في تقديم سابق لأحد مؤلفات الكاتب المغربي الجاد يحيى اليحياوي، أشرنا إلى أن الغرب المعرفي بصفة عامة ـ حتى نترك جانبا الغرب السياسي والغرب الديني والغرب الاقتصادي.. ـ أصبح يعيش على إيقاع ثقافة التخصص، وبالنتيجة، أصبح من الطبيعي هناك، أن تتم دعوة الباحث الفرنسي جيل كيبل مثلا ليستعرض رؤاه حول واقع الحركات الإسلامية وليس عن شعر رامبو أو أغاني جاك بريل. والحال أن ميزة ضيف هذا العرض، كونه ارتأى الانخراط في ثقافة التخصص، عوض تقليد ممارسات ثقافية غير سوية بالمرة للغاية يعج بها الحقل الثقافي العربي، ونقصد ثقافة التحرير في مجالات معرفية شتى.
لا ننتظر من اليحياوي أن يطلعنا على جديد شعر محمود درويش أو تفكيك ماهية الوجود عند مارتن هيدغر، ولكن نتوقع منه الاجتهاد مجددا في نقد مآزق العولمة والاتصال، وهو عين ما يحفل به مبحثه الأخير الذي يحمل عنوان "كونية الاتصال، عولمة الثقافة"، والصادر عن منشورات عكاظ، مع تقديم الدكتورة نزهة بلخياط، والتي كانت محقة عندما افتتحت الكتاب بالإشارة إلى أن تحديد فكر الكاتب، أو الإسم الذي أضحى مألوفا في مشهدنا الثقافي (المعلوماتي والإعلامي والاتصالاتي)، لا بد من العودة إلى سلسلة من المساهمات مختلفة المسارات والاجتهادات متعددة الأوجه التي غالبا ما تبلغ حد التنظير والتي قدمها لنا فيما يتعدى العشرين كتابا فضلا عن ثلة من المقالات والدراسات المنشورة في الفترة الممتدة ما بين 1989 و2004 باللغتين العربية والفرنسية.
جاء الكتاب موزعا على ثلاثة فصول يتفرع كل منها على أربعة أبواب، وهكذا خصص الفصل الأول لموضوع "العولمة والرأسمالية وكونية الاتصال" ويتضمن الأبواب التالية: "كونية الاتصال" و"إشكالية الاقتصاد الجديد" و"الرأسمالية المعلوماتية" و"العولمة والديمقراطية والمجتمع المعلوماتي".
أما الفصل الثاني والذي يحمل عنوان "التنوع وعولمة الثقافة"، فيتفرع على الأبواب التالية: "عولمة الثقافة" و"الإنترنت والثقافة" و"اللغة والثقافة والمجتمع المعلوماتي" و"الكونية ومسألة التنوع الثقافي".
بالنسبة للفصل الثالث والأخير، فقد خصص لموضوع "الاتصال والثقافة وإيديولوجيا المجتمع الإعلامي الكوكبي"، ويتفرع بدوره على أربعة أبواب: "إيديولوجيا مجتمع الإعلام الكوني" و"الفجوة الرقمية الكبرى" و"القمة العالمية لمجتمع الإعلام" و"إقامة مجتمع المعرفة" ويختتم الكتاب بالعروج على واقع المثقف العربي في ظل التحولات الراهنة والتحديات الجمة التي يمر منها الوطن العربي ومعه الأمة الإسلامية. (طبعة نونبر 2004).
سوف نكتفي في هذا العرض المقتضب بالتركيز على بعض الأبواب ذات الأهمية الأكبر، من وجهة نظرنا المتواضعة، مقارنة مع باقي الأبواب، والتي لا نحط قط من قيمتها، لولا أنه سبق لنا في مقام آخر التطرق لرؤى المؤلف الرصينة لثنايا الأبواب التي نصرف عنها النظر في هذا العرض.
