يكاد الأستاذ يحيى اليحياوي يجزم القول بأننا لا نملك التلفزة التي نستحق ولا الأداء الإعلامي المأمول فيه، ونحن في أحسن الأحوال، في رأي اليحياوي، بإزاء جهاز "يتفرج علينا" يتلذذ بإحباطنا ويستمتع بآلامنا.
والمثير للحسرة أيضا، حسب اليحياوي، كون القناتان (والإعلام عموما) اصطفتا عقب أحداث 16 ماي خلف النيابة العامة تغطيان لها بالصوت والصورة مجريات البحث والتحقيق. وهذه المسألة الأخلاقية، يضيف اليحياوي، خطيرة جدا على اعتبار أن لا سبيل للقضاء في تعويض متهم قد تثبت براءته فيما بعد، أو متضرر مررت صورته بالتلفزة.
وأبرز الباحث الإعلامي أن أول مرتكز للديموقراطية وللحداثة هو ضمان الحق في الاختلاف إذ لا إمكانية لبناء مشروع ديموقراطي حداثي إذا لم تكن إحدى بناه التحتية قائمة وهي الدفاع عن الحق في الاختلاف.
التجديد: الأستاذ الباحث يحيى اليحياوي، مرحبا بك على صحفات التجديد. سبق وأن وصفت في مقال لك في "القدس العربي" التلفزة المغربية بـ" تلفزة الخيبة"، هل يمكن إسقاط هذه الخيبة على الإعلام المغربي ككل، بما فيه المكتوب والمسموع؟ وما تقييمك لتناول أحداث 16 ماي من قبل القناتين التلفزيتين؟
يحيى اليحياوي: قبل نص "تلفزة الخيبة بالمغرب"، سبق لي أن تحدثت عن تلفزة العجز في استجواب سابق لـ"التجديد". لم أربط الخيبة بما حدث في أعقاب أحداث 16 ماي، وإنما جاء ذلك في سياق العدوان على العراق. وبنيت "الخيبة" على ملاحظة أنه في الوقت الذي كان فيه العدوان على العراق، والتغطية شاملة وعلى مدار اليوم والليلة من لدن مجموعة من الفضائيات، لاحظنا أن التلفزة المغربية أبقت على شبكة برامجها العادية وكأن شيئا لم يحدث. وفي الأخبار تحديدا، عندما تسنى للتلفزة بالمغرب بقناتيها "تغطية" ما وقع، فإن الأمر لم يتعد تمرير معطيات وصور وتصريحات من شبكات عالمية أخرى بدون تحديد المصدر حتى، أو كان على هامش نشرة الأخبار بعد أن تمرر الجرعة اليومية من الأخبار الرسمية. وعلى هذه الخلفية قلت: كيف يعقل أن معظم تلفزات العالم تنقل بالصوت والصورة وبالمباشر الحي تدمير العراق وحضارته وتراثه وثقافته، ونجد التلفزة المغربية بالجهة الأخرى لا تشد عن سياق شبكتها البرامجية إلا بغرض بث مباراة في التنس أو تغطية تدشينات وزارية بائسة. إذا لم يكن كل هذا مكمن "الخيبة" الأكبر، فليس هناك خيبة أخرى فيما أعتقد.
أعتبر أن مكمن الخيبة الأساسي متأت من انفصام التلفزة عن واقعها وعن واقع العالم من حولها، وهو ما يجعلها مصدرا لهذه الخيبة. أكاد أجزم القول بأننا لا نملك التلفزة التي نستحق ولا الأداء الإعلامي المأمول فيه، نحن في أحسن الأحوال بإزاء جهاز "يتفرج علينا"، يتلذذ بإحباطنا ويستمتع بآلامنا.
تلفزة الخيبة التي أتحدث فيها تكرست أكثر عقب أحداث 16 ماي، إذ لاحظنا ولا نزال اصطفافا مطلقا، جوهريا وبنيويا بين ما يصدر عن المؤسسة الرسمية، وما تعيد بثه القناتان. أما الصحافة المكتوبة فمصيبة أخرى. الإعلام (بكل فروعه) الذي كنا نراهن عليه إلى حين عهد قريب بغرض إقامة سلطة رابعة مضادة تكسرت استقلاليته على محراب ما وقع بالعراق وما وقع يوم 16 ماي، ناهيك عن الغبن والتضييق الذي حمله قانون الصحافة وقانون مكافحة الإرهاب.
