تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

"شعب الفايسبوك"

من الدردشة إلى المطالبة بالتغيير

  استخدم المغاربة كغيرهم «فايسبوك » في  بداية الأمر للدردشة ونشر الصور والتعليق عليها وتفريغ الشحن العاطفية، قبل أن تنتشر موجة من النضج أضحى معها الشباب يتبادلون وجهات النظر ويطالبون بتحسين الأوضاع الاجتماعية والرفع من إيقاع الخطاب السياسي وفعاليته، وأصبحوا يشكلون «حزباً » يناقش بطريقته كل الأحداث، وهو ما أكده المهدي الإدريسي باحث في العلوم السياسية والقانون الدستوري.

 في تصريح خاص ب "المشعل" بقوله: «لا أحد يستطيع أن يجادل اليوم في دور وسائل الاتصال الجديدة وقدرتها على التغيير المجتمعي، وما درس الحراك الديمقراطي عنا ببعيد، إذ أسهمت البيئة الاتصالية الجديدة في تغيير الثقافة الشعبية وخلق تحولات عميقة وجذرية في طبيعة المشهد السياسي في المنطقة »، وهي الفكرة نفسها التي ذهبت إليها أسماء فاخوري عضو شبكة المحللين السياسين الشباب في حديث مع "المشعل" بقولها: «انتقل استخدام الشباب لموقع التواصل الاجتماعي «فايسبوك » من الدردشة ومحادثات التعارف وتفريغ الشحن العاطفية إلى مرحلة جديدة من النضج، وأصبح الشباب يتبادلون وجهات النظر، من أجل المطالبة بتحسين إيقاع الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية ».

وعن دور «فايسبوك » ترى فاخوري «أنه لا يقتصر فقط على بثَ المعلومات، بل يتجاوزه إلى تقديم شكل الواقع، واستيعاب السياق الاجتماعي والسياسي الذي توضع فيه الأحداث » مضيفة في السياق ذاته أنه «مواكبةً للتحولات التي تعرفها المنطقة منذ الحراك الشعبي، صار لشبكات التواصل الاجتماعي دور كبير في نشر ثقافة التوعية العامة. فقد منح الموقع الاجتماعي «فايسبوك » مثلاً فسحة كبيرة لنشر وتداول المعلومة وأعطى قيمة مضافة للحياة السياسية، وصار ل «فايسبوك » دوراً مهماً باعتباره إعلاماً بديلاً ». ويرى حميد أعجيل شاب نشيط بقوة في موقع التواصل الاجتماعي «فايسبوك » أن لهذا الأخير ولمواقع التواصل الاجتماعي بصفة عامة مجموعة من الأدوار التواصلية، إذ يعتبرها في حديث خص به "المشعل" «منابر إعلامية بديلة لطرح ومشاركة ومناقشة مجموعة من الأفكار والآراء بكل حرية وبدون رقابة، ووسائل حديثة لصناعة رأي عام جديد والتأثير فيه من أجل المطالبة بالتغيير والتطور » مضيفاً بالقول في دردشة مع "المشعل": «طبعا لا أعمم ولكن بعض الشباب المغاربة وكباقي شباب منطقة شمال إفريقيا والشرق الأوسط، أصبحوا واعين بهذا الدور، وخير دليل على ذلك اعتمادهم على هذه المواقع لحشد الرأي العام للخروج للشارع إبان الحراك الديمقراطي وما صاحبه من نقاشات وتفاعلات.

  "حزب فايسبوك".. وممارسة الرقابة السياسية

  انبهر عدد من المتخصصين بقدرة «فايسبوك » على التأثير في تحفيز المشاركة الشعبية وتأثيره في نماذج «الحكومة التشاركية » والآليات المجتمعية الجديدة، وكان لتزايد  استخدامه دور هام في حشد وتشكيل الآراء وتحول الاستخدام من أغراض اجتماعية إلى أهداف سياسية محضة.

 فإذا كانت أسماء فاخوري أكدت (أن ل «فايسبوك »  إسهامات كبرى في رسم ملامح تحولات حقوقية اوسياسية واجمتاعية مهمة عرفها المغرب مستدلة في حديثها ب «حراك الشارع المغربي بين صفحات «فايسبوك »)  ودفع مجموعة «حركة حرية وديمقراطية الآن » المواطنين للاتحاق بالمسيرات التي دعت إليها والمطالبة بإصلاحات اجتماعية وسياسية كانت نتيجتها انتخابات نونبر 2011 ودستور جديد »، وأشارت في السياق ذاته إلى «أن التاريخ المغربي حافل بأمثلة كثيرة تبرز استجابة السلطات بشكل إيجابي لانتقادات ومطالب رواد «فايسبوك »» معززة حديثها ب «إلغاء العفو الملكي في حق «دانيال ڭالفان » مغتصب الأطفال، وتوقيف الدركي الذي سب الله والوطن والمعلم الذي أساء لتلميذته، والمطالبة برحيل محمد أوزين وزير الشباب والرياضة بعد فضيحة مركب الأمير عبد الله التي استجابت لها الحكومة بعد فتح تحقيق في الموضوع فتم توقيف الوزير من طرف الملك  الذي يبقى آخر حدث نال نصيباً مهماً من النقاش على «الشاشة الزرقاء ،» فإن حميد أعجيل قال: «لا يمكن الجزم أن السلطات وأصحاب القرار في المغرب يتفاعلون بشكل إيجابي مع مطالب الشباب على «الفايسبوك »، فإذا استثنينا دستور يوليوز 2011 الذي يعتبر واحداً ضمن هذه التفاعلات الإيجابية يمكن القول إن الشباب حقق انتصاراً في معركة العفو على «دانييل ڭالفان » وحملة المطالبة بإطلاق سراح علي أنوزلا وكذا المطالبة بإقالة محمد أوزين وزير الشباب والرياضة، فإننا لم نحقق أي مكسب في معاقبة المسؤولين عن فاجعة بورڭون ومخلفات كارثة الفياضانات التي اجتاحت الجنوب والجنوب الشرقي للمغرب .».