+++ في كونية الاتصال
يفتتح المؤلف الفصل المخصص لموضوع "العولمة والرأسمالية وكونية الاتصال"، بالتأكيد على أن العولمة تتباين وعمليتي التدويل وتعدد الجنسية ـ بالصيغة التي سطر خطوطها العريضة المفكر الإيطالي المرموق ريكاردو بتريلا، والذي يقر بدوره في مقام آخر إلى أن التحولات التي حصلت طيلة الخمس إلى الخمس عشر سنة الأخيرة هي من العمق وتعدد المجالات المستهدفة حيث أضحت مفاهيم ومصطلحات التدويل وتعدد الجنسية غير قادرة على توصيفها بدقة أو شرح معناها" ـ كونها، والتقييم هذه المرة لليحياوي، تعبر عن مسلسل تتم التحولات في خضمه بنقطة ما لكنها سرعان ما تطال الكوكب بمجمله وتفعل في حاضر الأفراد والجماعات والاقتصادات والمجتمعات ومستقبلهم.
وعلى الرغم من قدرتها على الفعل في الفضاء الترابي العالمي وفي تعميق المسلسلات السابقة، إلا أنها لا تنفك مطلقا عن الديناميات الوطنية التي تحركها وتحدد لها المرجعية والمصب النهائي، من منطلق أن الشركات المتعددة الجنسيات التي تخترق المجالات بفروعها وتحالفاتها الاستراتيجية وترابطاتها التجارية، تبقى رهينة البلد/الأصل الذي انطلقت منه وتفرعت، بل وتركز به.
لا يجانب الكاتب الصواب عندما يلح على أن كل المجالات أصبحت نشاطاتها معولمة أو هي في طريقها إلى ذلك بوتيرة غير مسبوقة: عولمة المال ورأس المال, عولمة الأسواق والاستراتيجيات وعولمة التكنولوجيا والبحث العلمي والمعارف المصاحبة لها وعولمة أنماط الحياة والاستهلاك وعولمة الثقافة عولمة الكفاءات وعولمة التمثلات والمعتقدات الإنسانية وعولمة السياسة والجيوستراتيجيا.. إلخ، لدرجة قد يتعذر معها العثور على ميدان أو مجال غير معولم أو لا يتبنى العولمة خطابا ويعمل على استنباط " قيمها" لتكريس ذلك على مستوى الممارسة.
+++ شبكات الاتصال: أداة العولمة ومادتها
يرى اليحياوي أن ميدان الإعلام والاتصال هو الميدان الذي تمظهر فيه مسلسل العولمة أكثر من غيره ليس فقط بحكم طبيعته القابلة تلقائيا لتخطي الحدود وتجاوز الحواجز، ولكن أيضا كونه سرع وتيرة تنقل السلع والخدمات والرساميل ووفر إلى حد ما سبل انتقال الأفراد وإدماج الجماعات داخل الفضاءات وفيما بينها.
وعلى هذا الأساس، فعولمة الإعلام والاتصال لم تكن محكومة بالقوانين والتشريعات (عكس العولمة الاقتصادية أو المالية أو الثقافية)، بل وسعت مجالها ليطال الكون بمجمله متحدية بذلك الدولة/الأمة أو ما تسنى لها سنه من موانع وتحديدات.
ولا يكمن السر في ذلك فقط في كون قطاع الإعلام والاتصال يحتكم إلى شبكات وتكنولوجيا تغطي الكرة الأرضية وتسقيها بالمباشر الحي بما تسنى لها بثه، بل وأيضا لأنه من فصيلة التكنولوجيا اللامادية التي تتنقل المعلومات والمعارف بداخلها يتعذر على الدولة القطرية معها المنع وتصعب عليها سبل الرقابة والمراقبة، ليخلص إلى أن شبكات الإعلام والاتصال (أجهزة وأعتدة معلومات وبيانات) إنما هي مكمن العولمة الأول، أو المادة الأولى التي على محك نجاحها اندفعت "باقي العولمات".
ومعنى هذا الكلام أن شبكات الإعلام والاتصال لا تفتح في السبل للعولمة فقط اعتبارا لما توفره من معلومات وبيانات لفاعلي العولمة الكبار، ولكن أيضا لأنها تقدم في كونها المعهد الحقيقي للرأسمالية الإعلامية الطامحة للتجسيد والتكريس على غرار "الرأسمالية المادية" التي سادت لعهود طويلة مضت، ومعناه أيضا أن العديد من السلع والخدمات التكنولوجية في ميدان الإعلام والاتصال أصبحت بامتياز "سلعة عالمية" ليس فقط على اعتبار أنها تباع وتشترى بمختلف بقاع العالم، ولكن أيضا وبالأساس لأنها تصمم وتطور وتخضع للتجريب وتصنع وتسوق وفق معايير ومقاييس عالمية، لسوق عالمي وبالنهاية ل "مستهلك عالمي"، لدرجة قد يسود معها الاعتقاد بأنها سلع وخدمات "صممت بالعالم" ولم تصمم بفضاء وطني معين أو بمعايير ومقاييس وطنية محددة أو لسوق وطني محدد أو لمستهلك وطني معروف.
