محمد سبيلا، سلسلة الزمن، العدد 39، الرباط، 2003، 128 ص.
بمقدمة هذا الكتاب الهام، يقول المؤلف: " إن الحداثة اختيار فكري استراتيجي عام، والديموقراطية هي تجسيده السياسي، باعتبار أن الديموقراطية هي الشكل السياسي المجسد للحداثة عامة، وللحداثة السياسية خاصة".
غير أن الانتقال من الشعار إلى التحليل يتطلب، وفق الكاتب، "جهدا فكريا وعقليا كبيرا، للتفكير في مقولات جديدة، انبثقت ضمن التحولات والمخاضات الكبيرة لسيرورة الفكر الكوني، مقولات لا نجد لها في تاريخنا الفكري ما ينيرها ويسلط الضوء عليها. وهذا ما يضاعف مسؤولية المثقف في إجلاء محددات ومكونات فكرة الحداثة، إسهاما في بلورة مضامينها ومحتوياتها، وخدمة لكل القوى التي اتخذتها شعارا لها".
ويلاحظ المؤلف أنه من " المهام المطروحة على الفكر المغربي اليوم، أن يعمق التفكير في الحداثة، التي هي اليوم شعار المشروع المجتمعي الذي تلتف حوله كل من الدولة والنخب العصرية والأحزاب والقوى الحية في بلادنا. كما أن المطروح على الأحزاب، والقوى ذات الاختيار التحديثي، أن تعلم أن الحداثة ليست وصفة فكرية جاهزة، أو تصميما خماسيا يتعين تطبيقه، بل هي عناء فكري وجهد عقلي فردي وجماعي ضد الذات أساسا، من أجل التخلص من مجتمع وثقافة عصور الانحطاط، وبناء مجتمع وثقافة حديثة، انطلاقا من تطوير النويات العقلانية والتنويرية في تراثنا العربي/الإسلامي".
ويسجل المؤلف بخصوص العقل والحداثة المعطيات الستة التالية:
+ المعطى الأول، ويلاحظ الكاتب بخصوصه أن " الاختيار التحديثي في بلادنا هو، على وجه الإجمال، اختيار نابع من ضرورات تاريخنا وتجربتنا كأمة، وأن رواده الأوائل هم نخبة من المثقفين والمصلحين السياسيين والفقهاء...الذين استشعروا، بوعي تاريخي حاد، ضرورة الانخراط في العصر".
بالتالي، فانخراطهم هذا إنما تأتى من وعيهم بقوة الصدمة الاستعمارية التي أيقظت الوعي والحس الوطنيين، والتي سرعان ما تم توطينها وتعميقها مع تعمق التجربة التاريخية، ونمو الوعي التاريخي، وتطور الفكر التحليلي في مجال الاجتماعيات والإنسانيات وما سواها.
+ المعطى الثاني ويلاحظ الكاتب بموجبه أن " هذا الاختيار النابع من صلب ثقافتنا ووعينا الوطني، ظل اختيارا متوازنا، ولم تصحبه أو تنبثق منه دعوات متطرفة ضد تراثنا الديني والفكري وحمولتنا التاريخية. إذ لم يشهد تاريخ المغرب الحديث ظهور حركات علمانية متطرفة. فباستثناء بعض الانعكاسات الحركية لبعض فصائل اليسار والأفكار العالمثالثية بين الستينات والثمنينات، فإن هذا التوجه سرعان ما اندغم في صلب الوعي التاريخي الوطني المتقدم، ولم يترك تراثا فكريا يرسخ هذه التوجهات".
ويعطي الكاتب مثالا على ذلك بفكرة التجديد الديني. إذ يرى أن التعارض بين " الدين والحداثة يرجع في الغالب الأعم إما إلى سكونية الثقافة الدينية وعدم قدرتها على التطور، أو إلى خوفها من التجديد، وتحولها من حافز على التطور، كما كان الأمر في انطلاقة الدين الإشعاعية الأولى، إلى قوالب اجتماعية وثقافية جامدة ومجمدة ومعيقة للتطور".
