الشعوذة والسحر وقراءة الأبراج وغيرها، هي مظهر من مظاهر أزمة اجتماعية ونفسية ولربما ثقافية أيضا، متوافرة بأرض الواقع، ولا يعمل الإعلام، مكتوبا كان أم مرئيا أم مسموعا، إلا على إشاعتها، وتوسيع مجال انتشارها. العيب هنا كامن في المجتمع أولا، قبلما يكون في وسائل إعلام، غايتها الكسب المادي المباشر، واستقطاب جمهور إضافي لترويج المادة أو السلعة أو الخدمة. هذه المظاهر ناتجة إذن من بيئة قائمة اجتماعية، تؤمن بالخرافة والشعوذة، وتثق في الدجل، لدرجة أن المعدمين يذهبون عند هؤلاء بالمنازل وبمكاتبهم أيضا.
بالتالي، فتناسل هذه الفضائيات إنما هو من وجود جمهور لديه القابلية على متابعتها، والإنصات "لفتاوى" المشعودين والسحرة وقراء الأبراج وتجار الأعشاب وما سواهم. هناك إذن حاجة قبلية متوفرة لدى شريحة من المجتمع إما مترفة ماديا وتتسلى، أو هشة التكوين والثقافة والإيمان، أو بلغ منها اليأس ضروبا متقدمة، كحال المريض المزمن، أو اليائس من تردي الواقع، أو المتطلع لمعرفة ما "يضمره له الزمن القادم"، وهكذا.
الكل، بهذه الحالة، يجد ضالته: المتصل بالفضائيات، صاحب الفضائية، وأيضا شركات الاتصالات، التي تجني أرباحا ضخمة من ذلك، كونها الأداة التقنية المقتناة لبلوغ هؤلاء بالشاشة، وهم يدعون العلم بالغيب، ويتجاهلون أن العلم عند الله وحده، أو يتبجحون بقدرتهم على علاج الأمراض المستعصية، وإلا فليرنا هؤلاء "الشيوخ" كيف لهم أن يداووا مصابا بسرطان الكبد بالمرحلة المتقدمة؟ إنهم يسوقون الوهم والجهالة ولا يحترمون عقول البشر.
أما عن السبيل لمحاربة هؤلاء، فأتصور أن المدخل يبدأ بالتوعية، وتعميم الفكر العقلاني، والحس النقدي لدى الجماهير، وهذا بحد ذاته عمل إعلامي بامتياز، ناهيك عن دور البيت والمدرسة. أنا لست مع أن يمنع هؤلاء من بلوغ الجماهير بقرار فوقي، بقدر إيماني بتركهم، مع تقوية الحصانة والمناعة ضدهم. حينها سنلحظ أنه لن يتصل بهم أحد، ولن يزورهم ببيوتهم وبمكاتبهم حيث هم يسترزقون.
* "يحيى اليحياوي لجريدة التجديد: الفضائيات مرآة عاكسة لواقع السحر والشعوذة، وليست مولدة له"، جريدة التجديد، الرباط، 28 أبريل 2009.