وعلى صعيد آخر، وإذا كانت عولمة الاتصال تطال الأسواق وتطال الفاعلين به وتطال الاستراتيجيات المسطرة من لدن الشركات الكبرى، فإن كونية الاتصال تطال فضلا عن ذلك الثقافات والهويات والتمثلات وطبيعة الانتماءات على خلفية من تجاذب المحلي والدولي، الوطني والعالمي وما سواها، وبالتالي فالكونية إنما هي امتداد طبيعي و"حتمي" لمسلسل العولمة لكن بسبل أخرى وأدوات أخرى تتعدى الاقتصادي والسياسي القصير المدى إلى الثقافات ومنظومات القيم التي هي من مجال المدى البعيد والأمد الطويل.
ولئن تسنى للمرء التسليم بقدرة الشركات الكبرى على إقامة المرتكزات الكبرى للمجتمع إياه وتشييد بنيته المادية الأساسية، فإن تطعيمه بالمعطيات والمعارف و"الثقافات" ـ في أفق التأسيس ثقافة كونية ـ يبقى مشروطا بتحديد ماهية هذه الثقافة ذاتها وطبيعة الجسور المقامة بين هذه الأخيرة وخصوصيات منظومات القيم التي لا سبيل لتطويعها أو صهر محدداتها، كما هو الشأن بالنسبة للمنظومة اللغوية مثلا، بالصيغة التي يفصل فيها كثيرا في كتابه هذا، هذا ما يحيلنا على الجزء الثاني من العرض، والمخصص لواقع "عولمة الثقافة"، ويمكن الجزم أننا نطرق بحق الجزء/الباب الأكثر إثارة للجدل في كتاب "كونية الاتصال، عولمة الثقافة"، ويكفي التذكير أن الترحال مع تمرير قراءات نقدية في هذا الفصل، قد تضطر الناقد إلى الاستشهاد بما جاء في أعمال أسماء وازنة في الحقول المعرفية التي يجتهد اليحياوي في الترحال معها برصانته المعهودة، ونذكر منهم على وجه الخصوص إدوارد سعيد وعبد الوهاب المسيري وعلي عزت بيغوفيتش، وغيرهم كثير.
+++ في نظريات "عولمة الثقافة"
برأي المؤلف، وعلى النقيض من العولمة الاقتصادية أو المالية أو التكنولوجية أو الجيوسياسية، فإن العولمة الثقافية تحيل على نقل وإشاعة المعرفة والإيديولوجيا والفن والإعلام وأنماط الحياة خارج الحدود الوطنية. ولو تسنى للمتتبع الإمساك بطبيعة الأولى (على اعتبار طابعها المادي البارز) والتنظير لها بناء على ما يتوفر من بيانات ومعطيات وتوجهات، فإنه من المتعذر نسبيا تحقيق ذلك مع الثانية ـ يقصد العولمة الثقافية ـ ليس فقط لأنها تحيل على فضاءات رمزية عصية على الضبط والقياس، ولكن أيضا لأنها لا تخضع بسهولة تامة للتنظير أو للنمذجة أو لغيرها، وهذا بالرغم من وفرة الدراسات و"النظريات" التي تحاول تفكيك عناصر العولمة الثقافية وصياغة أطراف معادلاتها، والتي يؤاخذ عليها اليحياوي أن محصلتها النهائية تبقى في الغالب الأعم "ماكروتحليلية" وعامة وليست، إلا في القليل النادر، "ميكروتحليلية" ومبنية على معطيات أمبريقية وإحصائية مضبوطة، تتعلق بالدين أو بالفن أو بالأخلاق أو بمنظومات القيم أو بغيرها.
