تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الصحافة المغربية واستحضار صورة الحسن الثاني

السؤال الأول: في رأيك لماذا تصر أغلبية الجرائد والمجلات على وضع صورة المرحوم الحسن الثاني على أغلفتها، حيث لا يمر أسبوع واحد دون أن يقوم منبر ما أو أكثر بنشر ملف حوله؟

يحيى اليحياوي: ليس لدي معطيات دقيقة عن السر في لجوء العديد من المنابر المكتوبة إلى استحضار صور الملك الراحل، أو الآية من النبش في بعض من تاريخه أو طقوسه أو سلوكه، أو أشكال تعامله مع محيطه المباشر والقريب، أو طبيعة علاقاته مع أصدقائه أو مع أعدائه. ومع هذا التحفظ،  يبدو لي أن هذه المنابر إنما تبحث عن "ملفات" من هذا القبيل، لاستجلاب لا أقول قراء جددا، ولكن محبي الاستطلاع الذين يبحثون عن "الجديد"، في غياب ما يثيرهم من قضايا الشأن العام الجاري. الجري وراء هذه الملفات هو بالتالي محاولة من لدن العديد من المنابر الأسبوعية لرفع مستوى المبيعات، بصرف النظر عن الجهة المقتنية لذات المنابر، أو أهمية المضامين المنشورة.

هي تقنية للاستقطاب، لا هي بتقنية الإعلان والإشهار، ولا هي بتقنية البيع المباشر. هي إلى الإغراء والتشويق، المراهنة على الشكل والجذب الخارجي، أقرب إليه من التطلع الجدي إلى تمكين المتلقي من الحصول على ما يريد، أعني الحصول على حقائق موثقة، لا على مرويات غير ثابتة دائما، أو إشاعات مقتنية لهذا اللسان أو ذاك.

إن "عالم" الحسن الثاني كان عالما خاصا وفريدا، تمتزج من بين ظهرانيه الحقيقة بالخرافة، والواقع بالخيال، وكل ذلك ملفوفا بشتى ضروب السرية والتكتم والغموض، لدرجة لا يستطيع المرء حقا معرفة ما يجري بداخل البلاط، أو بمحيطه، فما بالك بحياة الحسن الثاني الخاصة، التي كانت ضمن مجال المقدس. وعلى هذا الأساس، فكل ما قد يسهم في اختراق هذا العالم يستهوي المتلقي. يبقى أن نتساءل في جدية المضامين المنشورة، وهذا أمر آخر، يستوجب تحليلا لهذه المنابر تحليلا علميا ومؤصلا.

 السؤال الثاني: ما الذي يجعل القراء المغاربة يتهافتون على شراء الجرائد والمجلات التي تحمل صورة الحسن الثاني وتسرد حكايات عن حياته الخاصة ؟

يحيى اليحياوي: كل من جايل الحسن الثاني أو عاشره، يدرك مدى الهالة التي كان الرجل يضفيها على نفسه، ويلح على أن يظهر للناس على أساسها، أو بالترويج لها، أو بتعميمها بوسائل الإعلام المختلفة. لم نكن ندري بدقة كيف تدار الدولة، وكيف يتخذ القرار، ومن هم صانعوه بالتحديد. ولم يكن أحد منا يعرف كيف يتعامل الحسن الثاني مع الوزراء، أو مع موظفي أسلاك الدولة، فما بالك بتعامله مع أبنائه أو أقربائه، أو المحيط المباشر الذي يخدمه في حله وترحاله. ولم يكن أحد من هذه المستويات، ليتجرأ على الحديث في هذا الجانب مخافة العقاب.

