تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

"إعلام الشبكات أو في التحدي الإعلامي القادم"

news-details

"إعلام الشبكات أو في التحدي الإعلامي القادم"

ثلاث ملاحظات للاستهلال

ثمة ثلاث ملاحظات أولية أساس، يبدو أنه من الضروري سياقها بمدخل هذه الورقة، رفعا لكل لبس، ودرءا لكل التباس:

+ الأولى وتتمثل في حقيقة أن العالم يعيش، منذ بداية ثمانيات القرن الماضي، على وقع وإيقاع ثورة تكنولوجية عميقة، طاولت وبقوة علوم الإنسان والفضاء والأرض، وثوت خلف تحول جذري لأنماط وأشكال وأساليب إنتاج الثروة داخل البلد الواحد، وفيما بين البلدان بعضها البعض.

لم تعد مصادر الثروة كامنة في مزج ما، بين مكونات الإنتاج المباشرة، المادية أو البشرية أو الطبيعية، أو في اللجوء المستمر لضخ المزيد من الرساميل والقوى البشرية، للرفع من ذات الإنتاج، بل باتت المعلومات والبيانات والمعارف، ونسب البحث العلمي والإبداع التكنولوجي، والتنظيم الشبكي والمراهنة على الكفاءات، باتت مجتمعة هي المحدد لطبيعة التراكم الاقتصادي، وأشكال إنتاج وإعادة إنتاج الخيرات والثروات (1).

+ الملاحظة الثانية وتكمن في حقيقة ثانية، مفادها أن هذه الطفرة طاولت كل المجالات والفضاءات، لكنها تمظهرت بقوة وجلاء واضحين، في ميدان تكنولوجيا الإعلام والمعلومات والاتصال، فاسحة في المجال بذلك، ليس فقط لاندماج قطاعات كانت من ذي قبل متنافرة ومتنافسة، بل وأيضا لبروز شركات عالمية ضخمة، مهنها الأساس تصميم البنى التحتية، وتطوير البرامج والشبكات، وإنتاج المضامين والمحتويات، المقتنية لذات البنى والشبكات، أو المحركة لها، أو الناظمة لنسقيتها في الزمن والمكان (2).

إن "الثورة الرقمية" (3) التي وحدت قطاعات الإعلام السمعي/البصري، والاتصالات والمعلوماتية، والألكترونيات الجماهيرية، ودمجتها في فضاء واحد موحد، هذه الثورة لم يقتصر فعلها على تكامل البنى والشبكات، بل دفعت العديد من الفاعلين بهذه القطاعات، إلى عقد تحالفات استراتيجية موسعة، واللجوء إلى العديد من أشكال الانصهارات والاندغامات، بأفق تقاسم تكاليف الإنتاج، أو الرفع من منسوب الإنتاجية والمردودية والربح، أو ما سوى ذلك.

+ أما الملاحظة الثالثة فمؤداها القول، بأنه في صلب مجمل هذه الظواهر والطفرات الكبرى، يبدو أن المحصلة الأولية لكل ذلك، إنما ظهور شبكة الإنترنيت، واتساع مجال انتشارها، وتحولها السريع من شبكة تقنية صرفة، تنقل "بحيادية" (4) كل أشكال البيان والمعطى والمعلومة بين مرسل ومتلقي، إلى فضاء اقتصادي واجتماعي وثقافي وسياسي، أي بالمحصلة إلى "فضاء عمومي" (5)، بات من الاستحالة حقا الاستغناء عنه، أو التحول عن سبل ولوج بنوك وقواعد معطياته، أو امتطاء ناصيته، أو الاشتغال بتغافل عن خدماته ونوافذه ومرافقه.

إن بروز شبكة الإنترنيت، وتحولها الواسع والسريع من فضاء واقعي إلى فضاء افتراضي (6)، لم يترتب عنهما فقط تقويض وتمييع للحدود القائمة بين العالم الواقعي والعالم الافتراضي، ولا خلخلة المفاهيم التقليدية، التي خلناها مستقرة إلى حين عهد قريب، بل وأيضا إلى زعزعة التوازنات التي كانت، بميدان الإعلام مثلا، ثابتة ومستقرة، وبكل الأحوال غير مهددة في بنيتها، أو في تفاعل عناصرها، أو في تموقعاتها، بالقياس إلى هذا الميدان أو ذاك.

ليس الغرض من هذه الورقة، التساؤل في حدود الإعلام، من باب التساؤل في الحركية الناظمة لثلاثية المكتوب والمرئي والمسموع، ولا من باب مساءلة من باتت له "السطوة النهائية"، في زمن الصورة والبث المباشر العابر للحدود (7).

 الغرض هنا، إنما الوقوف عند التحديات الكبرى التي رفعتها الشبكات الرقمية، وفي مقدمتها شبكة الإنترنيت، بوجه وسائل الإعلام التقليدية، على مستوى واقع الحال الذي تعيشه هذه الأخيرة، على مستوى أنماط تنظيمها وأشكال تهيكلها، وأيضا على مستوى الاستراتيجيات المعتمدة من لدنها، بغاية الاستمرارية، أو التأقلم مع الإكراهات التي حملتها هذه الشبكات في ثناياها، أو جرتها ولا تزال تجرها من خلفها، بقوة وتسارع كبيرين.

ا- الشبكات الرقمية بالإعلام: تجليات الضعف وحوافز التغيير

تشي الملاحظة العامة لواقع حال وسائل الإعلام بمعظم دول العالم، بداية هذا القرن، بأن ثمة انحسارا حادا واضحا لمدها (لدرجة نعت البعض لذلك ب"أزمة الإعلام")، يؤشر عليه تراجع الإقبال على المكتوب، والورقي منه تحديدا، وتراجع نسب الاستماع أو المشاهدة، للمسموع منه والمرئي، على حد سواء.

وتشي ذات الملاحظة بالآن ذاته، بأن ذات الوسائل إنما باتت تكتفي بإدارة وتدبير عناصر الأزمة التي تعيش، إذا لم يكن للحد من ذات الأزمة، فعلى الأقل لاستنبات سبل البقاء أمام مد الشبكات الرقمية والألكترونية، التي غدت تجرف كل من حولها، وتستقطب القارئ والمستمع والمشاهد، بصيغ أكثر رحابة وقبولا وجاذبية، وأقل كلفة فضلا عن ذلك (8).

إلا أن الانطلاق من ذات الملاحظة، للخلوص إلى القول بأن بروز هذه الشبكات وغزوها لمجال وسائل الإعلام التقليدية (سيما الصحافة المكتوبة، مكمن الأزمة) هو السبب في تأزمها، أقول إن الانطلاق من ذات الملاحظة للخلوص إلى ذات النتيجة، إنما تعوزه الدقة، وينقصه استحضار السياق القائم، وذلك لثلاثة أسباب كبرى:

°- الأول، لأن ذات الأزمة هي بالأصل، سابقة على بروز الشبكات الرقمية، وعلى انتشار مداها في الزمن والمكان. هي أزمة طاولت الصحافة بكل أشكالها، منذ بداية ثمانينات القرن الماضي، ولم تعمل ذات الشبكات، والإنترنيت تحديدا، إلا على تأجيجها، وتعميقها، والتوسيع من مجالها وقوتها، أو لنقل تدقيقا للتسريع من تمظهراتها بالمجال العام.

°- أما السبب الثاني، فكامن في حقيقة أن العديد من المنابر الإعلامية التقليدية ركبت ناصية ذات الشبكات، واستفادت منها، بل وحولت العديد من مزاياها المتاحة، إلى أدوات لتطوير شكلها ومضمونها، وضمان التواصل المستمر مع متلقيها، آناء الليل وأطراف النهار.

°- السبب الثالث، ويتمثل في أن العديد من هذه المنابر الإعلامية بدأت تعمل بقوة وتستثمر، بغرض تكييف استراتيجياتها مع التحولات التكنولوجية التي حملتها هذه الشبكات، والتي لا تعتبر شبكة الإنترنيت إلا لبنتها الأولى ومقدمتها، والمدشن لإرهاصاتها المستقبلية المتشعبة.

ا- 1- الشبكات الرقمية، التحدي الأكبر بوجه الإعلام

ثمة حقيقة تاريخية وسوسيولوجية ثابتة، أبرزتها الدراسات النظرية، وأكدتها البحوث والاستبيانات الميدانية، وهي أنه لحدود الوقت الراهن، لم تستطع أداة إعلامية جديدة أو مستجدة، التجاوز على ما سبقها من أدوات، ولا تمكنت من إلغائها إلغاء تاما، أو تقويضها تقويضا نهائيا. فالإذاعة مثلا لم تلغ من حولها الصحافة المكتوبة، كما أن تطور التلفزة قد تم دونما أن يطاول ذلك الإذاعة أو الصحافة المكتوبة أو السينما، أو ما سواهم (9).

بالمقابل، فإذا لم يثبت لحد الساعة، أن أداة إعلامية جديدة قد نجحت في تقويض ما سبقها من أدوات، أو السطو على مكانتهم، فإنها في الغالب الأعم ومع ذلك، قد نجحت في زعزعة مواقعهم، والتقليص من مجال فعلهم، وإعادة النظر في التوازنات الاقتصادية التي بنوا عليها، إذا لم يكن مجدهم، فعلى الأقل هيمنتهم على السوق، عندما كانوا الفاعلين الوحيدين من بين ظهرانيه، أو كانوا المهيمنين المطلقين بظله.