تنطلق أطروحة العولمة الثقافية، كما نطلع عليها في هذا المبحث على خلفية من سوسيولوجيا الثقافة، من أربعة نماذج كبرى تتراءى لها كفيلة بضبط الإشكالية المطروحة:
+ نظرية الإمبريالية الثقافية التي برزت أواسط ستينات القرن الماضي، وهو النموذج الأول للعولمة الثقافية الأكثر ذيوعا والأقوى صيتا، ويهتم أساسا بدور الحكومات والشركات المتعددة الجنسيات والعابرة للحدود في تشتيت مختلف أشكال الثقافة العالمية، إذ ينطلق من فرضية أن الثقافة العالمية تنتشر انطلاقا من الدول الغنية والقوية المتواجدة بمركز النظام الثقافي العالمي باتجاه الدول الفقيرة والأقل تقدما الموجودة بهوامش هذا النظام، وبالنتيجة، نصل إلى هيمنة ثقافية مقصودة تتغيأ توحيد وتنميط الثقافة العالمية على خلفية سيادة الأقوى ضمنها أي الثقافة الأنجلوسكسونية، وهو ما نلاحظه منذ ما يزيد عن نصف قرن من الزمن.
+ النموذج الشبكي والذي يرتكز على نظرية التيارات الثقافية حيث "التأثيرات الثقافية ليس لها بالضرورة نفس المصدر ولا نفس التوجه، إذ يمكن أن نكون في الآن ذاته مرسلين ومتلقين". وبالتالي، فالعولمة، بما هي تجمع للتيارات والشبكات الثقافية، إنما هي مسلسل أقل توحدا من الإمبريالية الثقافية، حيث التأثيرات الثقافية تذهب باتجاهات متعددة، فآثار هذه التيارات الثقافية (الإعلام والتكنولوجيا والإيديولوجيا والمصادر الإثنية...إلخ) على الدول المستقبلة إنما تنحو بناحية تعددية ثقافية أكثر منها بناحية الوحدنة.
+ نموذج "نظرية التلقي" والذي يقف عند رد فعل جماهير الدول المتخلفة في وجه عولمة الثقافة. ومفاد هذا النموذج أن المجموعات المقصودة إنما تتجاوب بطريقة إيجابية (وليس حيادية) مع الثقافة "الجماهيرية"، وكون مختلف المجموعات العرقية أو الإثنية أو الوطنية لا تتعامل بالضرورة مع الرسالة المتلقاة بنفس الطريقة أو بنفس الأسلوب.
+ يسائل النموذج الرابع الاستراتيجيات المعتمدة من لدن الدول والمدن والمنظمات الثقافية لتشجيع العولمة الثقافية أو لمواجهتها.
والاستراتيجيات المقصودة عند المؤلف هي تلك التي تستهدف الحفاظ على الثقافات الموروثة من الماضي وتشبيب الثقافات التقليدية والصمود في وجه العولمة الثقافية وإعادة صياغة الثقافات الوطنية والمحلية الموجهة للاستهلاك العالمي.
يورد المؤلف مجموعات قراءات نقدية اتجاه النماذج سالفة الذكر، وعلى الرغم من أن كل منها يرتكز على العديد من الفرضيات والمتغيرات، إلا أنها مع ذلك تبدو في فردانيتها قاصرة على ضبط الإشكال موضوع الدراسة، ويهمنا الاستشهاد في هذا المقام بالمؤاخذات التي تطرق إليها اليحياوي بخصوص النموذج الأول، فعلى الرغم من قوتها التفسيرية، تبقى نظرية "الإمبريالية الثقافية" مبهمة ومبنية على فرضية السلوك الحيادي للمجموعات العرقية أو الدينية أو المحلية والوطنية، في حين تثبت الدراسات الميدانية أن العكس هو الصحيح في الكثير من مناطق وجهات العالم. كما أنها تفترض هيمنة سياسية مطلقة لدول المركز على دول المحيط، وهو ما ليس محققا في المطلق. وأخيرا، تبدو فكرة "الإمبريالية" مرتكزة على مشروع تحديدي يتغيأ من ورائه نظام اجتماعي ما أو مركز سلطة محدد تعميمه على الكون بأكمله.