بالتالي، فمن الطبيعي، وقد رحل الرجل، وبرز بعض الانفراج النسبي، أن يتهافت الناس على معرفة ما كان يدور في عهده بالشكل والمضمون، وأن يتهافت كل من لديه خبر أو معلومة أو نكتة للإجهار بها، ويدفع من هنا بالعديد من المنابر إلى محاولة استنطاق من عاشروا الرجل أو عملوا بجانبه، أو كانوا قائمين على خدمته. بهذا الجانب أيضا، يبقى المحك هو مضمون ما يكتب، ومدى صدقيته، ومدى أهميته أيضا بالوقت الراهن، سيما في غياب الوثائق، ومزايدة بعض المذكرات التي لم تعمل إلا على تمجيد الرجل بهذا الشكل أو ذاك.

السؤال الثالث: هل يمكن تفسير الموضوع برمته على أنه تعبير عن علاقة معقدة ما بين الشعب المغربي وملكه السابق؟

يحيى اليحياوي: لا أعتقد أن ثمة من يزعم أن علاقة الحسن الثاني مع الشعب كانت عادية، أو طبيعية، أو مطبوعة بالشفافية والوضوح المفروضتين في أية علاقة بين الحاكم والمحكوم. لست متأكدا من أن نظرة الملك الراحل للمغاربة كانت أفقية. إنها نموذج العلاقة الأبوية التقليدية، التي كانت تمزج في قالب عمودي بين الشدة والليونة، وكان طابعها المميز الخاصية المتعالية التي كان يظهر بها الرجل، أو يريد أن يظهر بها.

من جهة أخرى، فالحسن الثاني كان محتكرا للسلطة لدرجة التسلط، ولم يكن يقبل المزايدة أو المعارضة، أو التجاوز على ما رسمه من خطوط حمر في تسيير الدولة، كما في علاقاته العامة والخاصة. وهذه أمور كنا نلحظها من طبيعة قراراته، ونبرات خطبه وتصريحاته واستجواباته. بالتالي، يبدو لي أنه بنى لنفسه نظام وصاية على المغاربة، حتى إذا ما رحل، شعر المغاربة ولكأنهم أيتاما حقا وحقيقة. مرة أخرى أقول إن المرحلة التي حكم فيها الرجل تستوجب التوقف بموضوعية من لدن أكثر من باحث ومدقق في الأحداث.

السؤال الرابع: العمل على نشر صور وأخبار وحكايات حول الحسن الثاني، هل هو تعبير عن وضع صحي غير جيد، يدل على وجود خلل في عمل وسائل الإعلام، أم في القراء، أم أن الأمر عادي، ولا يجب أن يثير أي نقاش ؟

يحيى اليحياوي: أنا مع أن تفتح مرحلة حكم الحسن الثاني، بغرض تقييمها وفق نظرة موضوعية للأحداث، ووضع هذه الأخيرة في السياق الذي اعتملت به في حينه. وهذا أمر يتطلب أقلاما مسلحة بالمعرفة التاريخية، وضابطة للظروف التي ميزت الثلاثة عقود التي كان فيها الحسن الثاني ملكا على المغرب.

 لست ممن يستحب كثيرا النبش في حياة الناس الخاصة، اللهم إلا إذا كانت لا تزال لها تداعيات على الحاضر والمستقبل، أو من شأنها إزاحة بعض من الظلام على تأثير ذلك على الشأن العام.

بهذه النقطة، أتصور أن هذا من صلاحيات رجال التاريخ والسياسة وعلم الاجتماع والنفس وما سواهم، وليس إلا جزئيا من صلاحيات الصحافة. نحن لا نستطيع أن نصادر على الصحافة حقها في التعرض لهذا الجانب أو ذاك، لكن عملها يبقى محدودا وعابرا، ولا يؤسس لتراكم في الفهم أو في المعرفة. فسياق التاريخ هو غير سياق الصحافة. الأول يشتغل على الوثائق والمعطيات المدققة، في حين أن الثانية قد لا تعمد إليها دائما بحكم عدم الاختصاص، أو بحكم آنية الخبر والمعلومة.

* "الصحافة المغربية واستحضار صورة الحسن الثاني"، مجلة مغرب اليوم، أسبوعية، 3 مارس 2009 (لم يصدر ويوضع هنا تعميما للفائدة).

يمكنكم مشاركة هذا المقال