+ المعطى الثالث ويرى المؤلف من خلاله أن ثمة اتجاها " يرى أن الحداثة تمثل مجموعة من الشرور التي داهمت مجتمعنا منذ دحول الاستعمار، ويتبنى تصورا واسعا وفضفاضا للحداثة يجعلها مرادفة للاستغلال والتلوث والبطالة والتفكك الأسري والبغاء والشذوذ والمخدرات والنزعات الإنكارية...ألخ، مصورا الحداثة وكأنها قمامة تشمل كل سوءات المجتمع الحديث، مما يسهل رفضها وإدانتها. وهي نتيجة متضمنة في المقدمات الفكرية نفسها. وهذا حكم مسبق، أخلاقي، إيديولوجي، يغلق الحوار والنقاش منذ البداية".
+ المعطى الرابع ويعترف المؤلف بمقتضاه بكثافة النقاشات اليوم حول الحداثة بالمغرب، لدرجة بات الكل يعلن انخراطه في صفها، "حتى أولئك الذين تتعارض اقتناعاتهم العميقة معها، مثلما يتجلى ذلك في نقدهم للعقلانية والعقل والحداثة نفسها، أو في نقدهم للرشدية وللمناهج العقلانية في دراسة التراث".
ويتابع الكاتب، بهذه النقطة: " عندما يعلن هؤلاء عن انتمائهم للحداثة، ويعلنون أنها تراص فكري بشري مشترك، ليس لأحد حق احتكاره، فهم يقرون بواقع التفوق والسيادة الذي يفرضه العصر، وإن كانوا يبدون ويطورون آليات مزايدة في درجة تقبل أفكار الحداثة، وفي درجة فهمها وتقبلها، وفي كيفية مقاومتها".
+ المعطى الخامس ويلاحط الكاتب بإطاره أن البعض يتحدث عن الحداثة " كما لو كانت مجرد مصطلح لغوي، أو مجرد فكرة، أو ممكن ذهني خالص، يفعل به صاحبه ما يشاء ويطرح بصدده المواعظ والإرشادات، وكأن الأمر يتعلق بمجرد فكرة قابلة للعجن والصياغة حسب الأهواء الشخصية أو وفق ما تتطلبه بعض الأذواق. والحال أن مقولة الحداثة هي فكرة تؤشر على وقائع وأحداث، وعلى سيرورة تاريخية ضخمة، وعلى دينامية سوسيولوجية لها مساراتها ونواميسها ومحدداتها وحتمياتها وتفاعلاتها الداخلية، التي تم اكتشافها بعديا من طرف التحليل السوسيولوجي والفلسفي لمجتمعات مختلفة".
بالتالي، يلاحظ الكاتب، فإنه من المفروض استبعاد الرؤى المثالية والمعيارية والإراداوية، ومحاولة ضبط دينامية الحداثة في شموليتها الحية.
+ المعطى السادس: إن الذي يدافع عن تصور الحداثة كعقلانية ونزعة إنسانية محررة للأفراد والفئات ونظرة تاريخانية، يروج بنفس الوقت، بنظر الكاتب، لنوع من " النقد لهذا التصور الكلاسيكي العقلاني، الذي يساير في الغالب الأعم، أفكار ما بعد الحداثة، وتوجهات فلسلفية ذا ملامح نيتشوية أو هيدرغيرية أو ما ماثل ذلك".
إننا، يقول المؤلف، ننقد هذه النظرة، لأنه إذا كانت الحداثة تعبيرا عن عقلانية ظافرة، فهي "بنفس الوقت لامعقولية صامتة، وحرية استبدادية وذاتية عمياء، وادعاؤها التجسد الكامل والشفاف في الحاضر، هو أحد أقوى أوهامها واستيهاماتا".
* "المغرب في مواجهة الحداثة"، نافذة "قرأت لكم"، 4 دجنبر 2008.