تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

"الرأسمالية في محك التكنولوجيا: التهميش والإقصاء مصير العديد من الدول في ظل الاقتصاد الكوني"

الكتاب:"الرأسمالية في محك التكنولوجيا"

المؤلف: يحيى اليحياوي

دار النشر: دار الأوائل، دمشق

عرض: منتصر حمادة

"الرأسمالية في محك التكنولوجيا، أو في النظام التكنولوجي للعولمة"، هو أحدث مؤلفات الباحث المغربي يحيى اليحياوي، وصدر الكتاب عن دار الأوائل بدمشق، حيث ارتحل الباحث مع تخصصه الأهم: التحولات التي طاولت ولا تزال تطاول، طبيعة الرأسمالية في ظل الثورات التكنولوجية التي مست مجالات الإعلام والمعلومات والاتصال، وأيضا بظل التحولات التي طرأت على أنماط الإنتاج والاستهلاك، والتوزيع الجديد للعمل وللمعرفة.

ويؤكد اليحياوي أن هذه التحولات لا تعبر بالقطع عن تحول جذري في طبيعة هذه الرأسمالية، بقدر ما تؤسس لمرحلة جديدة من مراحل تطورها وتكيفها وتأقلمها مع المعطيات الجارية. وهو ما يشير إليه بالتحديد عندما يتحدث عن كون المرحلة الحالية إنما تعبر عن "تأثير التكنولوجيا الجديدة في تغيير وجه الرأسمالية، إذ تحولت هذه الأخيرة جراءها إلى رأسمالية خدمات (بعدما كانت صناعية وتجارية) ثم إلى رأسمالية مالية ومصرفية، ثم إلى رأسمالية رموز، لا يمكن للمرء أن يتمثلها إلا في كونها مكمن إنتاج وتوزيع واستهلاك التيارات في السلع والخدمات والمعلومات، دونما أن يرتبط ذلك بميدان في الاشتغال واحد، أو بفضاء في تحديد الاستراتيجية موحد".

وعن الزعم بأن الرأسمالية إنما هي في محك التكنولوجيا بما يوحي أن الثانية ترفع التحدي بوجه الأولى في منطوقها كما في شكلها كما في الجوهر، فيتأسس ذلك على مسلمة مفادها أن التكنولوجيا كانت منذ البدء حمالة تحديات جوهرية في وجه الرأسمالية، بناء على أربع مقدمات يسوقها المؤلف، أولها تحديات تكنولوجية بالأساس تسائل نمط تنظيمها وأشكال فعلها في المحيط وتفاعلها معه وآليات اشتغالها قياسا إلى فضاء السوق والعمل والإنتاج وتوزيع الثروة والسلطة. وهناك تحديات اقتصادية بجهة قابلية الرأسمالية على هضم ما استنبتته من مستجدات بما يسهم في الزيادة في إنتاجيتها أو الرفع من ربحيتها أو الضغط على منابع التكلفة المتأتية من مسلسل دورتها الاقتصادية في المكان كما في الزمن سواء بسواء.

ثم تحديات اجتماعية بجهة شكل إدماج الفضاءات غير الاقتصادية في صيرورة نظام الإنتاج والتوزيع والاستهلاك الجديد. وأخيرا، تحديات ثقافية بجانب قدرة الرأسمالية على استنبات تمثلات جديدة لدى الأفراد والجماعات لا تعكس فقط توجهات المنظومة السائدة اقتصاديا واجتماعيا، بل وأيضا منظورها لذوات الأفراد والجماعات زمنا وفي المكان.

+++ النظام التكنولوجي للعولمة

وعن المقصود بـ"النظام التكنولوجي للعولمة" الذي اختاره المؤلف عنوانا فرعيا للكتاب، يرى اليحياوي، أنه إذا سلمنا أن لكل مرحلة من مراحل تطور الرأسمالية نظامها التكنولوجي، فإنه سيسهل التسليم بأن الرأسمالية زمن العولمة إنما تحتكم إلى نظام تكنولوجي يواكبها، يفتح لها في الآفاق التنظيمية ويقلص بصلبها دورة الإنتاج وكلفة الاستثمار. والقول بهذا إنما هو من القول بأن التكنولوجيا (وتكنولوجيا الإعلام والاتصال تحديدا) قد أفرزت ما اصبح يُصطلح عليه اليوم عالميا بـ"الاقتصاد الجديد"، أو "اقتصاد العولمة"، وهو اقتصاد معلوماتي وشمولي وذو توجه كوني في الآن ذاته.