+++ في الثقافة الافتراضية كعولمة للثقافة
إذا سلمنا مع المؤلف بأن العولمة إنما هي ـ في محدداتها ومرجعياتها وخلفياتها وطبيعتها وطبيعة الفاعلين بصلبها ـ ظاهرة اقتصادية بامتياز، فإننا سنسلم حتما بأن باقي "العولمات" لا تغدو غير كونها فروعا في حين أن الأولى هي المصدر أو الأصل، ومن هنا الاعتقاد ـ المثير لجدل أكبر لا يسلم به المؤلف ـ من أن ما يتعولم من الثقافة إنما تلك الجوانب المرتبطة عضويا برأس المال المادي وليس الثقافة في شموليتها، ومعنى هذا أنه لا يتعولم من الثقافة إلا مكونها المادي الجلي بحكم قابليته على ذلك وليس الثقافة في كل مكوناتها ومشاربها ومصادرها، ومعناه أيضا أنه لو تسنى لفاعلي العولمة الكبار أن ينشروا منتجات السينما ومسلسلات التلفزيون وبرامج التسلية والترفيه وأسطوانات الموسيقى وغيرها، فإنه لن يتسنى لهم عولمة سلم القيم ومنظومات التمثل التي كانت خلف صياغتها وإنتاجها!
بل يذهب الكاتب أبعد من ذلك عندما يلح على أن "فاعلي العولمة الكبار لن يتمكنوا أن يفرضوا ذات المكونات الثقافية على سلم القيم ومنظومات التمثل المتلقية إذ لا يخضع لطقوس ومنطق العولمة إلا السلع "الثقافية" وليس بأي حال من الأحوال الرموز والتصورات"!
والحال أننا نعيش في الرقعة العربية والإسلامية على العديد من تجليات عولمة مفهوم منمط من القيم والعادات المستوردة قسرا من الآخر، دون أن تكون قطعا صالحة للأرضية المفاهيمية المميزة لهذه الرقعة، ويكفي استحضار الزوبعات الإعلامية السائدة حول ظاهرة "الفيديو كليب" حتى نستحضر مدى أحقية التشكيك في حديث المؤلف عن عدم قدرة فاعلي العولمة على "عولمة سلم القيم ومنظومات التمثل التي كانت خلف صياغتها وإنتاجها".
يرى المؤلف أن الاشتغال على مأزق "الثقافة الافتراضية" قد يفضي بشكل أو بآخر في تزكية أطروحته المثيرة للجدل حول عجز فاعلي العولمة في فرض سلم القيم الذي يؤسس لمشروعهم العولمي، أو لترسيخ خلاصة نتحفظ عليها كثيرا مفادها أن تكون "العولمة الثقافية" الحالية حقا عولمة للثقافة، بقدر ما هي عولمة اقتصادية وتقنية وإعلامية. ويقصد بالثقافة الافتراضية تلك الثقافة المرتكزة على الفضاء الافتراضي حيث تنفصم العلاقة بين الزمن والمكان ويصبح الفضاء الواقعي جزءا من الفضاء الافتراضي، كما يغدو المستوى المحلي والوطني مكونا من مكونات ذات الفضاء. والمقصود بالثقافة الافتراضية أيضا هو مجموع الثقافات المرتبطة بعضها البعض عبر الشبكات الإعلامية والاتصالاتية وغيرها.
وعلى هذا الأساس، فطبيعة الثقافة إياها تبقى من طبيعة الثقافة المعولمة المتحدث فيها من قبل، إذ ما يخضع للافتراضي في الأولى إنما هي البيانات والمعلومات والمعطيات وليس الثقافة كنموذج حياة وسلوك وكمنظومة قيم ورموز هي عصية بكل المقاييس على ذلك. ثم لو تسنى لذات الثقافة أن تضحو افتراضية في جانبها الأول، فإنها لا تستطيع التجذر في المجتمع ومنظومة القيم لا فقط بحكم عسر التملك ولكن أيضا على اعتبار تعذر البلوغ من لدن الأفراد والجماعات.
