في محاضرة لشبيبة "العدالة والتنمية" بالرباط..الخبير الإعلامي يحيى اليحياوي: ظاهرة الفيديو كليب تعمل يوما عن يوم على زعزعة قيم المجتمعات سيما قيمة الجمال
أكد الخبير الإعلامي يحيى اليحياوي، على أن الإعلام في المغرب يبقى ناطقا باسم الجهة التي تموله، مضيفا بأنها هي التي تحدد توجهه ومنظومة القيم الخاصة به صحافة مكتوبة كان أم محطات تلفزية وإذاعية، مشيرا في محاضرة نظمتها شبيبة العدالة و التنمية فرع الرباط السبت 15 مارس 2008 بمقر نادي هيئة المحامين بالرباط، إلى أن الحديث عما يسمى بتحرير السمعي- البصري بالمغرب هو كلام دون مضمون ملموس.
وأوضح اليحياوي إلى أن ما يروج من قيم يعكس دائما فكر الجهة الراعية، دون إعارة اهتمام كبير من لدن هذه الأخيرة، للمشاهدين الذين يمولون إعلاما المفروض فيه أن يراعي قيمهم وهويتهم وثقافتهم. وتأسف الأستاذ على ما تقوم به القناة الثانية من شن حرب معلنة على القيم، متسائلا عن السبب الذي يدفع هؤلاء إلى استيراد قيم ومحاولة فرضها على المجتمع قسرا ودون وجه حق.
وفي موضوع ذي علاقة، أكد اليحياوي على أن ظاهرة الفيديو كليب التي انتشرت كالفطر على شاشات الفضائيات تعمل يوما عن يوم على زعزعة قيم المجتمعات سيما قيمة الجمال، مضيفا بأن السيتكومات بالمغرب تعمل أيضا من جهتها على تكريس فكاهة سخيفة، لا يمكن نعتها بأقل من عبارة الضحك على الذقون.
وقال اليحياوي: من المؤكد أن ثمة من يثوي خلف نشر القبح في مجتمعاتنا، معتبرا بان هذه الموجة المبتذلة ليست من باب الصدفة، وإنما هي من فعل فاعل لربما يدفع بهذا الاتجاه عن قصد.
وفي سياق متصل نعت الفضائيات المغربية الجديدة بالفضائيات "الماسخة" و"اللقيطة"، مفسرا ذلك بأنها محطات بدون هوية، كونها لا تتوفر على شبكة خاصة بها، بل تقتصر على الترقيع من هنا وهناك.
وطرح إشكالية تتعلق بدور ووظيفة التلفزة، قائلا: " هل يجب أن تعمل على عكس واقع حال موجود ينقل صورة بانورامية له، ويعمل على الترويج للقيم الرائجة، أم المفروض في هذا الوسيط أن يكون وسيلة لاستنبات قيم جديدة؟".
ورجح اليحياوي الرأي القائل بأن التلفزة ينبغي أن تعكس ما يوجد عليه المجتمع، منتقدا البرامج المستوردة التي لا تجيب على ما يطرحه المجتمع من تساؤلات و لا تعالج ما يعيشه من أزمات، مطالبا بالآن ذاته وسائل الإعلام، إلى استنبات قيم جديدة صاعدة يستوجبها التطور وتحولات المجتمع.
وتساءل أيضا عن الفئة المستهدفة من البرامج التلفزية، قائلا: " هل هي برامج موجهة إلى نخبة تمثل الأقلية، أو إلى الجماهير الشعبية التي تمثل كتلة لها حجمها الكبير ؟ "وأجاب اليحياوي بـ"أننا نعرف بأن هذه النخبة تتطلع لاستنبات قيم جديدة وتريد تجاوز مجموعة من الطابوهات والممنوعات" باسم الحداثة والعصرنة وما سواها.
وفي الوقت الذي عبر فيه اليحياوي بأنه ضد جميع الطابوهات ومع الحرية، أشار إلى عدم وجوب استباحة الخطوط الحمراء بدون مسوغ، منتقدا من يريد اغتصاب منظومة القيم من الفوق، دون أن تكون ذات القيم إفرازا من القاعدة، أي من الجماهير.
وتحدث الخبير الإعلامي في معرض إجابته على أسئلة الحضور عن القيم السلبية التي هي في طريقها إلى الاستنبات، بحكم ظاهرة العولمة والانفتاح المتوحش، مثل "قيم" البقاء للأقوى والاتكالية والفردانية ووضع الآباء في دور العجزة، والبحث عن المناصب و عن الجاه بطريقة مكيافيلية، وبأسلوب الغاية تبرر الوسيلة.