المثير للحسرة أيضا كون القناتان (والإعلام عموما) اصطفتا عقب أحداث 16 ماي خلف النيابة العامة تغطيا لها بالصوت والصورة مجريات البحث والتحقيق. هذه مسألة أخلاقية خطيرة جدا على اعتبار أن لا سبيل للقضاء في تعويض متهم قد تثبت براءته فيما بعد أو متضرر مررت صورته بالتلفزة أو تمت الإشارة إليه بالأصبع قبلما يصدر قرار من القضاء بشأنه. ليس من اختصاصات الإعلام أن يشنع بهذا الفرد أو الجماعة أو المنظمة أو الحزب طالما لم يتسن للعدالة أن تصدر أحكامها. نحن حقيقة بإزاء ردة إعلامية كبيرة لا يعلم مداها مستقبلا إلا الله.
كنا ولا نزال نطالب بتلفزة تساعدنا على الفهم أو تبث من البرامج (الحوارية وغيرها) ما يساعدنا على ذلك دونما إقصاء للرأي أو مزايدة على هذه الجهة أو تلك. وهذا يخدم الوظيفة الإعلامية أيضا كونه يفتح لها في المجال لمساءلة المستويات الأخرى والوقوف عند مكامن تقصيرها.
فاليوم الكل يقول: لا ينبغي أن يتكرر ما حدث، هذا صحيح، لكن ما الذي يجعلنا متأكدين من أن الذي وقع لن يتكرر؟ ينبغي أن نفهم السياق العام الذي جاءت في ظله أحداث 16 ماي أو جاءت كنتيجة له. بالتالي ففهم ماجرى وفهم خلفياته وأبعاده وظروفه وملابساته هو المدخل الأول لتجنب تكرار ماجرى...وللإعلام في ذلك دور محوري.
التجديد: عند وقوع الأحداث المأساوية تسارعت بعض الأقلام إلى إلقاء اللائمة على جهات معينة، في حين أن الحديث عن المسؤولية الإعلامية كان محتشما، ولم يتم تناوله بالعمق الواجب من قبيل الإقصاء، ومحاولة فهم ما جرى، فما السبيل في نظرك لتجاوز التهميش والإقصاء، وهل يمكن القول إن فئة عريضة من الإعلام المكتوب كانت في صف واحد إلى جنب الإعلام السمعي البصري؟
يحيى اليحياوي: لا ...الذي كان رائجا منذ البدء هو القول بأننا بصدد عهد جديد، ثم جاءت أحداث 16 ماي المأساوية فطلع خطاب جديد ينادي بضرورة إقامة وبناء مشروع مجتمعي ديمقراطي حداثي. هذا كلام جميل قد لا يختلف المرء كثيرا بشأنه. الثابت أن أول مرتكز للديمقراطية وللحداثة هو ضمان الحق في الاختلاف، إذ لا إمكانية لبناء مشروع ديمقراطي حداثي إذا لم تكن إحدى بناه التحتية الدفاع عن الحق في الاختلاف، ولا مكان للإقصاء بداخله تحت أي مسوغ من المسوغات اللهم إلا ما لم يتوافق الناس بشأنه (أقول يتوافق). الديمقراطية فضاء سياسي بامتياز تماما كما أن السوق فضاء اقتصادي، ولهذا يسمونها في الغرب ديمقراطية السوق. لو سلمنا بأن هناك سوقا سياسيا للأفكار، فإن القاعدة هو التباري بداخله بالفكر والإقناع لا بالتهميش والإقصاء.
الملاحظ في أعقاب 16 ماي، أنه تم الترويج لخطاب إقصائي (استئصالي يقول البعض) يتأبط ذات المشروع المجتمعي...ويوظف الإعلام بكل أشكاله بغرض التخلص من خصوم سياسيين أو ركنهم إلى الهامش دونما مسوغ قضائي يذكر أو مبرر سياسي حتى.أنا لا أدافع على جهة ما أو فكر محدد ما، هذه ليست وظيفتي. أنا أتحدث عن بعض المفارقات التي تتمظهر دونما أن يدري أصحابها ما قد يترتب عنها من تبعات.
ما معنى أن ينتصب "زعيم" سياسي ويطالب من حزب سياسي أن يعتذر للشعب المغربي على خلفية من أنه كان وراء تصعيد إعلامي خلق الظروف لما وقع يوم 16 ماي؟ ما معنى أن تتخصص منابر إعلامية في شتم هذه الجهة أو تلك، في قذف هذا الشخص أو ذاك بل وفي إلصاق التهم بهذه الجهة أو تلك في وقت لا يزال التحقيق جاريا والقضية معروضة أمام القضاء؟
ما معنى مثلا أن يقصى حزب سياسي من وسائل الإعلام العمومية جملة وتفصيلا تحت هذا المسوغ أو ذاك أو على خلفية من القول بأن له "مسؤولية معنوية" فيما جرى؟ من ذا الذي من حقه أن يحدد المسؤولية فبالأحرى عندما تكون معنوية؟ من ذا الذي يعطي المرء الحق في أن يلصق هذه الصفة أو تلك بهذه الجهة أو تلك ويترك بالتالي للإعلام تضخيم ذلك ونشره على نطاق واسع؟ ما معنى أن يتحدث وزير مسؤول في الحكومة عن وجود قوى ظلامية يجب استئصالها وحل الحزب العاملة فيه كونها لا تتماشى في فكرها مع "المشروع المجتمعي الحداثي الديموقراطي"؟ هل توفرت أدوات هذا المشروع؟ هل اكتملت صورته؟ هل تم التوافق على اعتماده؟ هذه كلها أسئلة تصب فيما أعتقد في ضرورة الفهم التي ما فتئت أطالب بها منذ 16 ماي الأخير.