بمعنى أنه بظل الشبكات الرقمية، والإنترنيت تحديدا، أصبحت المنابر التقليدية (من صحافة مكتوبة وإذاعة وتلفزة وما سواها)، أصبحت مطالبة بالتحول عن الوظائف والأنشطة التي عهدتها، والتي بدأ "الوافد الجديد" (أعني الإنترنيت) يقدمها بنجاعة، يوفرها بفاعلية أكثر، ويضمنها بجودة عالية، وبكلفة أقل.

إن عنصر المفارقة هنا، والخطر أيضا يقول البعض، إنما أن تأثير الإعلام الألكتروني على ما سبقه، أو ما يجاوره من وسائل إعلام أخرى، هو من القوة و"العنف"، ما يجعل عناصر ضعفها تبرز، والحلول من بين أيديها تتضاءل، والحيلة من بين ظهرانيها تشارف على الانتفاء.

فالفاعل الجديد، بنى تحتية وبرمجيات، وسعة مجال، باستطاعته توفير الكلمة والصوت والصورة والفيديو، وفق معايير وخصائص خاصة به، تدمج في حامل واحد كل ما كانت تمرره كل وسيلة إعلامية بمفردها، وباستقلالية تامة عن الوسائل الأخرى. بالتالي، فإذا كانت هذه الشبكات قد أبرزت نقط ضعف الوسائل الإعلامية التقليدية، وأدت بها إلى التقهقر، فإنها وبالآن ذاته، قد رفعت بوجهها أشكال جديدة من المنافسة، لا قبل لها بها، اللهم إلا التأقلم والمسايرة، أو التقوقع والتراجع، وبالمحصلة النهائية، الإفلاس لا محالة (10).

إن القول بقدرة "الوافد الجديد" (والإنترنيت مظهره الأبرز راهنا)، بقدرته على زعزعة موقع ومكانة وتوازن وسائل الإعلام القائمة، إنما هو من الاعتراف لذات الوافد بثلاثة مكامن تأثير وقوة، نادرا ما توفرت لدى أداة إعلامية أو اتصالية سابقة، تقنية صرفة كانت، أم ذات بنية مادية أو اقتصادية أو صناعية:

°°- أما مصدر التأثير الأول، فيتمثل في قدرة الشبكات الرقمية على مطاولة وسائل الإعلام التقليدية في مضمونها، كما في شكلها، كما في طرق وآليات تواصلها مع المتلقين، جمهورا عاما كان، أم ذواتا خاصة، أفرادا مستقلين كانوا أم مؤسسات قائمة الذات. الميزة الكبرى لهذه الشبكات هنا، أنها تقدم عروضا جديدة، بوظائف مستجدة، تشبه إلى حد بعيد ما دأبت الوسائل التقليدية على تقديمه، لكن مطعمة هذه المرة، وفي حالة الشبكات، بما تقدمه التقنيات الرقمية من مرونة وتفاعلية وثقافة في القرب، لطالما نشدها الإعلام بكل أشكاله وتلويناته، لكنه لم يدركها دائما، أو لم يدرك إلا جزءا بسيطا منها فقط.

بإمكان المرء أن يدلل على ذلك، بتراجع نسب مقروئية الصحافة المكتوبة اليومية بأمريكا كما بأوروبا (11)، ناهيك عن العالم العربي، حيث الحالة شاذة وبكل المقاييس. وبإمكانه أيضا أن يدلل على ذلك بانحسار مد الإذاعة والسينما، حتى بالصمود النسبي للتلفزة، مع انفجار البث الفضائي، وتزايد الإقبال على توظيف الأقمار الصناعية، وما سوى ذلك. لكن الثابت، بالحالتين معا، أن الشبكات الرقمية إنما أسهمت في القضم بقوة من مجال هذه الفضاءات، ليس فقط باعتبار هذه الشبكات تقنيات للبث فحسب، ولكن أيضا لأنها تحولت تدريجيا إلى وسيلة إعلام قائمة، لها منطقها وبنيتها وهيكلها، والمضامين الخاصة بها (12).

وهو ما معناه، من الناحية العملية الخالصة، أن الوقت المخصص لتصفح مواقع شبكة الإنترنيت مثلا، دع عنك الغاية من ذات التصفح والمواقع المتصفحة، إنما يتم على حساب قراءة الجريدة، أو الاستماع للإذاعة أو متابعة الشاشة، ناهيك عن التنقل جغرافيا لمشاهدة فيلم بالقاعات السينمائية، غالبا ما يكون متوفرا بالإنترنيت، وبالإمكان تحميله بنقاوة عالية، لا تقل كثيرا عن نقاوة الشاشة الكبيرة بالقاعات إياها.

وهو ما معناه أيضا، بامتداد لذلك، التجزيء المستمر لنسب المتابعة، التي كانت قارة إلى حين عهد قريب، لفائدة هذه الوسيلة الإعلامية أو تلك. فإذا كانت المنابر التقليدية قد عمدت، منذ البدء، إلى هيكلة عرضها وفق مبدأ الجمهور الواسع، فإن الشبكات الرقمية (تماما كما الحال مع الاتصالات الخليوية) قد لجأت إلى تقنية "شخصنة الاستخدام" (13)، بحكم الوفرة المتاحة، وتنوع العرض، وتعدد البنى التحتية المتيحة لهذه الخدمات، والممكنة لذات "الشخصنة" قلبا وقالبا، وبيسر تقني هين فضلا عن ذلك.

وهذا من شأنه أن يخلق حقا أزمة ثقة موضوعية، لا يمكن للعديد من المنابر مداواتها بيسر، أو التجاوز عليها، سيما بالنسبة لفئة الشباب، التي باتت الشبكات إياها بالنسبة لها، "اللغة/الأم"، إذا لم نقل مكمن اللجوء المفضل، الحاضن والضامن للخصوصية "الجديدة".

°°- أما مصدر التأثير الثاني، فيبدو لنا كامنا في فقدان العديد من المنابر التقليدية لوضعية احتكار المعلومة، التي كانت تتمتع بها دون منازع في فترات ما قبل بروز وانتشار الشبكات الرقمية، في فترت ندرة المعلومات، يقول بعض الباحثين (14).

وعلى هذا الأساس، فإن الوظيفة الأساس التي تأثرت بعمق بوصول الشبكات الرقمية، إنما وظيفة الإخبار، التي تعتبر القلب النابض لكل منبر إعلامي، مكتوب كان أم مسموع أم مرئي، وذلك على الرغم من تباين التأثير من منبر لمنبر، وقدرة كل واحد على امتصاص الصدمة، وبالتالي التأقلم والتكيف معها.

من هنا، فإن قوة الشبكات الرقمية إنما تتمثل في الخاصية الطبيعية التي تتمتع بها حصرا، خاصية عدم خضوعها لإكراهات الانتظام في الصدور مثلا (كما الحال مع الصحافة المكتوبة)، أو توقيت البث والإرسال، كما حال الإذاعة والتلفزيون. بما معناه، أنه بإمكان الشبكات الرقمية أن "تبث" المعلومات بمجرد تحصيلها، وبإمكانها بالآن معا، استرجاعها وتخزينها وتحيينها وتطويرها، وفق ما يستجد من معلومات جديدة، أو إضافية، أو أكثر دقة وراهنية، وهو ما لا تستطعه الصحافة المكتوبة أو المرئية أو المسموعة. وبما معناه أيضا أنه من الناجع والسريع، بالنسبة للفرد، اللجوء إلى حاسوبه لتصفح الأخبار عبر مواقع وكالات الأنباء، عوض انتظار صدور الجريدة، أو معالجة الأخبار بغرف تحرير إذاعة بيروقراطية، أو مؤسسات تلفزة عمودية التنظيم، تكون شبكتها البرامجية قد تشكلت دونما استحضار للطارئ من أخبار ومستجدات (15).

وما يصدق على جانب الأخبار، يصدق أيضا وبالقطع على الخدمات الأخرى، التي تقدمها الشبكات الرقمية، لكنه ليس بمستطاع المنابر التقليدية تقديمها إلا في حدود معينة، مثل مصالح الأرصاد الجوية، وأسعار البورصات، وخدمات الحجز عن بعد، ناهيك عن المستجدات الثقافية والفنية والرياضية، التي لا حيز للصحافة المكتوبة أو المرئية أو المسموعة لتناولها إلا في حدود، بحكم ضيق الوقت، أو محدودية الحيز الورقي المرصود لها، أو بحكم طابعها المتخصص الذي يستبعد كل ذلك جملة وتفصيلا.

°°- ومصدر التأثير الثالث، كامن في قدرة الشبكات الرقمية على استنبات استخدامات جديدة، وفي مقدمتها توفيرها وضمانها لمبدأ رجع الصدى، وإمكانات التبادل والتعبير الفردي، وهو ما ليس بمستطاع المنابر التقليدية، المنظمة وفق منطق عمودي، جامد، لا يعكس إلا بنسب ضئيلة ردود فعل المتلقين، أو يأخذ بعين الاعتبار مبدأ ضرورة تشاركيتهم.

