ليس صحيحا أن قطاع الإعلام، والإعلام السمعي/البصري تحديدا، عصي على الإصلاح. بالعكس، فبالإمكان إصلاحه وثمة العديد من المشاريع التي اشتغلت في هذا الأفق وأخرجت توصيات جدية من شأنها إفراز إعلام في المستوى، أعني في مستوى ما نراه ببلدان شبيهة وفي مستوى ما يرغب فيه المشاهد والمستمع.
لكن الحاصل أن هذا الإعلام (المرئي تحديدا) صيغ منذ البداية، في شكله ومضمونه وخلفياته، على أساس أن يكون جزءا من بنية وليس بنية قائمة الذات، أي جزءا من منظومة وليس منظومة قائمة الذات كما نلحظ ذلك بالعديد من التجارب هنا وهناك. وأستطيع أن أقول بهذه النقطة، بأن معضلة الإعلام متأتية من كونه مرفقا أنشئ للتعبير عما يسمى منذ مدة بالدولة العميقة، أو المخزن في عرفنا. بالتالي، فهو محكوم بهذا العرف، مسكون به لحد الهوس، غير قادر على الانفصال عنه. إنه ارتباط عضوي وبنيوي بين طرفي المعادلة.
ولهذا السبب، نرى أن كل تجارب الإصلاح من خارج هذا التصور فشلت أو لم يتسن لها الترجمة على أرض الواقع، إذا لم يكن منذ ستينات القرن الماضي، فعلى الأقل منذ توصيات المناظرة الأولى وطموح حكومة التناوب في أن تقطع مع هذا التصور.
لو فهمنا هذا المعطى جيدا فسيبدو لنا من تحصيل حاصل أن ما قام به مصطفى الخلفي وما كان يعتزم القيام به سيلقى الاعتراض، لا بل والاستهجان. وقد رأينا كيف تم التعامل مع "دفاتره" وكيف تم الاستغناء عن رئيس ومدير عام الهاكا، بجريرة ما أقدموا عليه عندما تبنوا هذه الدفاتر دون الانتباه إلى الخطوط الحمر المضمرة في صلاحياتهم وحدود أدوارهم.
هذه أمور أصدرت بشأنها كتابا مفصلا من 15 سنة ("محنة التلفزة بالمغرب") وتحدثت فيها كثيرا، وتأكد لي بما لا يدع مجالا للمزايدة بأن إصلاح هذا المجال لن يتم إذا لم يتم الإيعاز به من لدن منظومة الدولة العميقة. والله أعلم.
جريدة الصباح، 27 أكتوبر2015