معلوماتي "لأن إنتاجية وتنافسية وحدات وأفراد هذا المجتمع مرتهنة أساسا بالقدرة على إنتاج واستغلال وتطبيق المعلومات الناجعة المرتكزة على المعرفة"، وهو شمولي "لأن الأنشطة المركزية في الإنتاج والاستهلاك والتوزيع وكذا مكوناتها، منظمة على المستوى الكوني إما مباشرة أو من خلال شبكات من العلاقات بين الفاعلين الاقتصاديين". وهو أيضا معلوماتي وشمولي في الآن معا "لأنه في ظل الظروف التاريخية الجديدة، فإن الإنتاجية والمنافسة تأخذ تعبيرها داخل شبكة من التفاعل كونية. لقد برزت كذلك أواخر الربع الأخير من القرن العشرين لأن ثورة تكنولوجيا المعلومات قد وفرت الركيزة المادية الضرورية لاقتصاد جديد من هذا النوع".

بالنسبة لطبيعة النظام التكنولوجي للرأسمالية زمن العولمة، فيوجزه اليحياوي بأنه نظام شبكي ومعلوماتي، ونظام شمولي.

هو نظام شبكي ومعلوماتي، لأنه يرتكز على براديغم جديد يتغيأ إقامة أشكال تنظيم جديدة، باستراتيجيات جديدة وعلى خلفية من تراتبيات جديدة بين الأفراد كما بين الجماعات، بين الجهات كما بين الدول والقارات. وهو نظام شمولي يتخذ من الفضاء الكوني فضاءه الخاص ويرتكز على قيم وتمثلات جديدة لعل أقواها على الإطلاق قيم الفردانية واللامركزية وتقييم العمل والنظام. وهو أيضا، نظام تتطلع الرأسمالية من خلاله إلى تحديد العلاقات الاجتماعية على مستوى الكون برمته لا يغدو هذا الأخير بموجبه "الاقتصاد/العالم" كما تحدث عن ذلك إيمانويل فالرشتاين، بل "الاقتصاد/الشبكة"، حيث تنقل تيارات السلع والخدمات والرموز دونما قيود كبيرة تذكر.

بالنتيجة، نحن إزاء منظومة رأسمالية جديدة يندغم بصلبها وبقوة جزر الاقتصاد المادي المتراجع بمد الاقتصاد اللامادي المتقدم والمهيكل لكل أشكال الحياة الاقتصادية والاجتماعية والتاريخية.

+++ تفكيك "الرأسمالية المعلوماتية"

في معرض تفكيك مفهوم "الرأسمالية المعلوماتية"، أشار الكاتب بداية، إلى أنه على النقيض من "أشكال" الرأسماليات السابقة (التجارية أو الصناعية أو المرتكزة على الخدمات أو على غيرها) فإن الرأسمالية المعلوماتية قد نشأت إذا لم تكن معولمة الطبيعة، فعلى الأقل ذات توجه عميق ومتزايد إلى العولمة والكونية، حتى أصبح أنه ما كان "للاقتصاد العالمي الجديد" الفاسح في المجال للرأسمالية الجديدة أن ينبعث ويتكرس وقعا وواقعا لولا الثورة التكنولوجية التي طالت معظم مكوناته منذ ثمانينات القرن الماضي مؤسسة لما يصطلح روبرت رايش على تسميته بـ"الشبكة الكونية" لتوصيف واقع الإنتاج والتوزيع الجديد.

نحن هنا بإزاء بنية صناعية وتكنولوجية وتجارية تغطي أو تكاد، من وجهة النظر الترابية، العالم بأكمله وفضاؤها في تحول مستمر في شكله العام كما على مستوى كل وحدة بداخله، لدرجة يسهل معها التأقلم ولا تتعذر سبل المراجعة أو التحديد، والتركيز هنا على وجهة النظر الترابية لا يعني أن الشركات الكبرى، زمن العولمة، قد أفرغت المجالات الوطنية من محتوياتها، بل عملت وتعمل على ربطها في إطار شبكات كونية تنصهر ذات المجالات في صلبها انصهارا.

كما يلاحظ الكاتب أن بنية الاقتصاد العالمي تبقى مهيكلة حول ثلاثة أقطاب كبرى كثيفة الإنتاج، غنية ومتخمة بالمعلومات والمعارف، ومناطق من العالم شاسعة سمتها الأساس فقرها وتدني قيمتها الاقتصادية والإقصاء المتزايد لأفرادها وجماعاتها، مما يجعل هذه المناطق والجهات عصية على "الاندماج في حركية الاقتصاد الكوني" أو التطلع إلى بلوغ مقومات الرأسمالية المعلوماتية في شكلها وفي المضمون.

وهو أيضا ما يجعل نموذج التوزيع العالمي الجديد للعمل متمفصلا، كما كان عليه الحال في مراحل الرأسماليات السابقة، حول تموقع كل جهة من الجهات من "الاقتصاد المعلوماتي الكوني" قياسا إلى المراكز القائمة: منتجو سلع ذات قيمة مضافة عالية مرتكزة على العمل المعلوماتي، منتجو سلع أقل تطورا يلجأون إلى اليد العاملة الرخيصة، منتجو مواد أولية مرتكزة على الثروات الطبيعية و"منتجون" لا قيمة تذكر لما "ينتجون" لأنهم يلجأون في ذلك إلى "العمل غير المجدي".

