تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

"عن التلفزة كثقافة"

news-details

عندما تتردد عبارات من قبيل الثقافة، ثم التلفزة، وفي سياقهما، عبارتا التلفزة الثقافية، ثم الثقافة التلفزيونية، فللتعبير عن العلاقة الجدلية، الغامضة والمتوترة أحيانا، بين المجالين: مجال التلفزيون ومجال الثقافة.

والواقع أن بداية هذه العلاقة قد أتت مع اكتشاف التلفزيون، أواسط خمسينات القرن الماضي، حيث بدأ نزوع هذا الوافد الجديد لإغراء مجال (المجال الثقافي) كان حكرا على الوسيط الشفوي والمكتوب، ولم يكن له من أداة تترجم أبعاده ومكوناته على مستوى الصورة.

ومع أن التلفزة لم تأت كمنافس مباشر للثقافة، بكل أشكالها وتلاوينها، فإنها مع ذلك قد ثوت خلف موقفين منها (من التلفزة أعني) متضادين أيما يكن التضاد:

+ الأول وينطلق من الاعتقاد بأن التلفزة، بحكم طابعها الشامل، قد يكون من شأن الاعتراف والقبول بها من لدن مجال الثقافة، تنميط المجتمع، وتذويب ذوات الأفراد وخصوصية الجماعات، والتي كانت الثقافة، ولعهود طويلة، ضامنة لها، مدافعة عنها في الشكل كما في المضمون.

لا بل إن البعض ذهب لحد التحذير من مد التلفزة، باعتبارها مصدر تهديد للديموقراطية وحرية التعبير، على الأقل من منطلق نزوعها الشمولي، وتطلعها لتوحيد الخطاب لحد وحدنته، وارتهان الاختلاف الثقافي، لدرجة تضليل الرأي العام وتمييع تصوراته وتمثلاته.

+ أما الموقف الثاني، وإن كان مجاريا للموقف الأول، فإنه حذر من مخاطر تجاهل هذا الوافد الجديد، أو التقليل من شأنه في تأثيث الفضاء العام. بالتالي، يقول أصحاب ذات الموقف، فإن رفض عدم التعامل معه، معناه الحرمان من الموسطة والظهور، وبالتالي الغياب وترك المجال حصرا على اختصاصيين في الصحافة والاتصال "يفعلون في الثقافة كما يريدون ويعن لهم".

وعلى هذا الأساس، تحولت الخشية والتحفظ من الوسيط الجديد إلى القبول التدريجي به، وقبول التعامل معه، من خلال برامج ومواد ثقافية ومعرفية، كانت لقرون عديدة مضت، مقتصرة على التداول الشفوي المحدود، أو عبر ما يصدر عن المطابع ودور النشر من مكتوب.

لكن الملاحظ أن "إعجاب" الثقافة بالتلفزيون لم يطل كثيرا، إذ سرعان ما أدركت الثقافة أن ثمة بين الحقلين عناصر تنافر موضوعية، من الصعب حقا، يقول أصحاب هذا الرأي، تطويعها أو تليينها أو التجاوز عليها:

°- فالتلفزة، بحكم طبيعتها والفلسفة المرتكزة عليها، إنما تراهن على المظهر، وعلى التشويق، وعلى ما هو انطباعي عابر. في حين أن الثقافة ترتكن إلى ما هو إدراكي ومعرفي، يصمد بالزمن الطويل، ويتطلع إلى تشكيل الرؤى والمواقف، وإن بصيغ ضمنية غير مباشرة.

°- ثم إن التلفزة تراهن على التبسيط والتسلية لبلوغ أقصى عدد ممكن من الجمهور، ومن خلال هذا الأخير للمعلنين، حتى باتت نسب المشاهدة مبدأ أساسيا في البنية الإعلامية للتلفزيون. في حين أن الثقافة، وإن تماهت مع منطق نسب المشاهدة، فإنها لا تتخذ منه وسيلة لبلوغ المشهرين، بل لترويج ما لديها من قيم وتصورات وأفكار.

ولهذين الاعتبارين رأينا كيف تحولت الثقافة عن القنوات العامة، العمومية والخاصة، وأنشأت لنفسها قنوات متخصصة، تخاطب من خلالها الجماهير، دونما إكراهات نسب المشاهدة، أو ضغوطات المعلنين.

 ولهذين الاعتبارين أيضا، أضحى ما بقي من برامج ثقافية بالقنوات الجامعة والشاملة، بين يدي متخصصين في الاتصال والإعلان، مهووسين بفكرة أن "الإبداع"، باعتباره مكونا أصيلا من مكونات الثقافة، يجب أن يخضع لمنطق المشاهدة، الخاضع بدوره لثنائية "رغبة الجمهور/البرامج الثقافية المقترحة".

بالتالي، غدت التلفزة مجرد أداة للتسلية الجماهيرية، ممثلة لمصالح اقتصادية وتجارية رهينة بما يريده الجمهور وما يهدف إليه المعلن.

وعليه، فقد باتت أدواتها قائمة على منطق المشاهدة، ثم على دراسة مقومات السوق، ثم على الاستبيانات الميدانية واستطلاعات الرأي، وباتت الثقافة كما لو أنها تتعايش مع فاعلين ليسوا من طبيعتها، ولا خاصيتهم من خاصيتها، ولا لديهم نفس المرجعيات والخلفيات والتطلعات التي لديها، وهكذا.

* "عن التلفزة كثقافة"، 14 نونبر 2011.

يمكنكم مشاركة هذا المقال