بيان اليوم: ماذا يشكل بالنسبة إليك معرض الكتاب؟
يحيى اليحياوي: هو تقليد مستحسن، على الأقل من زاوية أن الوزراء يذهبون والمعرض يبقى، لا يزايد على وجوده أحد، اللهم إلا بعض الأقلام. وبكل الأحوال، فثمة بكل دول العالم معارض للكتاب، وليس من العيب أن يكون للمغرب معرضه أيضا.
لكن الحاصل بالمغرب أننا بتنا مع مرور الزمن، بإزاء مهرجان "ثقافي"، تتجمع الناس خلاله، ثم تذهب إلى حال سبيلها بعد انصرام مدة المهرجان، بانتظار مهرجان العام المقبل. كان بود القائمين على المعرض أن يحولوه تدريجيا إلى محطة للتأمل في الحصيلة، وتقييم واقع الحال، وتحديد المطلوب للسنة القادمة، كي نتقدم في التشخيص، وابتداع الحلول.
هذا غير قائم حقيقة، لدرجة تحول المعرض إلى هدف في حد ذاته، عوض أن يكون نقطة مساءلة للوضعية الثقافية المأساوية، التي يعيشها هذا القطاع. بالتالي، فالمعرض بات سوقا للبيع والشراء، عوض أن يكون فضاء ثقافيا للتقييم بأفق التقويم. وهذا لربما هو السر في تراجع مده من سنة لأخرى، حتى أضحى باهتا على الأقل بالقياس إلى معرض الجزائر، ومعارض دول الخليج، ناهيك عن معرض القاهرة.
بيان اليوم: ما هو تشخيصك لوضعية القراءة بالمغرب؟
يحيى اليحياوي: هذا التساؤل بات من قبيل جلد الذات. فوضعية الكتاب القاتمة معروفة، والمسؤوليات مثبتة، بين الوزارة الوصية والكتاب والناشرين والقراء وما سواهم. الكل بهذه المستويات، مسؤول عن جانب من أزمة القراءة التي نعيش، وأستطيع أن أقول إن الحلول المروجة أبانت عن قصورها في معالجة الإشكالية، أو على الأقل إعادة طرحها بجدية، بأفق إيجاد الحلول الناجعة.
أنا أتصور أن المحك في هذه الإشكالية يجب أن يتمحور حول القارئ، لأنه هو عصب المنظومة. بمعنى كيف نخلق ثقافة قراءة بالمغرب، ابتداء من المنزل وإلى اللحد، مرورا بالثانوية والجامعة وما سواها. نحن مجتمع لا يقرأ بالمرة، لاعتبارات معروفة أيضا. المفروض أن تبنى المنظومة من جديد، وبكل السلسلة لنتحول إلى مجتمع قارئ. الكيفية هنا هي الأساس، دع عنك الخطابات الفجة والمبادرات الموسمية.
بيان اليوم: كيف هي تجربتك مع النشر؟
يحيى اليحياوي: أنا لا أذهب للطابع، أنا أتعامل مع ناشرين، لهم لجن قراءة بالمغرب وبالشرق، تقرأ المسودة، توافيني بالملاحظات، وتطلب مني التصحيحاات، تبعث لي بالعقد، وتحترم قدسية حقوق المؤلف. بالتالي، فأنا لا أتعامل مع دور الطبع، أنا أتعامل مع دور النشر، والفارق بينهما كما تلاحظ كبير للغاية.
بهذه الجزئية، لا أخفيك مدى انزعاجي من عملية الطبع على نفقة المؤلف، لأنها تتعامل مع الكتاب كما لو أنه مادة تجارية صرفة. لذلك فغالبا ما تطلع النصوص المبنية على هذا المنطق، باهتة ومهلهلة.
بيان اليوم: ماذا تقترح للنهوض بقطاع النشر؟
يحيى اليحياوي: المسألة منظومية، ولا تقتصر على النشر. الإشكال قائم في غياب صناعات ثقافية، تدفع صاحب رأس المال لأن يجازف عند قرار الاستثمار، ويجد ضالته في العملية ماديا ومعنويا. أنا أطالب بسياسة ثقافية واضحة، مبنية على رؤية قارة، لا تنهض فقط بقطاع النشر، بل تدفع بالمنظومة في شموليتها. وهي عملية معقدة، ومستهلكة للزمن دون شك، لكن لا بد منها بكل الأحوال.
* "معرض الكتاب بالدار البيضاء مجرد سوق للبيع والشراء"، استجواب، جريدة بيان اليوم، 17 فبراير 2009.