المقصود بهذه النقطة، إنما القول بأن الشبكات الرقمية إنما تمنح "مستهلك المادة الإعلامية"، إمكانات الانتقال من وضعية سلبية وهامشية، لا يتعدى دوره فيها تلقي المعلومات من فوق، إلى "مستهلك" فاعل ومركزي، بمقدوره بظلها، التفاعل مع المعلومة والتعامل معها تعليقا عليها وإغناء لها، لا بل والإسهام في تصميمها وإنتاجها وترويجها على نطاق واسع، بالشبكة العنكبوتية.

ليس التلميح هنا فقط (أعني التلميح إلى المنطق التشاركي)، ليس التلميح هنا موجه لجيل الويب الثاني (الويب 2.0) الذي فسح في المجال واسعا لهذا المنطق، منطق التشاركية والتفاعل، بل وتحديدا إلى انفجار ظاهرة المدونات الشخصية، وبروز مواقع الويكي، حيث للمتصفح القدرة على إغناء المضامين (ويكيبديا مثلا)، والتكاثر غير المسبوق للمواقع التشاركية، المرتكزة على اقتسام المعلومات، كما حال اليوتوب والدايلي موشيون والماي سبايس وما سواها (16).

ا-2- زعزعة النموذج الاقتصادي للإعلام التقليدي

لو كان للمرء أن يختزل النموذج الاقتصادي، الذي انبنت عليه المنابر الإعلامية التقليدية، والصحافة المكتوبة على وجه التحديد، لقال التالي: إن هذا النموذج إنما تمثل ولا يزال يتمثل في عملية تغطية مجموعة من التكاليف القارة (إدارة التحرير، الأداة الصناعية وأداة الإنتاج، شبكة التوزيع...الخ)، بالارتكاز على مصدرين اثنين للدخل: بيع الجريدة الورقية (أو نسب الاستماع أو المشاهدة بالنسبة للإذاعة والتلفزة)، ثم ما يدره الإشهار الممرر عبر هذا المنبر أو ذاك، مقروءا كان أم مسموعا أم مرئيا (17).

إلا أن الحاصل، منذ أواسط ثمانينات القرن الماضي، أن الشبكات الرقمية قد رفعت تحديات كبرى بوجه هذا النموذج، سيما بجانب المداخيل، مع استمرارية ضغط التكاليف القارة، "الكابسة على أنفاس" المنابر التقليدية، والحادة من سبل تطورها.

ففي حين بقيت أسعار اقتناء الصحافة المكتوبة (وإلى حد ما المحطات الإذاعية والتلفزية) بمستواها المرتفع، كل حسب إكراهاته الذاتية أو استراتيجيات نموه، لاحظنا ولا نزال نلاحظ أن الشبكات الرقمية (وإلى حد بعيد المحطات التلفزية عبر السواتل)، رفعت لواء المجانية، أو الاشتراك الرمزي، لغرض ولوج أو تصفح هذا الموقع الإخباري أو ذاك، لا بل أنه في حين يشترط، للاشتراك في منبر مكتوب، اقتناء أعداد ما يقدمه هذا المنبر، فإن الاشتراك بالانخراط في موقع ما بالإنترنيت، يعطي المشترك إمكانية التصفح المستمر، على اعتبار أن تصفحا إضافيا أو لعدة مرات، لا يكلف المنبر شيئا يذكر (18).

أي أنه كائنة ما تكن المرات التي يتم فيها تصفح موقع إخباري ما على شبكة الإنترنيت، فإن الثمن أو السعر لا يتغير بالمرة. بالتالي، فإن هذه الشبكة تعطي الإحساس بالمجانية، وتعطي بتحصيل حاصل، الانطباع بأن المضامين والخدمات المروجة من بين ظهرانيها، إنما هي مضامين وخدمات مجانية، لا تفعل فيها كثيرا أطروحة الأداء عند الاستخدام (19)، التي لاقت رواجا واسعا من ذي قبل.

وعلى الرغم من أن النماذج الاقتصادية لم تستقر بعد بالشبكات الرقمية، قياسا إلى المنابر الإعلامية التقليدية، فإن "نموذج" الأداء الممول عن طريق الإشهار، هو النموذج المهيمن، سيما فيما يتعلق بالأخبار السياسية أو الترفيهية، حيث العروض المجانية مقدمة بوفرة وبتنوع كبيرين.

بالتالي، وبالبناء على نظرية الرواج (20)، فإذا كانت الشبكات الرقمية قد مكنت "المتلقي/المستهلك" من ترتيب خياراته وفق منظور الوقت (على اعتبار تراجع الوقت المخصص للمنابر التقليدية، بالقياس إلى المستجد منها)، فإنها قد مكنته أيضا من الحسم في ذات الخيارات وفق منطق المصاريف، أي أن هذا المستهلك/المتلقي غالبا ما يفضل منبرا يمنحه الوفرة بأقل تكلفة، مقارنة مع من لا يمنح هذه الوفرة، أو يوفرها بتكلفة مرتفعة. بهذه الجزئية، يبدو أن الشبكات الرقمية قد حازت مرتبة السبق، بالقياس إلى "غرمائها" التقليديين، متباطئي السرعة، أو متواضعي القدرات.

إن تحديا من هذا القبيل ليس من شأنه فقط أن يدفع المنابر الإعلامية المكتوبة مثلا، إلى خفض أثمانها، ورسوم اشتراكاتها، وتعرفة الإشهار الذي تمرر، أقول إلى خفضها إلى ما لا نهاية، بل ومن شأنه أيضا أن يدفعها لعرض منتوجاتها بالمجان، مقابل تحصيل تكاليفها من جهات معينة، أو بمداخيل إشهارية جزافية من هنا أو هناك.

قد يكون هذا المصير حالة استثنائية، على اعتبار أن "التعاطف" مع الإعلام التقليدي لا يزال قائما لأكثر من سبب، لكن الثابت مع ذلك وإن بالتدريج، أن المعلنين إنما يبحثون عن المنبر الذي يضمن لهم "نسبة مطاولة" أكبر وأوسع، والإنترنيت بهذه الحالة، أثبت أنه الأنجع والأقوى، بحكم انتشاره، وسعة مجال تغطيته، وكلفته المتواضعة (21).

لا تقتصر ميزات الشبكات الرقمية، بالنسبة للمعلنين، على الفضاء الذي باتت الشبكات إياها تغطيه بكل جهات العالم، حيث مجال اشتغال ذوات المعلنين بظل العولمة وانفتاح الأسواق، بل تتعداه إلى جانبين إضافيين اثنين، لا توفرهما المنابر الإعلامية التقليدية مباشرة، أو إلا بعد حين:

°- الأول ويتمثل في نجاعتها المباشرة (نجاعة الشبكات أقصد)، وقدرتها على إخبار المعلن عن عدد "المتلقين/المستهلكين"، الذي تصفحوا إعلانه من خلال الشبكة، إذ كل نقرة على يافطة المعلن بهذا الموقع أو ذاك، بهذا المحرك أو ذاك، هي علامة على حجم من اضطلع عليها، بعدد المرات، كما بمواصفات وجهة انتماء من تصفح، والمدة التي قضاها للاستخبار عن المنتوج أو الخدمة المعلن عنها.

°- أما الثاني، فيكمن في نجاعة ذات الشبكات، والمرونة التي تتمتع بها عند الحاجة إلى التحيين، التي قد يبديها المعلنون أو المشهرون لهذا السبب أو ذاك...وهو ما لا يمكن تداركه، أو تداركه بعسر أو بعد فوات الأوان، بالنسبة للمنابر التقليدية، سيما المكتوبة منها.

يبدو إذن أن النماذج الاقتصادية التي ارتكزت عليها المنابر التقليدية، ومكنتها من بلوغ أوجها، قد تراجعت إلى حد بعيد، وباتت الشبكات الرقمية ليس فقط عنصر زعزعة حقيقي لذات النماذج، بل وأيضا مكمن مخاطر كبرى للمنابر التي لا تزال تراهن عليها.

ا-3- امتطاء المنابر التقليدية لناصية الشبكات الرقمية

من المبالغة حقا الادعاء، بأن لجوء العديد من المنابر التقليدية، المكتوبة أو المرئية أو المسموعة، بطريقة كاملة (عبر تحولها إلى منبر ألكتروني قائم الذات)، أو بطريقة جزئية، بالإبقاء على الصيغة الورقية، بالموازاة مع التواجد على الشبكة، من المبالغة القول إن الأمر يشي بالموضة، أو بسلوك للهروب إلى الأمام، أو تطلع ما لإنقاذ ما لا بد من إنقاذه، أمام "الطوفان الرقمي" المتصاعد.