وإشكالية التملك المقصودة هنا إنما تتمثل في قدرة الأفراد والجماعات على صهر "قيم خارجية" في منظومة قيمهم وتحويلها إلى مكون من مكوناتها، وهو أمر يتعذر على طبيعة العولمة الثقافية القائمة ضمانه أو تحويله إلى واقع مادي ملموس...حتى بوجود " فاعلين ثقافيين" يتغيأون توظيف "قيم" ذات العولمة ومزاياها لتكوين ضمير عالمي واحد (نقرأ في الهامش استشهادا دالا للمؤلف بما صدر عن المفكر الفرنسي إدغار موران في كتابه "علم بدون وعي"، من أن هناك وجهان للعولمة: الأول اقتصادي وتقني محض مبني على الربح، والثاني يهيأ لمواطنة كونية ويعمل على صياغة ضمير انتماء لوطن واحد هو الأرض. هذا الضمير، يضيف موران ـ الذي هو طور المخاض، يحاول صياغة أممية مواطناتية ستقودنا لتحضير (من حضارة) الأرض وتحويلها إلى مجتمع/عالم").
+++ في اللغة والثقافة والمجتمع المعلوماتي
نختتم هذا العرض بما افتتح به المؤلف الفصل المخصص للغة والثقافة والمجتمع المعلوماتي، حيث يشير إلى أن هيمنة بعض لغات العالم على عمليات التبادل الاقتصادي والإنتاج المعرفي والتكنولوجي ـ ونضيف معها الهيمنة على تنقل التيارات الرمزية على نطاق شبه كوني واجتماعات المنظمات الدولية وملتقيات البحث والفكر ـ لم تعد مكمن إجماع عام على حقيقتها المتزايدة، بل أضحت تقدم في كونها "تهديدا" للحق في التباين والاختلاف و"خطرا" على "هويات" الأفراد والجماعات بهذه المنطقة من العالم أو تلك. وسواء أكانت اللغة هنا وسيلة اتصال وتواصل وأداة تبليغ وتبادل للمعلومات والمعارف، أم كانت تعبيرا عن ثقافة، عن هوية أو عن علاقات قوة، فإنها غذت في الحالتين معا تسائل ذات "الحق" وتستفهم في مستقبل "الهويات" إياها.
الحديث عن هيمنة وتفوق اللغات يحيلنا بشكل مباشر على واقع اللغة الإنجليزية دون سواها، والتي أصبحت لغة العولمة القائمة ولغة التيارات الرمزية المقتنية لذات الشبكات، إن لم نقل لغة "الثقافة" السائدة شكلا وفي الجوهر. وبرأي اليحياوي، لا يأتي "تفوق" اللغة الإنجليزية فيما يبدو، من تفوق ما في بنيتها الداخلية أو توفرها على سمات مميزة لها عن غيرها، ولكنه تأتى لها كون الدولة الثاوية خلفها (الولايات المتحدة الأمريكية) انفردت بسلطان القوة الاقتصادية والمالية والتكنولوجية والعسكرية والسياسية وسلطان البحث العلمي والتطوير التكنولوجي.
وبالتالي، فعولمة اللغة الإنجليزية المتزايدة لدرجة أضحت معها لغة التخاطب العالمي ولغة المبادلات الكونية إنما هو رديف منطقي إلى حد بعيد لعولمة الاقتصاد والمال والأعمال والبحث والتكنولوجيا التي تدفع بها الولايات المتحدة بالمنظمات الدولية كما بالمنظمات الجهوية كما في علاقاتها مع الدول والشركات.
ولئن غذت المسألة اللغوية، في عصر العولمة وانفجار التيارات الرمزية على المستوى الكوني، رهانا كبيرا في العلاقات بين دول ومناطق العالم، فليس الباعث في ذلك كونها أداة اتصال وتواصل ووسيلة نقل للمعارف والمضامين، ولكن أيضا لأنها تجر من خلفها رهانات ثقافية وهوياتية ضخمة لا تختزل لحد الساعة إلا في مظاهر ثانوية (من قبيل غزو بعض المفردات الإنجليزية للعديد من لغات العالم، كما يشير المؤلف في الهامش).
والسر في ذلك، والرأي هذه المرة لأحد الباحثين الغربيين، كامن في أن "اللغة لا تصلح فقط لتمرير المعلومات المصاغة خارجها، ولكنها تمارس آثارا على بنية المعارف المصاغة داخل نشاطات ذهنية ووفق تداخل اجتماعي بين مختلف المتدخلين. فليست الكلمات في حد ذاتها التي تعبر وتوجه تمثلا للعالم ولكن أيضا أنماط ترتيبنا للكلمات والجمل في الخطاب. وكذلك فإن أنماط تواصلنا وتبادلاتنا هي التي تنظم وتهيكل وتوجه علاقاتنا بالعالم وبالآخرين".