التجديد: مباشرة بعد 16 ماي، وخروج قانون مكافحة الإرهاب في 29 من الشهر نفسه، لاحظ المتتبعون أن جرعة "الجرأة" عند الإعلاميين تقلصت، فهل حدث بالفعل هذا التراجع؟
يحيى اليحياوي:أريد أن أوضح أولا أن الإعلام بالمغرب يبقى في غالبه العام إما إعلاما رسميا خالصا ينطق باسم الدولة أو الأحزاب أو إعلاما تابعا في الضمن (لهذه الجهة أو تلك) حتى وإن تبجح بخطاب الاستقلالية...وهي مسألة أفردت لها العديد من الدراسات والأبحاث.
لا أعتقد صراحة بوجود استقلالية في "الحقل" الإعلامي المغربي، الكل يتغنى بالجهة التي تحميه أو تغدق عليه في العطاء أو تغض الطرف عن بعض من تجاوزاته. بالتالي تبقى مسألة الجرأة محكومة وإلى حد بعيد بهذا المعطى.
بالمقابل فلو تسنى للمرء أن يسلم ببعض الجرأة بهذا المنبر أو ذاك (وهي غالبا ما تتأتى من أقلام خارجة عن الميدان الإعلامي) فإنها اليوم محاصرة بقانونين (قانوني الصحافة والإرهاب) قلما تجد الجرأة طريقا لها في ظلهما، على اعتبار أن الإفلات من سيف إحداهما لا يضمن بالضرورة عدم السقوط في مقتضيات الآخر. الأخطر من ذلك كله هو عندما يتم إعمال مبدأ التأويل لمقاضاة قلم أو منبر فيرى المرء نفسه ولكأنه في محاكم التفتيش.
القوانين الزجرية، والتأويل الضيق للقانون أمران يجعلان الإنسان إعلاميا كان أم مثقفا، أم صاحب قلم حر، يجعله يحسب ألف حساب قبل أن يتناول القلم.
الحرية التي هي المرتكز الأساس للمجتمع الحداثي الديمقراطي لا يمكن أن تتساوق مع قوانين زجرية تضيق على الحريات، بالتالي فأنا أظن أن 16 ماي الكارثية كانت كارثة على الإعلام، وعلى الحرية، وارتداد على المكتسبات، وردة على مستوى الحريات الشخصية والجماعية، وأتمنى أن تتدارك السلطات العليا هذه الهفوات، وتعرف أن الذي يجري من مس بالحريات الفردية والجماعية، والمكتسبات التي حققها المغاربة بالدم والجوع والعرق خطيرة، لا يمكن بأي حال أن تدفع بالمشروع الذي يقال عنه حداثي أو ديموقراطي.
التجديد: بعد الأحداث تم إلقاء اللائمة على الصحف المستقلة، ولم يتم تسمية هذه الصحف، كيف نفهم أن الصحافة المستقلة لها جزء من مسؤولية ما جرى، مع العلم أنها كانت بكل بساطة منبرا للرأي والرأي الآخر، ومنبرا للحوار؟
يحيى اليحياوي:ماذا تقصد بالصحافة المستقلة؟
التجديد: غير المتحزبة.
يحيى اليحياوي: لا، هذه الاستقلالية وطبيعتها لا أحددها فقط قياسا للدولة أو للأحزاب، ولكن أيضا احتكاما إلى مجموعة من "الصحفيين" الموجودين خلف عدد من المنابر الإعلامية، ويستفيدون من مجموعة من الظروف، ومن الإشهار، ومن مساعدات الدولة وقس على ذلك.
لا أظن صراحة بوجود استقلالية إعلامية من نوع ما والاستقلالية بحد ذاتها مسألة نسبية. أعتقد أن المطلوب اليوم هو المصداقية، إذ الثابت (بالغرب على الأقل) أن مصداقية المنبر تتحدد بالقياس إلى مهنيته وطبيعة أدائه ووعيه بوظيفته...عندها تبقى الاستقلالية مسألة ثانوية.
