تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

عن أسلحة "الذكاء" الشامل

news-details

كلما كانت هنالك حرب فثمة حتما تكنولوجيا، إذا لم تكن جديدة يدفع بها لأول مرة بأرض المعركة بغرض التجريب أو امتحان النجاعة، فبالتأكيد قديمة لكن تم إخضاعها لعمليات من التطويع والتطوير يزيد من مداها، يرفع من فاعليتها أو يكيفها وظروف الحرب المتجددة.

 ولئن كنا لا نشكك في أن التكنولوجيا، معظم التكنولوجيا ربما (حتى المدني منها)، إنما هي إفراز البحث العلمي العسكري (والمؤسسة العسكرية بداية المطاف ونهايته)، فإننا نزعم أيضا أن الاستراتيجيات الحربية لا تتطور فقط  بالاحتكام إلى تصور ذاتي لهذا الضابط أو ذاك في سلوك هذا الأسلوب في الحرب أو ذاك، بل وأساسا بالارتكاز على ما توفر لديه من تكنولوجيا ومستجدات تكنولوجية قد تتحدد بمقتضاها طبيعة الاستراتيجية المعتمدة أو طبيعة التعامل مع العدو عندما يتم وضع ذلك على المحك.

 ولما كانت التكنولوجيا، بالتالي، هي المحدد المركزي (ضمن محددات أخرى دون شك) للاستراتيجيات العسكرية، فإن قياس نسب النصر (بالمقارنة وإمكانيات الهزيمة) غالبا ما يتم باستقراء بديهي لما يتوفر لهذا الطرف أو ذاك من ذات التكنولوجيا أو ما يتسنى له من مستجدات، لدرجة قد يستطيع معها  المرء التنبؤ بمصير "المبارزة" مسبقا دونما كبير اختلاف في احتمالية قيام ذات المبارزة على أرض الواقع أم لا.

 من الوارد أن يقوم بعض من الاختلاف حول ما قدمناه هنا (أعني اعتبارنا للتكنولوجيا كمحدد مركزي من محددات الاستراتيجيات العسكرية)، لكننا لا نعتقد حقا أن الاختلاف قد يطال كثيرا اعتبارنا بأن تكنولوجيا الإعلام والاتصال قد ساهمت وإلى أبعد الحدود، إذا لم يكن في تحديد مصير ذات الاستراتيجيات فدون شك في رسم توجهاتها الكبرى.

 فالتقنيات المعلوماتية، كما الأقمار الصناعية الباثة للصور كما سواتل الاستطلاع والتجسس كما قنوات البث الإذاعي والتلفزي كما غيرها، لم تعد روافد (أو روادف) للتكنولوجيات الحربية أو للاستراتيجيات العسكرية، بقدر ما أضحت عنصرها المحدد والمهيمن (بالنسبة للمعلوماتية والأقمار الصناعية والسواتل أساسا) والمهيمن بالنسبة للبث الإذاعي والتلفزي على وجه التحديد.

 ومعنى هذا أنه لو كان هنالك من جديد حقا في مجال الاستراتيجيات أو التقنيات الحربية، فإنما يجب تلمسه بالأساس في التكنولوجيا "الخارقة" التي لا يعتبر استخدامها المدني إلا جزءا بسيطا من تمظهراتها "العدوانية" الأخرى.

  ليس مدعاة حديثنا هنا التدقيق في العلاقة بين الاستراتيجية والتكنولوجيا والحرب أو في توجهات ذات العلاقة (فنحن لا نمتلك في ذلك الخبرة أو ندعي المعرفة). الهدف هنا إنما تبيان بأن العدوان المنطلق على العراق منذ العشرين من مارس إنما ينهل من ذات العلاقة، يوظفها ويستأسد من خلالها على دولة تحت الحصار، من دول العالم الثالث فضلا عن ذلك، وعلى خلفية من غياب قوة وازنة موازية يتناطح معها على قدم وساق:

 + فالولايات المتحدة الأمريكية (ومن خلفها بريطانيا) لم تتوان يوما في التفاخر، ومنذ إخراج القوات العراقية من الكويت بداية تسعينات القرن الماضي، بامتلاكها لأسلحة عالية الذكاء يمكنها أن تصيب مفاصل "العدو" (البشرية والعمرانية) دونما تكبدها خسائر في الأرواح، في العتاد بالجو أو في المعدات بالبر والبحر.

 فهي لا تدعي فقط احتكامها على طائرات للتجسس بدون طيار ولا على صواريخ (من فصيلة طوماهوك) بمستطاعها أن تحمل مئات الكيلوغرامات من المواد المتفجرة لإطلاقها على "العدو" دونما إمكانات لرادارت هذا الأخير على ترصدها أو التصدي لها، بل وتتباهى أيضا بامتلاكها لصواريخ دقيقة التوجيه وأخرى أكثرها دقة كونها خاضعة في توجيهها لتكنولوجيا الأقمار الصناعية يتعذر على "العدو" اعتراضها أو تحديد مكان سقوطها.

 ليست العبرة هنا بالتوجيه (توجيه ذات القنابل على مكامن العدو)، ليست العبرة هنا بذلك فحسب، بل هي أيضا وبالأساس من الدقة الفائقة  ( دقة العمليات الجراحية كما يقال) المعتمدة في الأخيرة كما في الأولى على تقنيات اللايزر ووسائل التدخل المختلفة دونما ضرورة تذكر للجوء إلى "عمليات تخدير" من هذا النوع أو ذاك.