قد يبدو الأمر كذلك لأول وهلة، إلا أن ملاحظة واقع الحال، وتحليل سيرورة تفاعل المنابر الإعلامية في الزمن والمكان، إنما يبينان أن ثمة ثلاثة معطيات موضوعية ثابتة، لم يعد هناك من مجال للمكابرة بشأنها، أو التجاوز على الضغط الثاوي خلفها:

°°- الأول، ضخامة الاستثمار الصناعي الذي تستوجبه عملية "الإنتاج" بالمنابر الإعلامية التقليدية، ليس فقط فيما يخص رأس المال القار المفروض ضخه في العملية، بل وأيضا فيما يرتبط بالمدة الزمنية الضرورية لاسترداده. كل الإشكالية هنا مرتبطة بنجاعة قرار الاستمرار في الاستثمار "الثقيل" (22)، في منابر يطاولها التجاوز تدريجيا، بالقياس إلى واقع حال سمته الأساس تزايد منافسة وتنافسية الشبكات الرقمية.

°°- أما المعطى الثاني، فيرتبط بمسألة نقط التوزيع، فيما يخص الصحافة المكتوبة (كما المجلات والدوريات وما سواها) والتكاليف المترتبة عن ضرورات تزويدها بانتظام، وبمجال جغرافي تتزايد طلباته ومتطلباته بتزايد سعته. هذا الإكراه غير قائم بالمرة بالنسبة للشبكات الرقمية، حيث يقوم كل حاسوب مرتبط بذات الشبكات، مقام "نقطة" التوزيع أو البيع، دونما ضغوطات الزمن، أو إكراهات تغطية كل المجال الجغرافي.

°°- المعطى الثالث ويكمن، كما سبقت الإشارة لذلك، في قدرة الشبكات الرقمية على ضمان الآنية في إيصال المعلومة والخبر، ومرونتها الكبيرة في توفير عنصر التشاركية والتفاعلية، الذي لا تمكنه المنابر الإعلامية التقليدية، أو لا تمكنه إلا في حدود معينة.

كل هذه العناصر تعطي الانطباع بأن مستقبل المنابر التقليدية إنما بات مهددا وإلى حد كبير (إنه "موت الصحافة" يقول بعض المستشرفين). إلا أن المعطيات الإحصائية بالعديد من الحالات، إنما تبين بجلاء أن الشبكات إياها، قد تحولت إلى حافز قوي لدى عدد من المنابر، لولوج عالم الشبكات، وتكييف نموذجها الاقتصادي مع تحديات ذات العالم ورهاناتها.

والقصد، بهذه النقطة، إنما القول بأن العديد من المنابر التقليدية قد بدأت تلج مجال الشبكات، وبدأت ترفع من درجة ومستوى تواجدها بها، من خلال عرض مضامين جديدة ومتنوعة، بالقياس إلى الصيغ الورقية المعمول بها لديها، من عقود عديدة مضت.

ولعل المستوى الأول في ذلك، قد تمثل في استعادة مضامين وشكل الجريدة الورقية، ووضعها على الشبكة كما هي. إلا أن الإشكال الذي من شأنه أن يقوم هنا، كامن في المفارقة التي قد تترتب على صورة منبر مجاني بالشبكة، ومؤدى عنه بأرض الواقع، أي بنقط التوزيع والبيع المادية.

لهذا السبب، وهذا مستوى ثان، عمدت العديد من المنابر إلى تجاوز هذه المرحلة "البدائية"، وإن كانت ضرورية، عبر تطعيم مواقعها بالشبكة بمضامين خاصة، حيث تعمل هيئة تحرير الصحيفة الألكترونية، على إضافة مقالات وصور وروابط مع مواقع أخرى، سيما مع مواقع وكالات الأنباء الوطنية أو الدولية.

أما المستوى الثالث، فقد تم تكريسه بلجوء العديد من المنابر "التقليدية" أيضا، إلى اعتماد سبيلين إضافيين اثنين: إدماج المضامين المتعددة الأقطاب في قطب واحد، يمرر بالتزامن وبالآن معا، للكلمة والصوت والصورة والفيديو، ثم تطوير وظائف الجيل الثالث للإنترنيت (جيل الويب 2.0)، حيث إغناء المضمون الرقمي بما ينتجه المبحرون "الهاوون" من مواد ومحتويات.

من هنا، بات بإمكان متصفح مواقع الجريدة اليومية أو الأسبوعيات أو المجلات، أن يطلع على المقالات المدرجة، وأن ينصت للإذاعة أو يشاهد التلفزة، أو يقوم بتحميل أفلام سينمائية أو سلسلات إذاعية، وما سوى ذلك.

ولعل قبول العديد من المنابر الإعلامية التقليدية بتواجد مدونات على مواقعها، أو روابط مع مواقعها الأساس، يمنح الصحفيين وهيئات التحرير سبل التواصل والتفاعل مع زوار مواقعهم، والرفع من منسوب "ثقافة القرب" التي يرفعها هذا المنبر أو ذاك، أو التي تسعفه في قياس مستوى الزيارات، التي تتوجه للمنبر إياه، وهكذا (23).

اا- الإعلام بالشبكات الرقمية: أي نموذج اقتصادي؟

بالبدايات الأولى للشبكات الرقمية، لم تتعامل المنابر التقليدية مع شبكة الإنترنيت إلا في كونها أداة جديدة للتوزيع، من شأنها توسيع مجال رواج المضامين المتوفرة بشكلها الورقي "البدائي". إلا أن ذات الشبكة سرعان ما تحولت نفسها، وبالتدريج، إلى "وسيلة إعلام" قائمة الذات، تشربت بمعظم خصائص ومميزات وسائل الإعلام الأخرى، مع تطعيمها بوظائف ونوافذ جديدة، تعطي ذات الشبكة وضعا مستقلا، وإلى حد بعيد.

لم تعد الشبكة من هنا، مجرد حامل لمضامين المنابر التقليدية وخدماتها (بصورة الويب أو بصيغة البي.دي.إف)، بل تحولت بظل ظرف وجيز، إلى بنية قائمة، لها مميزاتها وآليات اشتغالها. إلا أن السؤال الجوهري إنما يكمن في قدرة المجموعات الإعلامية على ضمان الاستمرارية بالشبكات، وأيضا قدرتها على مواجهة منافسين متعددين، متنوعي النشاط، وأقوياء فضلا عن ذلك.

اا- 1- عن مردودية المعلومة بالفضاء الرقمي

إذا كانت العديد من المنابر الإعلامية (المكتوبة منها تحديدا) قد استطاعت امتطاء ناصية الشبكات الرقمية، وتحقيق أرباح لا بأس بها من بين ظهرانيها، فإن الثابت أن حصة ما تتحصله من ذات الشبكات، يبقى ضئيلا ضمن رقم معاملاتها العام، سيما وأن النماذج الاقتصادية المستخدمة لم يتسن لها الاستقرار بعد، حتى يكون بالإمكان الارتكان إليها.

معنى هذا أن تصميم وتطوير شبكات جديدة، إنما يتطلب استثمارات إضافية لبنائها وصيانتها. كما أنه على الرغم من أن التقنيات الرقمية تسهم كثيرا في التقليص من تكاليف التصنيع والتوزيع، فإن تكاليف إقامة موقع على الإنترنيت مثلا ليست هينة، ولا هي بالبسيطة دائما، على الأقل من زاوية تكوين وإعادة تكوين فرق العمل، وتكاليف الإعلان، وأيضا الحاجة إلى إعادة النظر في ذات الموقع بانتظام، ولربما بناء مواقع أخرى بالتوازي مع القائم منها.

لو أضفنا إلى ذلك ضرورة تطوير أشكال الترويج، من تقنيات بيع وإعلان، وتقنيات رصد ومتابعة، مع ما يتطلبه ذلك من مصاريف إضافية لاستقطاب زوار جدد، أو اقتناء أدوات فعالة للترويج للموقع بمحركات البحث الكبرى، فإن المحصلة ستكون، من منطلق التكاليف، مشابهة لمنطق إنتاج المضامين، ولربما أكثر، لو كانت ذات المضامين ذات طبيعة مالية أو اقتصادية، الطلب عليها هام وحاد.

صحيح أن المجموعات الإعلامية الكبرى تلجأ لفرق عملها المتواجدة (من صحفيين وأعضاء هيئات تحرير، وما سواهم) تلجأ إليها لتطعيم مواقعها بالمواد، والتقليص من تكاليفها القارة، إلا أن إعادة ترويج ما هو متاح بالصيغة الورقية مثلا (24)، غير كاف بالمرة، في ظل ظهور التطبيقات الجديدة من قبيل الويب الثاني، أو الطلب المتزايد على مضامين الفيديو، أو المضامين المميزة التي باتت مطلوبة بقوة متزايدة. معنى هذا عمليا، أن المجموعات الإعلامية باتت مطالبة بخلق رئاسة تحرير "رقمية" قائمة الذات، مهمتها الاشتغال على صياغة وصيانة المضامين المفروض إقحامها بالشبكة.

من جهة ثانية، فإن محدودية المردودية بتواجد المنابر الإعلامية التقليدية على الشبكات الرقمية، لا تتحدد فقط بمستوى التكاليف القارة، المرتفعة نسبيا بمرحلة الانطلاق، بل وأيضا بضعف الإشهار الذي تتحصل عليه المنابر إياها من خلال ذات التواجد.

ضعف الإشهار، بهذه الجزئية، لا يأتي فقط من تواضع الأسعار المطبقة بالشبكة، ولكن أيضا من تركز مصاريف ذات الإشهار وتمحورها حول الفاعلين الكبار، سيما محركات البحث الشهيرة (25).

