ــ ما هو الإرث الذي خلفه لنا المهدي المنجرة؟
يحيى اليحياوي: لا يستطيع المرء الإحاطة حقا بفكر مهدي المنجرة حتى يكون بمقدوره تقييم ما ترك. العملية تحتاج إلى مداخل منهجية مختلفة، لأن الرجل رحمه الله كتب وحاضر في أكثر من حقل معرفي. إن فكره موسوعي، أو لنكن دقيقين إنه فكر منظومي، اشتغل على حقول شتى، لكنها متكاملة. هذه أمور تحتاج إلى مباحث عدة. لكن دعني أقول بأن قوة ما ترك مهدي المنجرة تكمن في ربطه للمعرفة بالموقف. وأحسبه بهذه النقطة نموذج المثقف العضوي الذي تلازم لديه الفكر بالنضال على الأرض. وهو أمر بالإمكان ملاحظته في مواقفه من طرق صياغة الدستور، من الديموقراطية، من حقوق الإنسان، من التداول على السلطة، من تركيزه على المعرفة والبحث العلمي، من مطالبته لإعمال الاجتهاد والإبداع، من مواقفه من النخب وقس على ذلك.
هذا في حد ذاته إرث منهجي ضخم لا بد من تسجيله وتثمينه.
ثم إن الرجل كان مهووسا بقضايا التنمية وضرورة أن تكون ذاتية، لا مبنية على النقل. وقد لاحظ بهذه الزاوية أن الدول التي ركبت هذه الناصية هي التي نجحت، والتي كانت في طريقها لذلك ضربت كما الحال مع العراق. ثم إنه توفي وغصة استيطان فلسطين غصة في حلقه. هذا أيضا جانب مهم مما ترك مهدي المنجرة. أضف إلى ذلك أن الرجل استشرف ما سمي بالربيع العربي إذ بشر بالانتفاضات حوالي عشرين سنة قبل أن تقوم، لكن الانتفاضات التي جرت منذ العام 2011 ليست هي التي بشر بها المنجرة. انتفاضات المنجرة لم تأت بعد، وهذا أمر يطول الحديث فيه.
بكل الأحوال، فإرث الرجل يحتاج مرة أخرى، إلى إعمال أكثر من اختصاص لمقاربته، وأنا متحسر لأن لا بادرة بهذا الخصوص لحد الساعة، لا بل إن حتى مكتبته قد سلمت للمكتبة الوطنية وأخشى أن يذوب إرثه بين أروقة هذه الأخيرة إذا لم يجد اليد الأمينة التي تحميه وتصونه.
ــ لو كان المنجرة حياً، وأردتم تقديم نصيحة أو استشارة تروم الاستفادة من أعماله واجتهاداته، ما الذي يمكن أن يصدر عنكم في هذا الصدد؟
يحيى اليحياوي: لطالما فاتحته في خلق مؤسسة تعنى بهذا الجانب، وكان يجيبني أنه من الصعب إنشاؤها في حياته. وقد كنت قد عقدت العزم، أنا وثلة من محبيه، على خلق هذه المؤسسة في الذكرى الأولى لرحيله. لكني فوجئت بتسليم مكتبته للمكتبة الوطنية من لدن عائلته، ولا أزال لحد الساعة لا أدري هل أوصى بذلك، أم هي مبادرة فردية تصرفت في إرث رجل لا نزال نعتبره ملكا لكل المغاربة.
لو كان لي من رأي في هذا الخصوص لطلبت على الأقل أن تخصص لمكتبته زاوية خاصة بالمكتبة الوطنية حتى نستطيع الوصول إليها بيسر. أما إذا تم تشتيتها حسب المواضيع، فسيكون الأمر مثيرا للحزن حقا. هذا ما أتطيع قوله الآن.
ــ ما هي قراءتكم لتعامل النخبة الثقافية والفكرية المغربية مع أعمال المنجرة، وهل يمكن الجزم بأنه لم يسلم أيضاً من نتائج غياب الاعتراف السائدة في الساحة المغربية والعربية؟
يحيى اليحياوي: مهدي المنجرة ظلم حيا وظلم ميتا من بني طينته، فيما كان الغرب ينصفه ويستشهد بإنتاجاته. لقد كان صادقا ومباشرا في كتاباته ومواقفه، ولم يكن يحب النفاق وتزيين الوقائع. وكان أيضا من الذين لا يحبون التحايل على الحقائق. لذلك كانت لغة الإحصاءات إحدى أدواته القوية. لذلك فقد تحامل عليه لدرجة التكالب أنصاف المثقفين وأشباه المفكرين، ناهيك عن محاصرة السلطة لتحركاته ولقاءاته.
المنجرة لم يكن يراهن على اعتراف ما من لدن هذه الجهة أو تلك. لقد تم الاعتراف به في أرقى المحافل ومن لدن أعرق الجامعات، ناهيك عن كونه كان مديرا عاما مساعدا لليونسكو. أي اعتراف أقوى من كذا اعترافات. الرجل لم يكن يبحث بالمغرب إلا على منحه الحد الأدنى من الحرية للاشتغال، وهو ما لم يمنحه إلا نادرا.
يقال إن زمن المنجرة هو غير الزمن الذي عاش فيه، والبلد الذي ولد ودفن بترابه لا يستحقه. قد يكون هذا جائزا، لكني لا أظن ذلك إذ يكفي أن نقول لظلم ذوي القربى: سامحكم الله.
15 يونيو 2016