بمعنى أنه يمكن أن تكون جريدة ما مرتبطة بحزب أو منظمة، لكن لديها مصداقية: لا تزايد، ولا تمس الأشخاص في ذواتهم، ولا تمرر الأخبار التي تزرع الفتنة أو تخلق الشبهات.
التجديد: لوحظ عقب 16 ماي استبعاد مفردة عمليات "استشهادية" تعبيرا عما يجري في فلسطين من قاموس الإعلام السمعي البصري المغربي، مع العلم أن قانون مكافحة الإرهاب الذي صادقت عليه جامعة الدول العربية سنة 1998، يعتبر المنظمات التي تقود عمليات التحرير ليست إرهابية؟ فكيف بنا بين عشية وضحاها اختفت هذه الكلمة؟
يحيى اليحياوي: عبارة "استشهاد" الحكومة الفلسطينية نفسها لم تعد تستعملها. الحكومة الفلسطينية تصنف هذه العمليات في خانة الأعمال "الإرهابية" ولم تعد تنعتها بالفدائية، أو الانتحارية حتى.
أنا لا يمكن بأي حال من الأحوال أن أتنازل عن قناعة خاصة بي على الأقل، بأن ما يقع بالشيشان، وما يقع بفلسطين، وما يقع بالعراق اليوم، هي عمليات استشهادية100 في المائة، وهي عمليات مقاومة شريفة تناضل، وتجاهد ضد الاحتلال والاستعمار، وهذه مسألة قناعة راسخة في ذهني على الأقل. أنا لست عالم نفس ولا خبيرا في علم الإجرام، ولا خبيرا في الإرهاب حتى، لكن الذي وقع بالدار البيضاء لا علاقة له إطلاقا بالشهادة أو بالاستشهاد...يسميها البعض "انقتالا" أو انتحارا أو ما سوى ذلك. على أية حال فحتى بصرف النظر عن التسمية فإن الذي وقع ليلة 16 ماي كان مأساة بكل المقاييس ولكل المغاربة.
المسألة الثانية أن الخطاب الإعلامي المغربي (والعربي عموما) لا يستقي مصطلحاته من قناعاته الخاصة، هو يستقيها من وسائل الإعلام المسيطرة عالميا (لو كان له أن يفهمها أولا). ماذا تنتظر من صحافي متمرن يحاول أن يقوم بكوكتيل من الأخبار العالمية، يلتقط هذا الخبر من هذه القناة، وخبرا من هذه الجريدة أو تلك؟ سيسقط حتما في فخ الحرب السيميائية التي تمارسها الولايات المتحدة الأمريكية منذ 11 شتنبر. لن يكون بمستطاعه تحديد طبيعة الإرهاب ولا الإرهابيين.إن الذي يجري بفلسطين، والعراق، والشيشان لا علاقة له بالإرهاب مطلقا، وأن الآخر هو الذي يمارس الإرهاب. من ذا الذي يمارس الإرهاب في العراق؟ هم الأمريكان الذين يقتلون الناس في الأزقة ويداهموا البيوتات. وقتل ابني صدام حسين أليس إرهابا؟ بأي مسوغ قانوني أو أخلاقي تقتل شخصين؟ بأي تهمة يتابعهم القانون الأمريكي؟هل فجروا طائرة أمريكية؟ هل فجروا ميناء أمريكيا، هل قتل عدي، وقصي الأمريكان؟ فبصرف النظر عن الأشخاص، أليس هذا إرهابا؟
التجديد: ما الذي ينبغي فعله حتى لا تتكرر أحداث 16 ماي؟
يحيى اليحياوي: كي لا تتكرر 16 ماي، يجب أن نفهم أولا لماذا وقعت. لهذا فإن دور الإعلام، والمثقفين، والمفكرين دور مركزي. إذا فهمنا الظروف والأسباب والخلفيات الثاوية وراء ما وقع بالدار البيضاء ولماذا فجر شباب في مقتبل العمر أجسادهم، وحددنا مسؤولية كل واحد فيما وقع بكل موضوعية وبدون حسابات سياسية وبدون خلفيات، ووجدنا العلاج لمجموعة من الأمراض وأكبرها الأمية والفقر والجهل والتذمر وغياب الأفق، فإني لا أظن أن 16 ماي ستكون لها البنية المادية لأن تتكرر.
عبد الغني بوضرة، جريدة التجديد، عدد خاص عن أحداث 16 ماي بالمغرب، 24 غشت-14 شتنبر 2003
* "يحيى اليحياوي الأستاذ الباحث في الإعلام والاتصال للتجديد: فهم ما جرى يوم 16 ماي هو المدخل الأول لعدم تكراره"، استجواب، جريدة التجديد، عدد خاص عن أحداث 16 ماي 2003 بالمغرب، 24 غشت-14 شتنبر 2003.