من مُسلّمات الكتاب التي تؤطر بعض فصوله، التسليم بأن النظام التكنولوجي الذي أفرزته الرأسمالية إنما هو الناظم والمهيكل لهذه الأخيرة زمن العولمة، فهو ناظمها ومهيكلها على المستويات القطرية، لكنه يتطلع إلى أن يكون كذلك على المستوى الكوني، أو على مستوى الكوكب بتعبير البعض.

+++ تكريس الفجوات الرقمية

وإذا كانت الشركات الكبرى قد توفقت في تحقيق ذلك وإلى حد بعيد على المستوى الاقتصادي المادي، فإن الشبكات (وأقواها على الإطلاق شبكة الإنترنت) إنما تسهم وبقوة في دفع وتيرة الاقتصاد اللامادي المعلوماتي بالطبيعة والمتوجه إلى الكونية بالتطبع.

على أن الثابت، مقابل كل هذا وذاك، أنه إذا كانت طبيعة الرأسمالية تاريخيا هي استنبات للفوارق والفجوات على المستويات الاقتصادية والاجتماعية والترابية والثقافية، فإن ذات الطبيعة قد استنبتت، عبر نظامها التكنولوجي أو من خلاله، فجوات إضافية لعل أكثرها جلاء: الفجوات الرقمية، وقد توقف الكاتب كثيرا عن منظمة الفجوات هذه في العديد من فصول الكتاب.

والفجوات هنا، ليست ظاهرة عرضية سرعان ما سيتم تجاوزها (عبر هذه القمة أو تلك، عبر هذا الملتقى أو ذاك) بقدر ما هي ظاهرة بنيوية يفرزها النظام التكنولوجي للرأسمالية في مرحلة تطورها الحالي، وهي امتداد لفجوات أخرى سابقة لازمت الرأسمالية لزوما، لكن خاصيتها الأساس إنما مساهمة النظام التكنولوجي في تكوين مجتمع جديد بتلازم واستمرارها على المستويات القطرية كما على المستوى الكوني.

 وقد يقتصر الأمر راهنا على إشكالية البلوغ أو النفاذ، لكن النظام إياه ينزع بانتظام بجهة اختزال المجتمع في الفرد وبجهة اختراق الهويات التي لم يعد لها من ضامن أسمى في وقت تراجعت فيه أدوار الدولة والجماعة وتقدمت الهويات العالمية على حساب الهويات المحلية المرتكنة للفضاء، ليخلص إلى أن تقاطع النظام التكنولوجي ومرحلة إعادة هيكلة الرأسمالية زمن العولمة إنما سيكون من شأنه إقصاء بعدي السياسة والثقافة والمواطنة لفائدة قيم الاقتصاد والسوق ورأس المال والإنتاجية والتنافسية وما سواها، وبالتالي، فمكامن الخطر لا تبدو مضمرة التوجه والغاية، إنها جلية ولا لبس من حولها، ويقصد خطر اختزال المجتمعات والثقافات في شبكات تبدو ظاهريا أنها خادمة للمعرفة لكنها تتطلع في الخفاء إلى إيقاع التمايزات في شباكها.

+++ زمن التهميش والإقصاء

من خلاصات الكتاب الأهم، التأكيد على أن واقع العديد من دول وجهات ومناطق العالم ستبقى في ظل الاقتصاد "الكوني" المتقدم عرضة للتهميش والإقصاء ليس فقط جراء عدم قدرتها (أو قابليتها يقول البعض) على "الاندماج" في ذات الاقتصاد أو التموقع بداخله، ولكن أيضا لأن طبيعة الرأسمالية تبقى رهينة لمنطقها الداخلي القار: منطق التمركز الاحتكاري "الذي يعيق الاشتغال السليم لآليات التنمية الاقتصادية والتكنولوجية ويقود إلى تدبير مالي خالص للموارد العلمية والتكنولوجية والثقافية، مصحوبة بالعديد من العواقب الوخيمة".

وهو ما لا يمكن أن تحول الرأسمالية المعلوماتية دون جر ذيوله في شكلها كما في جوهرها كما في التبعات.

كتاب "الرأسمالية في محك التكنولوجيا"، صرخة علمية رصينة ضد الهمينة الرأسمالية المعولمة، والتي تجد لها آذانا صاغية في المجال التداولي الإسلامي العربي، تحت ذريعة الانفتاح والاندماج والانخراط في "أخلاق العولمة" و"القيم الكونية".

جريدة العرب، لندن، 25 غشت 2008 (قراءة: منتصر حمادة) 

* "الرأسمالية تتسلح بالثورة التكنولوجية لتستكمل ابتلاع العالم"، جريدة العرب، لندن، 25 غشت 2008. موقع سوا، 3 شتنبر 2008.

يمكنكم مشاركة هذا المقال