تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

العولمة الاقتصادية والديموقراطية: عناصر للنقاش

في ظل التقنية التي يشهدها العالم والتغيرات المتعددة، وعصر السرعة التي ربطت المعلومات بالأنترنت والمواقع الالكترونية، كوسيلة تختصر المسافات والأزمنة، وتوفر كل ما يحتاجه المرء، برزت المعادلة الصعبة بين الأنترنت والمنشورات الورقية، لكن هل تغني المواقع الالكترونية عن الكتاب الورقي؟ أم تظل الكتب والمطبوعات أفضل وسيلة للمعرفة، وهاجس مشرق ونبيل عصي على الإغلاق؟

 الأنترنيت يقدم معلومة بسرعة، لكنه يلغي متعة البحث ويضيق أفق الباحث، بينما للكتاب قيمة معنوية وعاطفية، لأنه يعطي المعلومة، ويعلم فن القراءة، ويبقى خير جليس نتصفحه بحب، لا لإستخراج المعلومة فقط،  لكن للذة اقتنائه، والتنقل معه دون أي تكلفة.

وعندما نتحدث عن الإبداع، فالمقصود طبعا الإبداع في الكتابة، الذي يمس بشكل خاص الروح الإنسانية والفكر الإنساني، لذلك يبقى دور المطبوعات الورقية دور ريادي في نقل المعرفة، والتعريف بالثقافات، ونشر الوعي الإجتماعي والسياسي.
منذ فترة، أخبرني الصديق رضا الملولي أنه بصدد إعداد مجلة ثقافية فكرية، ستصدر قريبا. فكرت أن المشروع في ظل تكاثف مروع لما يسمى المعلوماتية الإلكترونية، مغامرة يمكن أن تكون شيقة لكن تبقى مغامرة. ثم صدر العدد الأول لمجلة «رؤى»، تحت شعار "رؤى في سبيل التنوير والتحديث الاجتماعي والسياسي"، وهيئة استشارية منتقاة:  الأستاذ الشاذلي القليبي، الدكتور هشام جعيط، الدكتور الصادق الحمامي، الدكتور كمال العيادي، الدكتور فتحي التريكي، الدكتور محمد محجوب، الدكتور يحيى اليحياوي، الدكتورة حياة قطاط، والدكتور محسن بوعزيزي.

 طبعة أنيقة ومحتوى ثري لكتابات وأسماء متميزة، مؤكدة أن رضا الملولي يسعى لأن يكون متفردا في ترويج ثقافة راقية، لكنه لا يريد أن يكون مفردا في إصدار نشرية. ففي افتتاحية «رؤى»، كتب أن  «التراكم على صعيد الكتابة في مجالات السياسة والفن والثقافة والدين والعلم، هو وحده الكفيل بتجسيم النقلة النوعية المطلوبة على صعيد الإبداع البشري، بما في ذلك من إبداع سياسي».

 انطلقت رؤى في عددها الأول بملف فكري حول «المشروع التحديثي التونسي في مواجهة التطرف».

شارك فيه الدكتور محمد محجوب، والأستاذ سالم المكي، والدكتور صادق شعبان، والمحامي عبد الرحمن كريم، والزميل علي المهذبي، والدكتور حاتم بن عثمان، والحقوقي المنصف عاشور، والدكتور عبد الجليل بوقرة، والزميل مصطفى عطية. حوار العدد كان لرضا الملولي مع الأستاذ الشاذلي القليبي، الذي أكد «أن بواعث الحداثة قائمة في حضارتنا الأصلية، لكنها طمست بأفول الثقافة وانتشار الجهل، وتفاقم الجمود الفكري والتخلف الاقتصادي والاجتماعي».  الدكتور الطاهر بن قيزة أثار جدلا مهما بسؤاله: «هل هناك فلاسفة تونسيون؟ و أين هم من الجدل القائم حول القضايا الراهنة؟». الدكتور عفيف البوني، الذي أصدر هو أيضا كتابا مهما «الإبداع الإنساني في الفكر الأسطوري الديني والعلمي»، سأقدم لكم هذا الكتاب بعد قراءته بعمق. كتب دكتور عفيف البوني «كيف يمكن أن نتفلسف اليوم من خلال مجلة ديكارت؟».

 في عيون المقالات قدم الدكتور الصادق الحمامي، أستاذ الإعلام بكلية الشارقة مقالا عن «الطبيعة المزدوجة للأنترنيت: التفاعل والتنافر»، وقدم الدكتور يحيى اليحياوي مقالا بعنوان «العولمة الاقتصادية والديمقراطية وبعض عناصر للنقاش».

حول شخصية العدد الدكتور هشام جعيط، قدم  الدكتور فتحي التريكي دراسة بعنوان «الثقافة والهوية في فكرهشام جعيط". والدكتورة حياة قطاط كتبت عن «تاريخية الدعوة في مكة»، والأستاذ زياد كريشان عن «الكتابة التاريخية الحديثة في السيرة النبوية، تاريخية الدعوة المحمدية في مكة لهشام جعيط نموذجا». وتحت نفس العنوان، كتبت الدكتورة حياة عمامو، بحثا عن كتاب هشام جعيط «تاريخية الدعوة المحمدية في مكة».

وخصصت المجلة تحية وتكريما للراحل الأديب محمود أمين العالم.

 وهكذا صدر العدد الأول لرؤى دسما غزيرا ثريا. على أمل أن تصدر أعدادا قادمة، تكون منفسحا وحيزا مفتوحا، لترويج ثقافة راقية في متناول كل من يتوق للمعرفة والتطلع، دون أن تكون نخبوية جافة. فالهدف الحقيقي للمجلات الفكرية والثقافية هو هدف إنساني، يعبر الحدود والقيود وحواجز اللغات والأعراق والأيديولوجيات، وتوسيع رقعة القراء بضخ عدد متزايد من القارئين، لكي يصبحوا بعد أن يتعودوا ويألفوا ويحبوا القراءة، «قراء» بالمعنى النخبوي. هي عملية حضارية معقدة، تعتمد على النفس الطويل، والعمل الدائب والتأسيس. فبالتوفيق لمغامرة ورؤى رضا الملولي.

الشروق، 28 مارس 2009 (رشاء التونسي)

* "العولمة الاقتصادية والديموقراطية: عناصر للنقاشمجلة رؤى، العدد الأول، شهرية، تونس، مارس 2009.

يمكنكم مشاركة هذا المقال