يندرج كتاب (العرب وشبكات المعرفة) الصادر عن دار الطليعة في بيروت، في نطاق ذلك الصنف من الفكر المتخصص في دراسة قضايا الإعلام والاتصال والتواصل، وكل ما يمت إليها بصلة من موضوعات ومضامين وأفكار، منها ما يقتصر على الإعلام وحده، ولا يتعداه إلى حقول معرفية أخرى، ومنها ما يوفق بين أكثر من حقل معرفي، يتقاطع مع الإعلام، كالسياسة والتربية والاقتصاد وغيرها. حتى صار البعد الإعلامي يحضر في أغلب البحوث والدراسات الإنسانية المعاصرة، نظرا إلى أهميته الفكرية والمنهجية القصوى.
أما الإعلام وما يرتبط به من قضايا، كالصحافة والاتصال والتكنولوجيا والإعلان ومختلف وسائط التواصل، لم ينشأ في الفكر العربي المعاصر، باعتباره تخصصا علميا وأكاديميا قائما بذاته إلا في العقود الأخيرة من القرن المنصرم، في حين إن ظهوره في الغرب كان أقدم من ذلك، حيث يمكن ربط إرهاصاته الأولى ببداية الطباعة والصحافة في منتصف القرن الخامس عشر، غير أن أغلب بحوث تلك المرحلة كانت ذات بعد تاريخي، وأنه كما لاحظ نورد نيلسون، أن معظم مؤرخي الصحافة لم يبذلوا الجهود لبناء نظرية الاتصال، فكانوا أقل اهتماما بالعملية الاجتماعية للاتصال.
وتتحدد أهم أفكار هذا الكتاب المتناول، من خلال العناصر الخمسة الآتية:
1. مفهوم تكنولوجيا الإعلام والمعلومات والاتصال.
2. واقع تكنولوجيا الإعلام والمعلومات والاتصال والفجوة الرقمية العربية.
3. أسباب تخلف هذه التكنولوجيا ونشوء الفجوة الرقمية في العالم العربي.
4. تداعيات التخلف وخلفياته.
5. البديل أو الرؤية المستقبلية.
هكذا يتأكد إذن أن ثمة "فجوة رقمية كبرى بين الدول الصناعية وبين الدول العربية، فيما يخص واقع حال الشبكة الهاتفية، كما واقع حال مرآب الحواسيب كما مستويات الارتباط بشبكة الإنترنت. وهناك فجوة مماثلة ما بين الدول العربية نفسها، أي بين بعضها البعض" (ص 88).
اختار الكاتب أن يطرح رؤيته الاستشرافية لما سوف تكون عليه هذه التكنولوجيا، سواء في المستقبل القريب أم المتوسط أم البعيد، حيث ربط كل مرحلة بمشهد أو سيناريو معين، ف المستقبل القريب الذي يتراوح بين ثلاث وخمس سنوات، لن تشهد فيه تكنولوجيا الإعلام العربية تحولا كبيرا على مستوى البنى الأساسية الكبرى، أو على مستوى السياسات المعتمدة في هذا المجال. هكذا فلن يتغير موقع العالم العربي ضمن خارطة التوزيع العالمي للمعرفة، حيث سيظل مستوردا للتقنيات، وتظل كفاءاته تهاجر، ولن يتمكن من إقامة بنية علمية وتكنولوجية ذاتية. أما المستقبل المتوسط المدى، فيتراوح بين 10 و15 سنة، يتوقع فيه الباحث اليحياوي أن تعمد الحكومات العربية إلى سن وتكريس بعض الإصلاحات فيما يتعلق بالحق في الإعلام، والمعرفة، والحريات الفردية والجماعية، خصوصا حرية النفاذ إلى المعلومات، وما يستتبعها من سياسات تجهيز وربط الجهات.
لكن العناصر الكبرى للإصلاح ستبقى دون التحديات المطروحة، كالتعليم والبحث العلمي والاستقلال التكنولوجي، في حين إن المستقبل البعيد، الذي يتحدد في ربع قرن أو ما يفوقه، يقترح له الباحث مشهد التغيير، الذي يرتكز على إعادة توزيع ثلاثية: الثروة والمعرفة والسلطة، لاسيما وأن العالم العربي ينطوي على مختلف الإمكانات المادية والعلمية، التي إن تضافرت وتكاملت، سوف تتأتى، لا محالة، أسباب النهوض وبواعثه. فدول الخليج تتوافر فيها قدرات مادية هائلة، لكنها تعوزها الخبرات الضرورية لبناء تلك المنظومة، فترتكن إلى النقل التكنولوجي، في حين إن العديد من الدول العربية، كدول شمال أفريقيا، تتوافر فيها قدرات بشرية هائلة، لكنها تفتقر إلى الإمكانات المادية والسبيل الأمثل.
ويقترح الأستاذ اليحياوي، لتجاوز واقع الحال هذا، دمج هذه الإمكانات في ظل منظومة علمية وتكنولوجية واحدة، أي على صعيد العالم العربي (ص 141).
موقع بلدنا اليوم، قيس مصطفى، 9 شتنبر 2008 (وضعت بالشبكة بتاريخ 7 يونيو 2009).
* "فجوة رقمية"، موقع بلدنا اليوم، وضع بالشبكة بتاريخ 7 يونيو 2009.