أما عن السر في ضعف أسعار الإشهار بالشبكات الرقمية، فمرده وفرة المجال وسعته، وغياب إكراهات فضاءات الإعلان، وأيضا سبل قياس مدى التردد على هذه اللوحة الإشهارية أو تلك. بزاوية تمحور الإشهار حول محركات البحث الكبرى، فإن الدراسات المتوفرة تقدر ذلك بما نسبته 30 إلى 50 بالمائة لفائدتها، فيما الباقي المتبقي فقط يذهب للمواقع الأخرى، وضمنها محركات البحث الأقل شهرة.

من هنا، فإن المواقع الألكترونية التي تقترحها المقاولات الإعلامية إنما ترتكز على استقطاب "الجمهور"، بالارتكاز على المضامين المجانية، ومع ذلك فهذا لا يبدو كافيا لحمل ذات الجمهور على تصفح العروض الإشهارية التي تقدمها ذات المواقع، أو تدفع بها بصفحات استقبالها الأولى.

بهذه الظروف، توضع قدرات هذه المقاولات على المحك: محك قدرتها على توفير المضامين بالشبكة، ومحك قدرتها على تطويع النموذج القائم على المجانية، وإخضاعه لمبدأ الأداء، وإن بصورة جزئية. فكان الحل المؤقت، المعتمد من لدن بعض المنابر المكتوبة، كالتالي: مجانية المواد العامة، وإخضاع المضامين المتخصصة للأداء، وإلا في الحالات الأخرى، فإن زوار ذات المواقع قد يتحولوا عنها، فيبقى ما يقدمونه من وعاء إشهاري، غير كاف لتغطية التكاليف.

صحيح أن العديد من المنابر الإعلامية تفرض رسوما على موادها بالأرشيف مثلا، أو على تلك المصنفة ضمن الخدمات المميزة والخاصة (افتتاحيات كبار المحللين، ملفات خاصة...الخ). وصحيح أن منابر أخرى تضع كلا أو جزءا من موادها ضمن مجال المجان، إلا أن الإشكالية تبقى مع ذلك مطروحة وبقوة: إشكالية فك معضلة المجاني والمؤدى عنه بالشبكات الرقمية، وبمقدمتها الإنترنيت.

اا-2- مسألة المنافسة الإعلامية بالشبكات الرقمية

تختلف المنافسة بالشبكات الافتراضية، عن مثيلاتها ب"الشبكات" الإعلامية الواقعية، إذا لم يكن بجهة الطبيعة والحدة، فعلى الأقل من وجهة نظر تعددية الفاعلين الرافعين للواء ذات الممارسة.

إن المنافسة التي تواجه المنابر الإعلامية "التقليدية"، والتي اعتمدت خيار ولوج الشبكة، هي منافسة عنيفة، وفاعلوها لا يحتكمون لنفس مقاييس القوة والضعف، إذ هي تضع وجها لوجه، البوابات العامة، ذات الصيت الذائع، ومحركات البحث الضخمة، والفاعلين "الهواة"، الذين يشتغلون بأفق بيع خدماتهم وبرامجهم، وملايين المواقع غير التجارية والشخصية، التي يثوي خلفها أفراد عاديون، أو مؤسسات غير ذات وزن كبير بالسوق.

كل هؤلاء "الفاعلون الرقميون" يقدمون عروضا معلوماتية ميزتها الوفرة والتنوع، لا قبل لمؤسسات الإعلام التقليدية، حتى الأقوى ضمنها، لا قبل لها بمنافستها، أو مجاراتها، أو مسايرتها، أو مضاهاتها، أو السير وفق وتائرها، أو المراهنة على التميز بوجودها.

ثم إن المنافسين الجدد، سيما الصغار ضمنهم، ليس لديهم تكاليف باهظة المفروض استرجاعها، أو فواتير صناعية تنتظر السداد، أو طواقم تحريرية تستوجب التغطية الاجتماعية، وما سوى ذلك. إنهم يفعلون في فضاء شاسع ومفتوح، قد تصل به السلوكات والأفعال لحد تحالف الكل مع الكل ضد الكل. المنافسة الممارسة على المنابر التقليدية، والمكتوب منها تحديدا، إنما هي إذن على أشدها، وستزداد حدة بمرور الزمن.

 بصلب كل ذلك، ثمة منافسين اثنين آخرين، لا يقلان عن المنافسين الآخرين قوة وشراسة، ويتعلق الأمر بمنافسة الإذاعة والتلفزة، اللتان بدأتا تغزيان عالم الشبكات الرقمية، وتتموقعان بها بالتدريج.

هناك اعتباران اثنان يجعلان من الإذاعة والتلفزة عاملي منافسة قوية لباقي المنابر، على شبكة الإنترنيت وبكل الشبكات الرقمية الأخرى:

°°- الأول، فلأن هاتين الوسيلتين تتمتعان بصورة ومصداقية كبيرين، سيما في زمن بات للصورة فيه وقع أساس (26).

°°- أما الاعتبار الثاني، فلأنه بمقدور هاتين الوسيلتين، وعكس المنابر المكتوبة، تقديم خدمات هي من صلب نشاطهما، وبالمجان فضلا عن ذلك (كما الحال مع الصورة والفيديو)، حيث لهما البنية الإنتاجية، والكوادر البشرية القادرة والمتمكنة، ناهيك عن السيولة المالية التي يتمتعان بها، وتمنحهما الحد الأدنى من الأمان أمام المنافسين.

بالتالي، وعلى الرغم من اشتداد المنافسة بالشبكات الرقمية، وصعوبة التنبؤ بما قد يترتب عنها بالمدى المنظور، فإن وضع كل منبر إنما يتحدد بالقياس إلى مصادر القوة المتوفرة لديه، إلى درجة تهيؤه لمواجهة تحديات "الوافد الجديد"، وكذلك إلى استراتيجيات التموقع أو التحالف أو الاندماج، التي يعمد إليها مع هذا الفاعل "المجاور" أو ذاك.

ويبدو هنا أن التقنية الرقمية، التي استطاعت خلق لغة موحدة لقطاعات الإعلام والمعلومات والاتصال، فدفعت بالعديد من روافدها للانصهار، هذه التقنية بدأت تدفع وبقوة، بجهة تكامل هذه الروافد، بزاوية إنتاج المضامين وترويجها، عوض الاقتصار على تكامل البنى والشبكات.

ااا- الإعلام بين رهانات الشبكات الرقمية ومخاطرها

الشبكات الرقمية، وفي مقدمتها شبكة الإنترنيت، ليست بنى تحتية محايدة، أو حوامل "عادية"، وظيفتها الأساس نقل المعلومات والبيانات والمعطيات، بكل أشكالها وأنواعها وأحجامها بين جهة أو جهات باثة، إلى جهة أو جهات مستقبلة. إنها ذلك دون شك، لكنها بالآن ذاته، شبكات اجتماعية، تسهم بقوة في تأثيث الفضاء العام، تشكيلا أو إعادة تشكيل.

ااا- 1- في إشكالية حرية التعبير بالشبكات الرقمية

ليس ثمة من شك أن حرية التعبير إنما هي عنصر أساس لكل ديموقراطية، وأن التشريعات واللوائح والقوانين، غالبا ما تحدد بالقياس إلى هذا المبدأ. بصلب كل ذلك، يمثل مبدأ الوصول للمعلومة والحق في الحصول عليها، وتقاسمها، والإفادة منها، مبدأ مركزيا لتكريس قيم المواطنة والحرية، وتجسيد الحقوق المدنية والسياسية.

إذا سلم المرء بتوافر هذه المبادئ، لتأطير فضاء اشتغال المنابر الإعلامية التقليدية، فإنه سيسلم بالآن ذاته، بأنها باتت تجد لها من مدة فضاء إضافيا جديدا، من بين ظهراني الشبكات الرقمية. ولعل أهم ما حملته هذه الشبكات بالنسبة للحرية الإعلامية، إنما إعادتها لصياغة عناصر الإشكالية المطروحة، على ضوء واقع الانتقال من محيط ندرة عرض المعلومات، إلى محيط وفرة عرضها بقوة غير مسبوقة (27).

فعلى العكس من طباعة جريدة، أو إقامة محطة إذاعية أو تلفزية، حيث التكاليف مرتفعة، والإكراهات التقنية والقانونية صارمة، فإن تصميم موقع إخباري على شبكة الإنترنيت لا يتطلب الشيء الكثير بالنسبة لإعلامي مبتدئ، اللهم إلا التوفر على حاسوب مرتبط بالشبكة، وعلى البرمجيات المناسبة لتشغيل ذلك. ثم إن الحصول على المعلومات والأخبار بالشبكات الرقمية، أضحى أمرا هينا، شريطة الاحتكام على أدوات البحث الناجعة، والتمرس على ولوج المواقع المتخصصة في هذا الجانب أو ذاك (28).

لم تعد إشكالية النفاذ للمعلومات، أو ولوج بنوك المعطيات أمرا مستعصيا، مادامت هذه المعلومات والبنوك متوفرة "على الخط" وبغزارة، بقدر ما تحولت الإشكالية إياها إلى إشكالية قيمة هذه المعلومات، ومدى دقتها. بالتالي، فإن جانب الصعوبة في هذا الجانب، إنما كيفية الحصول على المعلومة، والتأكد من صحتها، ومقارنتها، والاطمئنان إلى مصادرها، في محيط باتت المصادر، وطرق إنتاج المعلومات غير معروفة دائما (29).

