تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

المهدي المنجرة في ذكرى رحيله الأولى .. نكران في الحياة والممات

يومٌ صائفٌ في الرباط، وشهر يونيُو يشارفُ على الانتصاف، لربمَا لا تاريخَ لافتًا يقفزُ إلى الذاكرة، بيدَ أنَّ قلةً من الصحب تذكرتْ أنَّ بحلُول السبت، يكُون عامٌ بكماله وتمامه، قدْ مضى على رحِيل واحد منْ أعلى القامات المغربيَّة في الفكر والديبلوماسيَّة، وفي الوقوف بإباء وثباتٍ نادرينْ أمام مختلف الإغراءات، بإلقاء الكلمة على "عواهن" ما ترتضيه الأمانة، إنَّها سنويَّة الدكتور المهدِي المنجرة.

"لمْ ينصفوه أيَّام كان على قيد الحياة، فلمَّا ماتَ أعادُوا الصنيع نفسه"، يقول أحد منْ عرفُوا الرَّاحل، في لقاء نظمتهُ جمعيَّة "أماكن"، في الرباط، بعد زوال السبت. "لقدْ كان مثقفًا مستقلًا، يستعصِي حصرهُ في أيِّ زاوية، وحريصًا كبير الحرص على مجابهة الغوغائيَّة والانتهازيَّة وتحنيط الأفكار، وذلك تحديدًا ما جرَّ عليه نقدًا عنيفًا"، يقُول الباحث مصطفى محسن.

أمَّا الباحث يحيى اليحياوِي الذِي عرف المنجرة واحتكَّ به على مدار ربع قرنٍ من الزمن، فيرصدُ خاصيَّتين وسمتا فكرهُ واشتغاله، أولاهما الإيمان بالمنظومة، كما يتبدَى ذلك في أعماله المنجزة بدءً من ستينات القرن الماضي، إلى أنْ أنهكهُ المرض سنة 2010. "كان موقنًا أنَّ التطرق إلى أمرٍ من الأمور لا يمكنُ أنْ يتحقق دُون ربطه بباقي العناصر الأخرى".

وحين كان اليحياوِي يبدي أمام المنجرة ملاحظةً مؤداها أنَّ الاشتغال على كثير من المصادر حول الفكرة نفسها يضعُ أمام تكرار، كان يجيبه بأنَّ الباحث في نهاية المطاف إنسانٌ ينكبُّ على قضيتين اثنتين في مساره وعمره أو نحوهما، فيفصلُ فيهما، ولا يحصرُها في جانب، يستطردُ الباحث في شؤون الاتصال.

أمَّا الجانب الثاني البارز في مسار المنجرة، يوردُ اليحياوِي، فهو الاهتمام بالعلاقات الدوليَّة، التي نال فيها درجة الدكتوراه، فضلا عن كونه شغل منصب نائب للمدير العام في اليونيسكو. بيدَ أنَّه ما إنْ لاحظ المنجرة أنَّ الأمم المتحدَة زاغتْ عن الخط الذِي كان يراهُ قيومًا حتى قرر أنْ ينأى، بالمبادئ التي جبل عليها، عن المعمعة.

ولأنَّ كثرًا ساءلُوا دور المثقف في خضم "الربيع العربي" الذي اعتمل المنطقة، في السنوات الأربع الماضية، قال اليحياوِي إنَّ الصواب ليس بالقول إنَّ المهدِي المنجرة استشرف الحراك العربي، لكنْ استحضار تبصره الدقيق لمآلات الأمور "فهو كان يعلمُ أنَّ انتفاضاتٍ ستقوم، والأكثر من ذلك، توقع أنَّها مصيرها سيكُون الإخفاق إذا اختار عرابُوها الإصلاح عوضالتغيير".

لقدْ كان المنجرة مدركًا، بحسب ما يذكر اليحياوي، أنَّ الاحتقان في دول ذكرها بالاسم كمصر وتونس، لنْ يفضِي سوى إلى الانتفاضة، وكان في ذلك موقنًا بأنَّ الدول التي بلغت درجةً كبرى من الفساد تلزمها تغييرات حقيقيَّة لا مجرد إصلاحات سطحيَّة، عن طريق تغيير رأس النظام، كما حصل في تُونس ومصر، على حدٍّ سواء. "فهو كان يؤمنُ بالمنظومة لا النظام".

المنجرة الذِي انتقلَ بين قارات المعمُور طالبًا وأستاذًا وعالمًا، ينهلُ منْ كلِّ الثقافات، كان منزعجًا، وفق اليحياوِي، من اتساع الفجوة يومًا بعد الآخر بين شمال العالم وجنوبه، على المستويين الثقافي والحضاري، لا في الاقتصاد فحسبْ الذي يظلُّ أمرًا عابرًا "لقدْ كان يقُول لي إنَّ سبب مشاكل كثيرة قائمة في أنَّ التواصل غائب، أنظر كيف نتعلمُ لغتهم ونبذلُ جهدًا، لكنَّ المسعى لا يقابل بنظيره".

أمَّا فيما يثارُ عنْ تهميش الراحل منْ لدن الممسكين بزمام القرار فيدحضهُ الباحث عبد الرحمن لحلُو، قائلًا إنَّ المهدِي المنجرة هو الذِي كان زاهدًا فيها بالأحرى، مختارًا لنفسه ملازمة الكلمة الحرة، التي تضيقُ بقالبٍ مؤسساتي ينزعُ إلى توجيهها، "لقدْ كان إنسانًا مبدئيًّا، وحتَّى لغات العصر المتداولة التي أتقنها، فنهل بها من الفكر الغربِي، لمْ تجعله ينصرفُ عن لغته ولا هي جعلته يحجمُ عن الانتصار لها".

لقدْ كان المنجرة رجلًا لا يستكينُ إلى فكرة فيقفُ عندها، فهو بنَّاءٌ لا يكتفِي بالوقوف على إأقاض ما هدم من أوهام وأفكار، بنقده المتبصر والجريء، يقول لحلُو في مداخلته، إبَّان لقاء شهد على إطلاق مؤسسة باسمه، كيْ لا تسنى قامةٌ مغربيَّة بين الرفوف، وهي الإرثُ الفكري المتوهج لبلدٍ رفع اسمهُ عاليًا، وإنْ لمْ ينلْ فيه العرفان اللائق برجلٍ من طينته.

هسبريس، 14 يونيو 2015

يمكنكم مشاركة هذا المقال