إن تأثير «فايسبوك » في السلطات ومراكز اتخاذ القرار يبدو حديثاً سابقاً لأوانه في المغرب بحسب يحيى اليحياوي خبير في الإعلام والاتصال الذي أكد في تصريح خاص ب "المشعل" «أن الشبكة لم تنشأ أصلاً لهذا الغرض. وهي ليست مؤسسة قائمة الذات، لتقوم بتصريف «خطاب مبالغ فيه نسبياً، ليس فقط بحكم محدودية انتشارها، وانحصارها في من لديهم سبل بلوغ الشبكات، ولكن أيضا لأن التقنية عنصر مساند وليست عنصراً حاسماً ». ناهيك عن إشكالات مرتبطة بالحقل الدستوري، يضعها المهدي الإدريسي باح ث في العلوم السياسية و القانون الدستوري بتساؤله عن مشروعية العرائض الشعبية الموقعة على الإنترنت وغير المرتبطة بالأطر الدستورية التقليدية، مشيراً إلى ضرورة البحث عن سبل خلق تناغم بين المؤسسات و الأحزاب السياسية وطرائق المشاركة التقليدية مع هذه التحولات في هذا العصر الرقمي.

  رهانات من داخل الشاشة الزرقاء

  دفع «فايسبوك » الشباب المغربي للمشاركة الفعالة في مناقشة قضايا الشأن العام وتقاسم الأفكار ووجهات النظر حول أي حدث لحظة وقوعه، وتبادل المعلومات والمعطيات عنه بالصور ومقاطع الفيديو والتعليق عليها والرد في الآن ذاته، وهو ما جرى في كثير من القضايا من بينها قضية «ڭالفان » مغتصب الأطفال وفاجعة انهيارات بورڭون والفيضانات الأخيرة التي أودت بحياة أزيد من 30 شخص.

ففي سياق ذي صلة تقول أسماء  فاخوري «بينما يؤمن الشاب المغربي بقدرة «فايسبوك » على نشر المعلومة وتقاسم وجهات النظر والتفاعل بين مختلف شرائح المجتمع والتوجهات الحزبية والأيديولوجيات السياسية والفكرية والعقائدية. والدليل على ذلك الكم الهائل لما ينشر على  «فايسبوك » وعدد التفاعلات والتعليقات والصفحات التي يتم إحداثها كل يوم، في المقابل من الضروري الإشارة لنقطة مهمة مفادها أن الشاب المغربي على الرغم من إدراكه أن «فايسبوك » أصبح عاملاً مهماً في تهيئة متطلبات التغيير عن طريق تكوين الوعي؛ إلا أنه على علم أيضاً بأن هذا الموقع الاجتماعي وحده ليس العامل الأساس للتغيير في المجتمع، بل يجب إنزال هذا الوعي إلى أرض الواقع .»

 ويراهن حميد أعجيل كشاب مغربي عبر استخدامه ل«فايسبوك » على «تحقيق الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية للشعب المغربي بمواصلة الضغط والتأثير على الرأي العام ونشر أفكار الديمقراطية وحقوق الإنسان في صفوف المواطنين »، فيما تسعى أسماء فاخوري ل «بلوغ مجتمع يسهل فيه الوصول إلى المعلومة وإسماع صناع القرار صوت الشعب وفضح بعض الممارسات السياسية الفاسدة ومصالحة الشباب مع العمل السياسي » مشددة في تصريح ل "المشعل" «أنه تبقى أكبر الرهانات؛ ترسيخ قواعد التعامل المعقلن مع الكم الهائل من المعلومات »، موضحة ذلك بالقول: «نريد من مستهلك الأخبار أن يتعلم كيف يقرأ ويفهم الخبر بطريقة أفضل في ظل غزارة المعلومات، وأن يعرف ما هو مفيد وما هو غير مفيد.

* "هل يؤثر الفايسبوك في صناعة القرار...الجواب يحتاج إلى دراسة عميقة"، استجواب، جريدة المشعل، العدد 569، 18/ 26 يوليوز 2017.

يمكنكم مشاركة هذا المقال