موضوع "مستقبل المدرسة العمومية بالمغرب" موضوع شائك ومتشعب، ليس في حد ذاته فحسب، بل وأيضا قياسا إلى المزايدات المتعددة التي تطاوله من لدن هذه الجهة كما من لدن تلك، الهاوي منها كما المتخصص على حد سواء.
هذه أمور عرضية عامة، بإمكان المرء التجاوز عليها بشكل من الأشكال. لكن الذي لا يمكن التجاوز عليه حقا، إنما حقيقة أن المدرسة العمومية بالمغرب تعيش وضعية أزمة مستدامة، تراكمت عواملها وتعمقت تراكماتها السلبية، حتى بات الوضع مأساويا وبكل المقاييس.
ليس الغرض هنا توصيف ذات الأزمة، ولا التوقف من جديد عند أسبابها وتجلياتها ودواعيها. لكن الغرض هنا هو الإشارة إلى أن أزمة المدرسة العمومية وأزمة منظومة التربية والتعليم بوجه عام، إنما كانت دائما ولا تزال متأتية من عدم وجود رؤية واضحة لما نريد أن تكون عليه هذه المدرسة والمنظومة. بالتالي، فالتخبط الحالي هو متأت، في الجزء الأكبر منه، من غياب هذه الرؤية في الشكل كما في المضمون:
+ أولا: هذه المدرسة لم يبق منها من العمومي إلا رأس المال والممتلكات، كونها تنكرت لمبدأ المرفق العام، الذي من المفروض أن يكون خيطها الناظم ومرجعيتها بالبداية وبالمحصلة. وأعني هنا أن تنكرها لمبدأي المساواة والمجانية على وجه التحديد، لم يترتب عنه إلا إعادة لإنتاج الطبقات وتعميق الفوارق الاجتماعية وفيما بين الشرائح. وأعني أيضا أنها وإن كانت لا تزال تدعي العمومية، فإنها لم تفلح في إدماج التلاميذ ولا اتخذت من ذلك مبدأ من مبادئ المواطنة الواسعة.
+ ثانيا: هذه المدرسة باتت ولأكثر من خمسين سنة مضت، ليس أداة لإفراز نخب متدنية المستوى فحسب، بل مصدر تكلفة باهظة، لطالما اشتكت منها الحكومات المتعاقبة، واعتبرتها عائقا ومكمنا لاستنزاف الاستثمار المنتج.
+ ثالثا: هذا الاعتبار، اعتبار المدرسة مصدر تكلفة، كان خلف العديد من الاختيارات والبرامج والمشاريع، لعل أقواها على الإطلاق ميثاق التربية والتعليم والتكوين، والذي لم تترتب عنه نتائج حقيقية بالإمكان الاعتداد بها.
هذه أمور معروفة ولربما متعارف عليها. لكننا لو أردنا، من جهة أخرى، مساءلة مستقبل هذه المدرسة، بناء على تقنيات وطرق الاستشراف، لاستوقفتنا ثلاثة سيناريوهات كبرى:
+ الأول، سيناريو الإبقاء على القائم، أعني الاستمرار في الإبقاء على المدرسة وعلى المنظومة كما هي عليه اليوم، في ترهلها وفي أزمتها وتناقضاتها وتنافر عناصرها، وتضارب المشاريع والمشاريع المضادة من حولها.
هذا السيناريو قائم وهو السائد حاليا، لكنه لا يعتد به في لغة المستقبليات، لأنه مستحيل الاستمرار، على الأقل من زاوية أن التحول سنة من سنن الكون، ولا يمكن لأي عنصر أن يبقى قارا وجامدا إلى ما لا نهاية.
+ السيناريو الثاني، سيناريو الإصلاح. وهو الذي على أساسه صيغ الميثاق، الذي حكم سياق المدرسة لأكثر من عشر سنوات من الزمن. لكنه أفرز بدوره إخفاقا مدرسيا فظيعا باعتراف تقارير البنك الدولي، الذي يعتبر الملهم الأساس للسياسة التعليمية والتربوية بالمغرب. وأفرز، في أعقاب ذلك، برنامجا استعجاليا ماسخا، اختزاليا، كونه اعتبر أن مشكل المدرسة المغربية هو مجرد مشكل إمكانات، في حين أن المشكل أعمق بذلك بكثير.
نحن إذن، بإزاء هذا السيناريو، إنما بإزاء إصلاح فاشل وبرنامج استعجالي فاشل أيضا. بالتالي، فلا يمكن الاعتداد بهذا السيناريو إلا جزئيا ومرحليا.
+ بقي السيناريو الثالث وهو سيناريو التغيير، أي إعادة صياغة المنظومة على أسس جديدة، وبمرجعية جديدة، ووفق رؤية لا تقبل كبير تأويل.
ليس لدينا صيغة مثلى لتجسيد هذا السيناريو، لكننا نعتقد بأن قوة المدرسة بالمغرب يجب أن تكمن في عموميتها، لا في خوصصتها أو في التضييق على المشتغلين بها، فرادى وجماعات. وللذي لا يزال يراوده شك في ذلك، أن يتأمل تجربة فنلندا التي اعتمدت المدرسة العمومية كخيار أساس لبناء منظومتها في التربية والتعليم، باستبعاد شبه تام للقطاع الخاص ولاعتبارات الربحية العابرة.
* "مستقبل المدرسة العمومية بالمغرب"، محاضرة، منظمة التضامن الجامعي، الرباط، 27 فبراير 2011.