فعلى النقيض من وسائل الإعلام التقليدية، التي بنت نشاطها وجزءا كبيرا من مجدها، على قواعد "أخلاقية" صارمة، فإنه بات بمقدور المرء، زمن الشبكات الرقمية، تصميم موقع أو مدونة، يضع بها من المعطيات والمعلومات ما يشاء، حتى وإن كانت خاطئة، أو مجرد إشاعات، أو أنصاف حقائق، دونما أن تكون هناك "مصفاة" لتنقية ذلك، أو ممارسة الرقابة عليه، فما بالك منعه، أو الحيلولة دون انتشاره على نطاق واسع.

هذا الرهان، يقول تقرير فرنسي محكم، بات رهانا ضخما، في ظل انفجار المضامين التي يقدمها المستعملون، بما فيها مواقع الإعلام بالشبكة. ويتساءل ذات التقرير قائلا: "ما السبيل لمعرفة أن معلومة ما، بمدونة ما، حول هذه الشخصية أو تلك، دونما ذكر المصدر، ما السبيل لمعرفة كيف جمعت ورتبت؟ كيف السبيل للتأكد من أن فيديو ما، على موقع دايلي موشيون، لم يكن مكمن تركيب، من شأنه تحريف أقوال الشخصيات التي تظهر فيه؟ كيف التيقن من أن عناصر مقال بويكيبيديا هي عناصر دقيقة؟ كيف السبيل للتحقق من أن الصور التي تظهر على فليكير أو واط أو سكايبلوغ، لم يتم اختلاقها؟" (30)، وهكذا.

إن القصد هنا إنما القول بأن المبحر بالشبكات الرقمية، وبمقدمتها حاليا شبكة الإنترنيت، إنما هو بإزاء أحجام ضخمة من النصوص، والصور الثابتة والحية، دونما أن يكون مصدرها مثبتا، أو صدقيتها موثقة. يقول المدير العام المساعد لمجموعة وست فرانس الجهوية بهذا الصدد: "إن الخطر الحقيقي يكمن في الخلط بين النصوص والصور، التي تروج دون حدود وخارج كل سياق، بمواقع كموقعي ماي سبايس ويوتوب... إنه في ميدان الإعلام، ليس ثمة ربع أو نصف حقيقة، ولكن معطيات مؤكدة وأخرى خاطئة" (31).

وعلى هذا الأساس، فإن الرهان الحقيقي القائم، بظل طفرة الشبكات الرقمية، إنما يكمن بتصورنا، في طرق وآليات التعامل مع هذه الأخيرة، ليس فقط من باب محورية الإعلام بكل سياق ديموقراطي، ولكن أيضا لأن شبكة كشبكة الإنترنيت، معولمة الطبيعة والطبع، من شأنها "إفقار نوعية المعلومات التي يحتاجها كل نقاش ديموقراطي" (32)، ناهيك عن الحق في الإعلام والاتصال الذي شارف، بأكثر من بلد، على أن يكون حقا من حقوق الإنسان الأساس.

ااا- 2- مستقبل الإعلام في سياقات المحيط الرقمي

إذا بات من الثابت اليوم، أن الشبكات الرقمية قد خلخلت بقوة طبيعة الإعلام، وخلخلت أدوات اشتغاله، والنماذج الاقتصادية التي انبنى عليها لعقود عديدة انصرمت، فإنها أضحت بالآن ذاته، وسيلة ناجعة لإعادة تموقعه، وإعادة النظر في خياراته واستراتيجياته، بالمديين المتوسط والبعيد.

وعلى هذا الأساس، فإن الإعلام إنما بات مطالبا بالاشتغال وفق ثلاثة مسارات رئيسية، قد تبدو متنافرة في المظهر، إلا أنها متكاملة بقوة في الجوهر:

+ الأول كامن في مبدأ التكاملية بين المضامين الرقمية، وتلك التي لا تزال تعتمد خيار الحامل الورقي. قد تكون ثمة تباينات في الطريقة والصيغة، إلا أن المبدأ قائم، بل وبدأ تفعيله من لدن أكثر من منبر إعلامي.

+ المسار الثاني متمثل في تثمين العلائق الاقتصادية والتقنية بين الحاملين (الرقمي والورقي)، وكذا العلائق مع الحوامل الأخرى، من إذاعة وتلفزة وبنى الاتصالات الخليوية وما سواها. بهذه النقطة أيضا، يبدو أن التحالفات الملاحظة من مدة بين أكثر من فاعل، إنما تصب في ذات الاتجاه، حتى وإن بدت وتيرتها بطيئة وينتابها التردد.

+ أما المسار الثالث فمتمحور حول سبل حسم إشكالية الرسوم والأسعار، أي إشكالية المجاني والمؤدى عنه، بفضاء رقمي سمته الأساس المنافسة، وضيق مجال المناورة. هي مسألة مرتبطة أصلا بالنموذج الأمثل المراد إقامته، إلا أن الحسم يتجه بجهة حتمية تحديد نسبة هذا وذاك من لدن كل منبر، وبالفضاء الرقمي عامة.

صحيح أن كل أشكال الإعلام التقليدي لا تخضع بالضرورة لنفس الإكراهات، حتى يكون بالإمكان إخضاعها لهذا المسار أو ذاك، لكن المؤكد أن كل المنابر مطالبة بالتكيف والتأقلم مع التحديات المتزايدة، التي ترفعها الشبكات الرقمية بوجهها.

بالتالي فلو كان لنا أن نحصر الاهتمام هنا بجانب الصحافة المكتوبة، المعرضة أكثر من غيرها للتحديات الرقمية، لوقفنا حتما عند مجموعة محاور، تبدو لنا أساسية، على الأقل من زاوية طرح الإشكالية:

°°- المحور الأول: تأمين الحماية القانونية لنمو الصحافة بالفضاء الرقمي. بهذه النقطة، يبدو أن حقوق الملكية الفكرية وحقوق المؤلف، غالبا ما تكون هي حجر العثرة الكأداء، ولو المؤقت، أمام إعادة نشر المواد الواردة بالصيغة الورقية على الحامل الرقمي، اللهم إلا إذا تم التوافق بهذا الشأن، بين مالك المنبر المكتوب والصحفيين العاملين به، أو المتعاونين معه، على أساس تجاوز ثنائية الورقي والرقمي، واعتبار عمل الصحفيين مثلا، عملا مندمجا، للإدارة كامل الصلاحية في نشره بهذا الحامل أو ذاك (33).

من جهة أخرى، فإن القوانين والتشريعات القائمة بهذا البلد أو ذاك، باتت مطالبة بمصاحبة عمليات اندماج المجموعات الإعلامية التي تتغيأ تنويع مضامينها، واعتماد استراتيجيات متعددة الأقطاب، أو عمليات التحالفات القطاعية، أو ما سوى ذلك.

°°- أما المحور الثاني فيتمثل فيما يمكن أن نسميه "حمل" قيم الصحافة للفضاء الافتراضي، كليا أو جزئا. القصد هنا ليس تطويع النموذج القائم، كي يواكب مستجدات شبكات رقمية مرنة، سريعة ومعولمة. وليس القصد أيضا التغافل على "تجاوزات" ذات الشبكات، حيث انفجار المضامين دونما تراتبية تذكر، أو هيكلة أو مراقبة، من شأنه جعل المبحر عرضة ل"تلوث" إعلامي مستهجن بكل المعايير.

القصد هنا إنما سلك "الطريق الذي سلكته الصحافة المكتوبة، وعممته على الإذاعة والتلفزة، والمتمثل في الحفاظ على التعددية، ونوعية المعلومات بالشبكات الرقمية" (34)، أي أن يعمد إلى تشجيع ذات الصحافة على امتطاء ناصية الشبكات، لنشر القيم المتعارف عليها من بين ظهراني الفاعلين فيها، أو الموظفين لبناها التحتية.

ليس التلميح هنا فقط إلى ضرورة إعادة النظر في نظام الرسوم ومبدأ الأداء، الذي تفرضه الصحافة المكتوبة المؤدى عنها بالإنترنيت، بغرض تشجيع المقاولات الإعلامية على تكثيف تواجدها بالشبكة، بل وأيضا إلى اعتبار أنه من شأن الأداء بالشبكة، كائنة ما تكن مستوياته، تشجيع ذات المقاولات على التواجد بالشبكة، وإلا فدونها ودون ذلك الانسحاب منها، تحت ضغط التكاليف، وبالتالي فسح المجال لفاعلين محدودين، قد لا يتوانوا في ترويج النمطية في أقصى صورها: "ليس المطلوب هنا تقويض نموذج المجانية، بقدر تحسين تنوع العرض، من خلال دعم العروض المؤدى عنها"، وهو مطلب "غايته التعددية عوض نزعة ما لدعم قطاع محدد" (35).

