجا) بعد لغة العلم والتكنولوجيا بل هي تعبر يوما عن يوم على كونها لغة أدب وشعر ورواية بامتياز، بدليل أن العرب يكتبون وينشرون من الأدب والرواية (الرديء منه أكثر من الجميل) أكثر ما ينتجوا من المعارف العلمية أو من الإبداعات التكنولوجية الخالصة.

بالتالي، فالتحدي القائم، الحاضر كما المستقبلي، للثقافة العربية واللغة العربية سيكون حتما على هذا المستوى دون سواه من المستويات الأخرى على أهميتها.

سؤال: يقال إنه بإمكان العولمة أن ترسخ ثقافة عالمية موحدة وتحقيق قسمة عادلة بين الثقافات. ما هي حدود "الشعار" و"الممارسة" في قول كهذا؟

يحيى اليحياوي: لا أعتقد أنه بإمكان العولمة الحالية أن تفرز منظومة ثقافية عالمية موحدة لأنها إقصائية في توجهاتها، انتقائية في أسلوب تعاطيها مع باقي الثقافات واختزالية لهذه الأخيرة في ذاتها وقاتلة فضلا عن كل ذلك  لمبادئ الاختلاف والتنوع الذي لا مستقبل للجنس البشري بيولوجيا على الأقل في غيابها أو تغييبها.

من الجائز أن تفرز العولمة الحالية " منظومة قيم" لها ولفاعليها، لكنها لا تستطيع بأي حال من الأحوال أن تصهر كل الثقافات في " ثقافتها".

بالتالي ستبقى الثقافة أقوى وآخر قلاع المواجهة والصمود والتصدي لكل أشكال الغزو والاستهداف.

سؤال:  يتحدث اللسانيون التوليديون عن النحو الكلي، وهو نحو يهدف إلى إيجاد قواعد كلية تصلح لتفسير كل اللغات. وينطلق تشومسكي في وضع هذا النحو من مبادئ اللغة الإنجليرية تحديدا حيث يرى أن ما يصلح لوصف اللغة الإنجليرية يصلح لوصف كل اللغات. هل يمكن أن تعتبر هذا من قبيل ترسيخ "الفكر الواحد" الذي لا يختلف عن القول ب "الاقتصاد الواحد" و"القطب الواحد"؟

يحيى اليحياوي: أنا لست عالم لغة أو نحو حتى يكون بمستطاعي تقييم عبارة لعالم لسانيات كتشومسكي. لكني أعتقد أن تكريس اللغة الإنجليزية في كل الميادين،  وفي الميدان الثقافي تحديدا، قد يكون من شأنه استبعاد الحمولة الرمزية التي تحملها لغات العالم الأخرى بما فيه حتى تلك الموجودة بالسافانا أو بجبال الهملايا أو بغابات الأمازون.

 بالتالي فحتى لو سلمنا بهيمنة قطب واحد على مال العالم وأعماله واقتصاده وعلمه وتكنولوجيته،  فإنه لن يكون من الهين التسليم باستمرار الكون والثقافة (بما هي مخزونه الرمزي وضامن ذاكرته التاريخية) دونما تعدد لغوي.

هذا إشكال تمليه الطبيعة البشرية وتتطلبه حركية التاريخ، فكيف للمال أو لرأس المال أن ينفي ذلك أو يحول دونه... كائنة ما تكن قوته وطغيانه؟

 مجلة عالم التربية، العدد 17، عدد خاص، أبريل 2007 (أجرى الحوار: ذ. حفيظ الإسماعيلي العلوي).

* "في استجواب مع يحيى اليحياوي عن واقع البحث العلمي ومستقبل الثقافة العربية في عصر العولمة ووسائط الاتصال" ، مجلة عالم التربية، فصلية، اكتوبر – دجنبر 2003. موقع المركز الوطني للتوثيق، 19 يوليوز 2005.

 

يمكنكم مشاركة هذا المقال