 + والولايات المتحدة لا تتبجح فقط بامتلاكها لهذه التكنولوجيا الحربية المباشرة ذات "التدخل السريع"، بل وأيضا بامتلاكها لقنبلة حادة أسمتها "القنبلة الألكترونية" صممت لإرسال نبضات من الموجات الكهرومغناطيسية القصيرة المدى تجعلها كافية لتعطيل أجهزة الكمبيوتر والرادارات ومحطات الإذاعة وكل الأجهزة الألكترونية المتواجدة بالسيارات كما بعربات القطارات كما بالطائرات كما بغيرها...لدى "العدو".

 بالتالي، فالولايات المتحدة لا تستهدف تدمير معدات العراق ذات الطبيعة الإعلامية أو الاتصالاتية، بل وتعمل ، في حال استبعاد عملية التدمير لهذا السبب أو ذاك، على تحويلها إلى أجهزة عمياء، بكماء، صماء، لا قدرة لديها تذكر على الاعتراض أو الرد.

 هي أسلحة " ذكاء شامل" لا تستطيع " منظومة العدو" المعلوماتية أو الألكترونية أو منظومات الرادارات لديه، لا تستطيع أن تخترق برامجها أو تعترض ما يتفرع عنها من تطبيقات: هي كالقضاء المنزل والقدر المحتوم لا سبيل للمستهدف منها الفرار حتى وإن تسنى له التستر أو الاختباء أو الاحتماء بما تضمنه الطبيعة من تشويش حالة العواصف أو الأمطار أو الأعاصير أو غيرها.

 + الولايات المتحدة لا تريد بالمحصلة، بعتادها وبرامج أسلحتها ولوجيسيالات أقمارها الصناعية وما شابه ذلك، لا تريد تدمير قدرات العراق المادية أو القضاء على مقدراته المعلوماتية والاتصالاتية، إنها تريد إضعافه وإنهاكه دونما مس كبير بذات القدرات أو تقويض لذات المقدرات.

 والسبب في هذا لا يكمن في خلفية من "الرحمة أو الشفقة" لديها قد تلوح على محيا هذا العسكري أو ذاك، ولكن بالأساس لأن الولايات المتحدة لم ولا تتعامل مع العراق كونه عدوا مباشرا ندا للند وجب تدميره، بل كدولة "مارقة"، "خارجة عن القانون"، " غير منضبطة"، "متمردة على السلطان" ولا سبيل لائتمان جانبها.

 بالتالي، فالتكنولوجيا العالية الدقة (وكل العتاد الحربي المتفرع عنها) المعتمد ضده إنما المراد منها " تأديب" الخارج عن ذات القانون، المجانب لرأي السلطان إذا كان بالترغيب والترهيب فذاك وإلا فبالاستهداف العسكري المباشر الذي من شأنه "إرجاعه إلى بيت الطاعة".

 لن يبالغ المرء إطلاقا لو اعتقد أن كل ما تسنى للولايات المتحدة (باستثناء السلاح النووي) قد وضع بالميزان منذ العشرين من مارس ضد العراق، إذ كل ما استجد لديها من تكنولوجيا جديدة أو ما تم لها تطويره، قد دفع به لإزاحة نظام حكم، لتدمير دولة قائمة ولإبادة شعب نالوا مجتمعين، ولأكثر من عشر سنوات، شتى ضروب التنكيل والحصار والمهانة.

 وبقدر ما لا يمكن للمرء أن يبالغ بهذا الاعتقاد، فإنه لن يستطيع حتما أن يبالغ ب "مشروعية" وجود هذه التكنولوجيا للردع واستباق العدوان وما سواها. إلا أن ما يجري، منذ العشرين من مارس، هو أبعد من أن يكون هذا أو ذاك:

 + فالأمم المتحدة لم تثبت في حق العراق امتلاكه لأسلحة دمار شامل من شأنها تهديد المنطقة أو المس بأمن العالم أو تهديد " رفاهية المواطن الأمريكي" حتى.

 + والولايات المتحدة لم تقم الحجة على النظام السياسي بالعراق بأن له علاقة من طبيعة ما مع منظمة القاعدة، مع المجاهدين بالشيشان أو مع غيرهم.

 + وحكومات الغالبية العظمى من دول العالم، كما شعوبه سواء بسواء، انتفضت ضد الحرب واعتبرها جزء كبير منها عدوانا على دولة وشعب لم يثبت في حقهما شيء يجيز ما أجازته الولايات المتحدة دونما اعتبار يذكر لهذه المنظمة أو تلك...لهذه الدولة أو الحكومة أو الشعب.

 + وامتلاك الولايات المتحدة لأسلحة حربية ذكية من شأنها ضرب "أضلع النظام" و"تكسير عظامه" لا يشفع لها بذات الأسلحة أو بغيرها، ضرب الأحياء الشعبية أو الأسواق التي يتمون منها المواطنون العراقيون أو المستشفيات التي يتطببون بها بعدما تقصفهم صواريخها "الذكية"...وتجعل أشلاء بعضهم موزعة بين ركام الأبنية وفوهات المدافع.

 ألم يكن الأجدى من كل ما يقع منذ العشرين من مارس أن يتم استخدام أسلحة الذكاء الشامل لدى الولايات المتحدة،  لتدمير ما يزعم أنه أسلحة دمار شامل لدى العراق؟

أي ذكاء هذا الذي لم يستطع الجندي الأمريكي بموجبه تمييز "زميله البريطاني" فيرديه قتيلا دونما سبيل لديه لتمييزه عن العراقي؟

 يقال إنه عندما تعمى البصيرة يعمى بجريرتها البصر...والولايات المتحدة، بداية هذا القرن، عديمة البصيرة...من الطبيعي إذن أن ينعدم لديها البصر أيضا.

جريدة العلم، 17 ابريل ‏2003‏‏، جريدة القدس العربي، 26/27 أبريل 2003 

يمكنكم مشاركة هذا المقال