°°- أما المحور الثالث، فيكمن في ضرورة الانتباه إلى ما بات يسمى، بظل الشبكات الرقمية، ب"الصحفيين المواطنين"، الذين أفرزتهم أجيال الإنترنيت المتتالية، سيما انفجار الويب 2.0، ومواقع دايلي موشين، ويوتوب وما سواها. هم ليسوا صحفيين مهنيين، بقدر ما هم أشخاص عاديون، لكنهم "يلعبوا دورا نشطا في عملية جمع وبث وتحليل ونشر الأخبار، والمعلومات بصورة عامة" (36).

ولما كان الأمر جديا وإلى حد بعيد، على اعتبار جدية "الوافدين الجدد"، فإن الإشكال الواجب طرحه إنما ضرورة الانتباه لوضع هؤلاء من الناحية الاعتبارية والمادية، سيما بالنسبة للمنابر الإعلامية التي تتطلع للمراهنة على الشبكة كرافد من روافد أنشطتها المستقبلية، أو بالنسبة للحكومات التي تراهن على جعل الشبكات إياها فضاء للتباري الديموقراطي، المدني والسياسي (37).

وإذا ما توفرت لدى هؤلاء القابلية على احترام أخلاقيات المهنة (أعني إعلان المصادر وتوثيقها، والإتيان بها من الأصل وغربلتها)، فإن المفروض أن يواكب التشريع ذلك، سيما وأن بعض الدراسات الاستشرافية تؤكد بأن مستقبل الإعلام والإعلاميين، إنما يتحدد على محراب الشبكات الرقمية...وإلى حد بعيد.

- على سبيل الختم: أي حدود للإعلام في ظل طفرة الشبكات الرقمية؟IV

ليس من الدقة في شيء الادعاء بأنه من شأن الشبكات الرقمية أن تلغي المنابر الإعلامية التقليدية، أو تدق مسمار نعشها الأخير، كما قد يتبادر إلى ذهن البعض. وليس من الدقة الادعاء أيضا بأنها ستسقطب جمهور تلك المنابر، وتجفف وعاءها الإشهاري، وتقوض نماذجها الاقتصادية، وتطعن في منظوماتها التحريرية، لدرجة قد تدفع مدها للانحسار، وبناها المادية والبشرية للتهاوي بمرور الزمن.

إن الذي يبدو ماثلا أمامنا اليوم، إنما تجاذب الواقعي والافتراضي بمجال إعلامي استقرت ولمدة طويلة، نماذجه الاقتصادية، وقيمه الذاتية، وأخلاقياته المهنية، وبات بظل كل ذلك، بمنأى عن كل تهديد من داخله، أو من المحيط المباشر له.

بالتالي، فإن حدود الإعلام التقليدي إنما بدأت تتقلص لفائدة "وافد جديد"، لا يعرف الحدود ولا يخضع للمتاريس، ولا يسري عليه من القوانين والتشريعات ما يسري على ذات الإعلام، حيث النصوص صارمة، والخطوط الحمر، المباشرة أو عبر الرقابة الذاتية، قائمة ومثبتة.

إن الشبكات الرقمية فسحت في المجال شاسعا أمام الإعلام التقليدي "لإعادة انتشاره"، وتوسيع مجال فعله، ومطاولة جمهور مستهلك، لا يعير المعايير الوطنية كبير اعتبار. لكنها، بالآن ذاته، ضيقت من آفاقه بأكثر من جانب، سيما بجانب فرضها لثنائية المجاني والمؤدى عنه، التي لم تكن من مجال المفكر فيه حتى، حينما كانت الصحافة المكتوبة والمرئية والمسموعة في أبهى عصورها.  

الإعلام التقليدي، بهذه النقطة، مطالب ليس فقط بضرورة إعادة النظر في النموذج الاقتصادي، الذي انبنى عليه لعقود طويلة مضت، وليس فقط بضرورة حسم خياراته بإزاء الجمهور المراد بلوغه. إنه مطالب أيضا بصياغة نظام جديد متعدد الأقطاب، يمرر للصوت والصورة والكلمة والفيديو، في حامل واحد، مادامت التقنيات الرقمية قد مكنت ذلك، وفرضته على وسائل الإعلام التقليدية بقوة واقع الحال.

من جهة أخرى، فحدود الإعلام بظل الشبكات الرقمية، لم تعد تسائل البعد التقني أو الاقتصادي أو التجاري فحسب، بل تجاوزته لتسائل منظومة القيم المفروض استنباتها بسياق رقمي سمته الأساس، وفرة المعلومات والمعطيات والبيانات، وأيضا تعدد مصادرها، وتباين مستويات الدقة والحقيقة من بين ظهرانيها، وتعدد الحوامل المنتجة لذلك، من مواقع مؤسساتية، ومدونات شخصية، ووظائف جديدة حملتها الأجيال المتعاقبة للأنترنيت، وهكذا.

وعلى هذا الأساس، فإن حدود الإعلام بداية هذا القرن، إنما تحددها، بنظرنا، ثلاثة معطيات كبرى، من المفروض أن توضع في سياق صيرورة كل وسيلة إعلام على حدة:

+ الأول، معطى تقني صرف، المفروض فيه أن يأخذ بعين الاعتبار مدى نجاح التقنيات الرقمية في دمج قطاعات الإعلام والمعلومات والاتصال، ولا يصرف النظر عن حقيقة تمييع الحدود بين المهن والوظائف، التي حملها هذا المعطى مع جيل الإنترنيت الأول، وما سيحملها قطعا مع الأجيال الحالية كما اللاحقة.

هو معطى موضوعي ضاغط على كل وسائل الإعلام، لكنه بالآن معا، عنصر دافع لاستراتيجيات كل وسيلة في الاندغام أو الاندماج أو التكامل مع ما سواها من وسائل، لضمان اقتصاديات سلم معتبرة، وللحيلولة دون بروز منافسة، قد لا يسلم من تأثيراتها، إذا لم يكن من عنفها.

+ المعطى الثاني، معطى اقتصادي حاد. ومفاده قدرة المقاولات الإعلامية على المزج الرصين والدقيق بين ثنائية المجاني والمؤدى عنه بالشبكات الرقمية، وبالإنترنيت تحديدا.

هو معطى ضاغط أيضا، ليس فقط بحكم نضوب الوعاء الإشهاري، وتراجع المقروئية ونسب الاستماع والمشاهدة، ولكن أيضا بحكم بروز مجموعات إعلامية ضخمة، تتطلع إلى احتكار الأسواق، ودفع المقاولات الصغيرة والمتوسطة إلى الإفلاس المؤكد، إن هي لم تتساوق وحركية ذات الأسواق.

+ أما المعطى الثالث فهو معطى مؤسساتي خالص، بزاوية الجهة المفروض أن تواكب هذه الحركية الإعلامية، وهذه التحولات البنيوية، وتعمد إلى تحديد قواعد اللعبة في السوق المحيل عليها، شكلا وعلى مستوى المضمون.

 إن تحديد قواعد اللعبة الملمح إليه هنا، لا يقتصر على التقنين أو إعادة تنظيم ممارسة الفاعلين (38)، بل يجب أن يطاول بنية السوق، وطبيعة الفاعلين فيه.

والغاية بهذه النقطة، لا تكمن فقط في الحاجة إلى ضمان الحد الأدنى من الحرية والتعددية، ولكن أيضا في ضرورة العمل للحفاظ على الحد الأدنى للفضاء الديموقراطي، الذي لا مصلحة لأحد أن يقوض أو تقلص حدوده، بأرض الواقع...فما بالك بالشبكات الرقمية.

 هوامش الدراسة

(1)- راجع: يحيى اليحياوي، "الرأسمالية في محك التكنولوجيا، أو في النظام التكنولوجي للعولمة"، دار الأوائل، دمشق، يناير 2008. ثم، يحيى اليحياوي، "العرب والتكنولوجيا والتوزيع العالمي للمعرفة"، المركز العالمي لدراسات وأبحاث الكتاب الأخضر، طرابلس، يوليوز 2007.

(2)- هناك العديد من شركات تكنولوجيا الإعلام والمعلومات والاتصال التي غدت بحق شركات متعددة الجنسيات، لعل أشهرها على الإطلاق شركات مايكروسوفت، وهاوليت باكارد وآي.بي.إم وموطورولا وما سواها، لدرجة أن رقم معاملات بعض منها، يتجاوز بكثير، مجموع النواتج الداخلية الخام للعديد من دول العالم، بما فيها الدول المتقدمة.

(3)- تتحدد الثورة أو الطفرة الرقمية، بالاحتكام إلى تقنية الرقمية (أو الرقمنة) التي من شأنها تحويل كل المعلومات والبيانات والمعطيات، المكتوب منها كما المرئي كما المسموع، إلى سلسلة من البتات المتتالية، المكونة حصرا من الأصفار والآحاد، تعمل على خفض ضجيج الشبكات التشابهية التقليدية، وترفع من قدرة الشبكات على تحميل وإرسال أحجام ضخمة من ذات المعلومات. راجع لتحديد تقني أوسع:

Théry. G, «Les autoroutes de l’information», La Documentation Française, Paris, 1994.