ومعنى هذا أن العولمة اللغوية المتصاعدة المد لا تضع اللغة كأداة في المحك، بل وأيضا في كونها أضحت "ملتقا حقيقيا للعلم والتقنيات، للتربية والثقافة والاتصال" بتعبير برانسفيك دانزن، وهو ما سينعكس حتما على إمكانات الوصول للثقافة ونشرها وإعادة إنتاجها. ليستخلص اليحياوي أن العولمة اللغوية ليست هدفا في حد ذاتها بقدر ما هي وسيلة لبلوغ أهداف محددة وآليات مقصودة تكون اللغة بداخلها الأداة والرافعة لا العكس.
بمعنى لو سلمنا بأن الثقافة (في التحديد الأمريكي) إنما هي سلعة كباقي السلع، ولو سلمنا بأن "السياسة الثقافية" الأمريكية إنما تتمثل في الدفاع المستميت على مصالح صناعاتها الثقافية، فإنه لن يتعذر التسليم بالتالي بأن اللغة في كل ذلك إنما هي عنصر لنشر منتجات ذات الصناعات وترويجها على نطاق واسع وليست شيئا آخر! (ومبرر الكاتب في ذلك كون اعتبار الثقافة سلعة كباقي السلع تخضع كما سواها لقوانين السوق وطقوس العرض والطلب يجعل من الصعب معرفة مدلول "السياسة الثقافية" عند الأمريكيين" كما يشير في الهامش).
على صعيد آخر، يؤكد المؤلف أنه لا يمكن فصل اللغة والثقافة عن التحولات الكبرى التي تعرفها منظومات المعلومات والمعرفة والاتصال، وأن الإشعاع اللغوي هو أيضا وبالأساس من الإشعاع الثقافي وأن إدراك هذا الأخير لا يمكن فصله عن الواقع الاقتصادي والتكنولوجي والعلمي والسياسي وما إلى ذلك، وعليه، فإن مستقبل الثقافات كما اللغات سواء بسواء إنما يتحدد بقدرتها على التواجد بهذا النظام وقدرتها على تمرير المضامين والمعارف بداخله، إذ "في مواجهة تقدم لغة كونية فإن لغة كل بلد وثقافته إنما سيكونان صورة لما نريده لهما اليوم، وضمن هذا الإطار، لا تبدو اللغة مستقلة عن الثقافة بل وفي صلبها ما دامت الثقافة ذاتها هي نتاج عمليات تواصل لا على اعتبار أن كل أشكال التواصل ترتكز على عمليات إنتاج واستهلاك الرموز فحسب، بل وأيضا لأن كل المجتمعات تعيش وتتحرك في محيط رمزي. (الإحالة على رولان بارث بالطبع).
ولما كان هذا النظام ممركزا ومصدرا للبث أحادي، فإن خطر الهيمنة والتنميط الذي يطال مختلف التعابير الثقافية يبقى مطروحا مادام بلوغه يفترض ويشترط التكيف مع منطقه ولغته ونقط مداخله ورموزه وما إلى ذلك. من هنا تبقى الكلمة/الفصل في ذلك للذي يتحكم في ذوات المنطق واللغة ونقط الدخول ومفاتيح البلوغ وغيرها.
ويبقى أخيرا من المؤكد أن اندماج مختلف التعبيرات الثقافية في نظام التواصل المندمج والمبني على إنتاج وتوزيع وتبادل الرموز الإلكترونية المرقمنة، إنما هو ذو تبعات اجتماعية وثقافية ولغوية كبيرة تتحدد بموجبها حتما طبيعة المجتمع المعلوماتي ذاته.
والعاقبة لما ينفع الناس. وبالتأكيد المطلق.
جريدة "الصحراء المغربية، 18 مارس 2005 (قراءة: منتصر حمادة)
*" بحث للكاتب المغربي يحيى اليحياوي: مستقبل الثقافات كما اللغات متعلق بالتواجد مع نظام المعلومات"، جريدة "الصحراء المغربية، 18 مارس 2005 (قراءة: منتصر حمادة).