مشيرا في ذات السياق إلى سلوك البعض عند مغادرتهم للتراب الوطني حيث ينسلخون عن قيمهم ويذوبون فيما هو سيئ لدى الآخر، مستنكرا حصول عدد من المسؤولين الكبار على جنسيات بلدان أخرى، متسائلا عن كيفية قيام مثل هؤلاء بخدمة بلدان مسقط رأسهم وهم مرهونين بملاءاتهم المزدوجة. وتساءل: "هل من المعقول أن يحمل وزراء وسفراء وقناصلة ومديرين عامين ومسؤولين كبار وصحفيين جنسيات أجنبية ويقسموا للحصول عليها على غير القرآن؟".
ومن جهة أخرى استغرب اليحياوي كيف أن المجتمع ذاته بات تحت ضغط الفقر وغياب العدالة، يقبل بمجموعة من القيم الخارجة عن الأخلاق مثل الرشوة، واصفا ذلك بقابلية البعض للتعايش مع سلوكات سيئة، وتعجب من ادعاء بعض المواطنين ب"الشطارة" عندما لا يؤدون الضرائب التي هي في ذمتهم، أو ينجحوا في التحايل عليها.
وفي هذا الصدد سجل اليحياوي غياب دراسات وأبحاث تشتغل على موضوع الإعلام والقيم وتوثق لهذا الموضوع، مشيرا في الوقت ذاته إلى أن خلاصات الدراسة الميدانية التي يتضمنها تقرير الخمسينية "الذي تمت صياغته تحت الطلب"، غير كافية. وعبر الخبير الإعلامي عن انزعاجه من ندرة الدراسات في هذا الموضوع، مؤكدا على أنه من المفروض أن يتولى هذا الأمر المعهد العالي للإعلام و الاتصال وشعب علم الاجتماع والتواصل السياسي بالجامعات المغربية، موضحا بأن سبب عدم الاهتمام بذلك يرجع إلى تردي مستوى البحث العلمي في العلوم الإنسانية والاجتماعية، وانشغالها بقضايا متقادمة ومتهالكة.
مشيرا إلى أن العلاقة التي تربط الإعلام بالقيم بمثابة الثنائية المركبة والمعقدة، وبسط اليحياوي في عرضه بعض الملاحظات تتعلق بالمنهجية في تناول مثل هذه المجالات التي وصفها بالحساسة. وفي هذا الصدد أرجع اليحياوي عوامل الاختلاف بين الباحثين عند تناولهم لعلاقة القيم بالإعلام إلى ثلاث عوامل: أولها تباين المرجعية، و يتجسد ذلك بين من يرى بأن القيم هي مكمن التميز والتمايز، وبين من يرى بأن القيم مشترك كوني، تشترك فيه كل الثقافات و كل المجتمعات.
وثانيها، الاختلاف في زاوية الرؤية. فهناك من يصنف القيم ضمن الثوابت و هناك من يضعها في خانة المتغيرات.
وثالث العوامل يتعلق حسب اليحياوي، بتباين خلفية المتحدثين باسم القيم. فمنهم من يرى عن صدق نية، بأن واجبه الحفاظ و الذود عنها، ومنهم من يرى بان التشبث بها بات من قبيل التوظيف السياسي والإيديولوجي والانتخابي الذي يهدف إلى المزايدة الصرفة التي لا تقدمنا في شيء.
و أورد الخبير الإعلامي اليحياوي في هذا الإطار نظريتين: الأولى للمفكر بيير بورديو الذي تحدث عن بناء العقول الذي غالبا ما يتم بالارتكاز على محتوى القيمة كقيمة، والثانية للفيلسوف إدغار موران الذي يرى بأن مسألة القيم عرفت تراجعا كبيرا مع تنامي المسؤولية الفردية وتراجع القيم الجماعية، حيث يؤكد وفق ما أورده اليحياوي على "أن الإلزام لم يعد اليوم يأتي من الدين أو المجتمع، و لكن ينبع من ذات الفرد
".ودعا اليحياوي إلى المطالبة بالحد الأدنى من القيم التي تشكل القواسم المشتركة بين جميع فئات المجتمع، مشددا على أن القيم لا يمكن أن تترسخ بالقوة لأنها ترتبط بإرادة وباقتناع الفرد و الجماعة.
و جدير بالذكر أن هذه المحاضرة تندرج في اطار مجموعة من الأنشطة سطرتها شبيبة العدالة و التنمية فرع الرباط، ومن المرتقب أن يتم تنظيم ندوة بعنوان علمنة العولمة مساء السبت 22 مارس 2008 بنفس المكان بمشاركة الأستاذة محمد همام و عبد الصمد بلكبير و امحمد طلابي.
* "في محاضرة لشبيبة "العدالة والتنمية" بالرباط..الخبير الإعلامي يحيى اليحياوي: "ظاهرة الفيديو كليب تعمل يوما عن يوم، على زعزعة قيم المجتمعات، سيما قيمة الجمال"، جريدة العدالة والتنمية، وضع النص بالشبكة بتاريخ 22 دجنبر 2008.