(4)- هناك من يدفع بطرح حيادية التكنولوجيا، ويعتبر أن مجرد الإرسال لا يجب أن يطاول مسؤولية المتدخلين، أو مخزني المضامين تقنيا أو ما سواهم، على اعتبار أن التقنية برأيهم، إنما هي أداة للبث والإرسال، لا دخل لها بالمرة في طبيعة المضامين.

راجع الطرح النقيض للطرح أعلاه في:

Ellul. J, «Le Système technicien», Calmann-Lévy, 1977.

أما عن الفارق بين التقنية والتكنولوجيا، فهو أن الأولى عتاد وأجهزة، في حين أن الثانية أعتدة وأجهزة، ولكن أيضا معارف وثقافات. راجع في تفاصيل هذا الفارق:

يحيى اليحياوي، "في العولمة والثقافة والتكنولوجيا: مدخل إلى شبكات المعرفة"، دار الطليعة، بيروت، 2002.

(5)- للتفصيل في أطروحة "الفضاء العام"، راجع:

Wolton. D et Alii, «L’espace public», Ed. CNRS, Paris 2008.

(6)- راجع:

Castells. M, «The Internet Galaxy, Reflections on the Internet, Business and Society», Oxford University Press, 2001.

(7)- هناك طروحات عديدة تتساءل عمن ستكون له الغلبة في المستقبل، هل الحاسوب أم التلفزة. وخلفية ذات التساؤل إنما تتأتى من واقع تمرير الحاسوب المرتبط بالشبكات، لما تمرره التلفزة، وبتفاعلية شبيهة بأكثر من جانب.

(8)- وهو حال الفضائيات مثلا، حيث بالإمكان التقاط الآلاف من القنوات مجانا، أو بتكلفة بسيطة. وهو حال أجهزة وخدمات الاتصالات الخليوية أيضا، والتي تتراجع أسعارها بانتظام، بتزايد وظائفها.

(9)- حول أطروحتي التراكم والقطيعة بقطاع تكنولوجيا الإعلام والمعلومات والاتصال، راجع في التفاصيل:

El Yahyaoui. Y, «Les télécommunications à l’épreuve des mutations : Etat, monopole, déréglementation et concurrence», Ed. Okad, Rabat, 1995. 

(10)- ليس المقصود بالإفلاس دائما، إغلاق المؤسسة لأبوابها، بقدر ما قد يكون تذمر القراء منها وتبرمهم عنها، وبالتالي تراجع مبيعاتها ومداخيلها بانتظام، والعيش بالمحصلة على المكابرة كما يقال.

(11)- وفق دراسة قام بها مركز "بيو" للبحوث، انتقلت نسبة الأشخاص المستجوبين، الذين قرأوا جريدة يوما قبل الاستبيان، من 49 بالمائة سنة 1994 إلى 40 بالمائة سنة 2006. بالنسبة للمجلات، انخفضت هذه النسبة من 33 بالمائة سنة 1994 إلى 24 بالمائة سنة 2006. بنفس الوقت، انتقلت النسبة التي ارتبطت بشبكة الإنترنيت يوما قبل الاستبيان، من 4 إلى 53 بالمائة. أما بالنسبة لأوروبا، فقد بينت الدراسات أنه في العام 2003، كان الأوروبيون يخصصون نفس عدد الساعات للإبحار بالإنترنيت وللقراءة.

راجع للمزيد من تفاصيل هذه الدراسة:

The Pew Research Center for the People and the Press, Report, July 2006.

(12)- عن إشكالية الإنترنيت، هل هو شبكة تقنية أم وسيلة إعلام، راجع:

El Yahyaoui. Y, «Internet et société de l’information : essai sur les réseaux du savoir», Ed. Boukili, Kénitra, 2001.

(13)- راجع دراسة للكاتب:

« De l’accès à l’usage : éléments de débat», Communication au Symposium international «Le libre accès : défis et enjeux», tenu en marge du Sommet mondial sur la société de l’information, Centre National de Documentation, Rabat, 11-12 Décembre 2003.

(14)- ندرة المعلومات لا تتحدد دائما بالحجم، بل وأيضا بنوعية ذات المعلومات ومدى دقتها وصدقيتها.

(15)- راجع بهذه النقطة:

يحيى اليحياوي، " " الزمن العالمي والزمن العربي"، مجلة الشعب العربي، العدد 85، 11 يناير 1999".

(16)- راجع:

Castells. M, «The Internet Galaxy, Reflections on the Internet, Business and Society»,  Ouv. Précité.

(17)- النسبة شبه متقاربة: 40 و60 بالمائة بالتوالي للإشهار ولمنسوب المبيعات.

راجع: الجزيرة توك، "إعلام المواطن، سلطة خامسة"، منتديات الجزيرة توك، 23 نونبر 2008.

(18)- راجع في تفاصيل هذه النقطة:

Antoine de Tarle, «Presse et internet, une chance, un défi : enjeux économiques, enjeux démocratiques», En temps Réel, Les Cahiers, Paris, Octobre 2006.

(19)- Pey per view.

 أو نظرية الانتشار.-(20)

(21)- راجع:

Dan Gillmor, «We The Media: How audiences are shaping

the future of news and information?», July 2004.

(22)- سيما وأن تكاليف أدوات الطبع باتت متطورة أيضا، وبالتالي جد مكلفة، وتستوجب سحبا ضخما للاستفادة من اقتصاديات السلم التي تمكنها ذات التقنيات.

(23)- أنظر:

Tessier. M, «La presse au défi du numérique», Rapport, Ministère de la culture et de la communication, Paris, Février 2007.

(24)- في العام 2006، لم تستعد الصيغة الرقمية لجريدة لوموند الفرنسية، إلا 10 بالمائة من المادة بصيغتها الرقمية، مقابل 30 بالمائة ببداية العام نفسه.

(25)- بالولايات المتحدة، يهيمن على سوق المعلومات بالإنترنيت، مجموعة محدودة من الفاعلين، معظمهم إما مجمعي أخبار، أو قنوات إعلامية تبث دون انقطاع. بالتالي، فثمة ثلاثة مواقع إنترنيت تسيطر على السوق مداخلا ومخارج: إم.إس.إن.بي.سي.كوم، س.إن.إن.كوم، وياهو.كوم، متبوعة بغوغل وفوكس نيوز وغيرها. ببريطانيا، تتقدم القنوات التلفزية بقوة، على مواقع الصحافة المكتوبة.

(26)- أنظر: شاكر عبد الحميد، " عصر الصورة "، عالم المعرفة، العدد 311، يناير 2004.

(27)- يقول جون فيرنون بافليك، مدير مركز الإعلام الجديد بجامعة كولومبيا: "إن النفاذ للمعلومات الشاملة، والتفاعلية والمضامين المتعددة الأقطاب، هي مصدر التحولات الجوهرية الكبرى التي عرفها الإعلام بالقرن التاسع عشر". راجع في ذلك، كتابه:

 Pavlik J. V, «Journalism and new media», Columbia University Press، New-York, 2001.

(28)- ما معنى المقاولة الصحفية هنا، إذا كان مبتدئ ما، بمقدوره خلق مدونة يريد أن يحولها إلى وسيلة إعلام؟

(29)- أنظر بهذا الجانب: يحيى اليحياوي، "عن النفاد إلى المعلومات بالمغرب"، في "الحق في الاطلاع: الواقع العربي في ضوء التجارب العالمية"، منشورات الجمعية اللبنانية للشفافية (لا فساد)، بيروت، نونبر 2004.

(30)- أنظر:

Tessier. M, «La presse au défi du numérique», Rap. Précité.

(31)- أنظر:

Tessier. M, «La presse au défi du numérique», Rap. Précité.

(32)- وذلك على الرغم من الدفوعات التي تطالب بالنظر إلى الإنترنيت باعتباره فضاء ديموقراطيا، قبلما النظر في تجاوزاته الواقعية أو المحتملة.

(33)- أنظر للتفصيل في هذه النقطة:

Hadas.L, «Mission sur la mise en œuvre du droit d'auteur dans le cadre du statut de salarié de droit privé», Rapport, Ministère de la culture et de la communication, Paris, 2002.

(34)- راجع:

Tessier. M, «La presse au défi du numérique», Rap. Précité.

(35)- السؤال هنا هو في من سيقوم على ذلك: الدولة، أم وكالات التقنين، أم جهة ثالثة؟

(36)- لكن شريطة تمكين هؤلاء من بديهيات وتقنيات الصحافة، لا تركهم على عواهنهم.

(37)- عندما تعمد النظم الديموقراطية إلى ممارسة الرقابة على الإنترنيت، أو على الصحافة التقليدية، أو على مواقع الإنترنيت، فإنها تسلك مسلك البلدان الكليانية. المطلوب هنا كما هناك، إنما إعمال مبدأ الموازنة والتوازن بكل هذه المنابر، بين الحرية والمسؤولية والرقابة.

(38)- إن ارتفاع منسوب صبيب الإنترنيت هو بالمحصلة من ازدياد منسوب صبيب الديموقراطية. بالتالي، يبدو الأمر كما لو أن ثمة علاقة تزامنية بين ازدياد صبيب ذاك، وازدياد صبيب هاته.

* "إعلام الشبكاتمركز أسبار للدراسات والبحوث، عدد أكتوبر 2013. دجنبر 2013.

يمكنكم مشاركة هذا المقال