تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الوصلات الإشهارية بالمغرب: تنشيط للاقتصاد أم تصفية حسابات؟

أطلقت شركة مديتيل في الأيام القليلة الماضية، وصلة إشهارية عبر شاشة التلفزة يشتم منها رائحة بوادر حرب جديدة قد تنشب بين هذه الشركة  وشركة "وانا الفاعل الجديد في قطاع اتصالات المغرب ". وهي الوصلة التي تعيد إلى الأذهان حرب مارس من سنة 2004 بين اتصالات المغرب ومديتيل، على خلفية "جوال التحدي" التي استدعى فيها المشهر كل مقومات القوة والانتصار ليلحقها ببطاقة تعبئة اتصالات المغرب، فيما ألصق عناصر الضعف والرداءة بمنتوج مديتيل، في وصلة أشبه بفيلم يرسم معالم صراع بين غريمين، ينتهي بانتصار الفاعل الأول على الفاعل الثاني.

الوصلة أثارت حفيظة شركة ميديتيل، التي أصدرت بلاغا قوي اللهجة للرد على ما وصفته بمزاعم اتصالات المغرب في مقام أول، ورد الاعتبار للعلاقة التي نسجت بين الشركة والزبون على قاعدة الجودة والاحترام في مقام ثاني. كما طالب بتحكيم من قبل الهيأة العليا للاتصال السمعي البصري. دون أن ننسى حرب إشهار ثانية نشبت بين شركتين لإنتاج الزيوت على خلفية استعمال إحداهما مادة الذرة، تقول الثانية إنها تعود إلى ملكيتها. فهل ستتكرر المأساة بين مديتيل و"وانا"؟ وما هي طبيعة السلوك الإشهاري بالمغرب؟

1- الدائرة تدور

ما أن طل الفاعل الجديد شركة "وانا" على سوق الاتصالات بالمغرب هواتف  "باين" حتى أطلقت شركة مديتيل وصلة إشهارية قد لا تكون محسوبة العواقب، يسوق يها  فيها المشهر( المعلن) في أقوى لحظات السيناريو كلاما  من قبيل ("أنا خاصني بورطابل ماشي بورطاتيف بحال الطاكسي الصغير حدو فالمدينة"، في خطوة ربما يكون المقصود منها إرباك الغريم  الجديد، وإظهاره على نحو من الضعف أمام زبنائه الجدد.

وبالرجوع إلى ميزات منتوج باك "باين"، نجدها تتحدد فيما تتحدد في كون خدمته لاتتجاوز 35 كلمترا، وهي المساحة المفترضة لمدينة من المدن. ميزة قد يكون مشهر مديتيل قد قصدها من خلال عبارة " الطاكسي الصغيرة"، على اعتبار أن سيارة الأجرة الصغيرة لايتعدى جولانها المدينة الواحدة، خلاف سيارة الأجرة الكبيرة التي تتجاوز حركتها المدار الحضري، في إشارة ربما إلى انحصار شبكة "وانا" مقابل انتشار غريمها مديتيل.

2- السيناريوهات  المحتملة

وفي سياق المعطيات الآنفة، يتراءى في الأفق ثلاث سيناريوهات محتملة لتعاطي شركة "وانا" مع هذا الحدث:

 السيناريو الأول، هو استبعاد أن تكون وصلة ميديتيل تقصد تحديدا الإساءة إلى الخصم الجديد، وهو ما يعني معه عدم نشوب أي خصومات بين الغريمين.

 السيناريو الثاني، هو أن الوصلة تلك تسعى إلى التشويش على سمعة "وانا"، وهو ما أكدته مصادر مقربة من الملف. وحيال هذا الوضع يتوقع من هذه الأخيرة أن تنحو منحيين اثنين: أولهما أن تطلب تحكيم  الهيأة العليا للاتصال السمعي البصري، وثانيهما أن تتجاهل الموضوع على قاعدة"كل محارب مرغوب"، خاصة وأن الشركة ماتزال في بدايتها، ودخولها إلى سجال من هذا النوع، قد يشغلها عن تنفيذ خطتها التجارية باتجاه كسب رهان جلب أكبر عدد ممكن من الزبناء.

3- سلوكيات الاحتكار

يمكن أن تربأ شركة "وانا" عن نفسها، في حال ثبوت إيحاءات القصد بالإساءة. مواجهة سلوك إشهاري قد يكون إفرازا طبيعيا لسوق حديث عهد بالانفتاح ومقتضيات المنافسة الشريفة.

وهو ما يشرح أسبابه وتداعياته الخبير في مجال الاتصالات الدكتور يحيى اليحياوي بالقول: "إن المنافسة بالإشهار غالبا ما ترتكز على تمايز جودة الخدمة بين الفاعلين، ومدى قدرتهم على تكييف الأسعار لاستقطاب الزبناء أو الاحتفاظ بهم. هذا أمر معروف بكل القطاعات، بما فيها قطاع الاتصالات".

ويضيف الخبير في تصريح خص به أسبوعية "الشرق" أن الفارق، بالاتصالات، هو كون القطاع لم يخرج بعد من وضعية الاحتكار، فالسوق- برأي الخبير- "لا يزال مسيطرا عليه من لدن فاعلين أو ثلاثة، وهذه ليست وضعية تنافسية، بل هي وضعية احتكار مزدوج لا يمكن أن تحرك دواليب السوق".

الخبير يحيى اليحياوي يخلص في سياق ما سبق، إلى التأكيد على أن السلوكات لا تزال سلوكات احتكار، أي أن طابعها طابع عدواني بإزاء كل من يتطلع لولوج السوق. وعندما يلجه، "غالبا ما يكون عرضة للتشهير الضمني أو لمحاولات التضييق، عبر تحويل الزبناء أو تبيان أن سلع المنافس غير ذات نجاعة تذكر".

4- المنافسة بين حق الفعل وواجب الأخلاق

 إن المنافسة – يقول يحيى اليحياوي- سلوك، قبل أن تكون آلية من آليات السوق. هي ثقافة تكتسب بالممارسة، وتخضع لأخلاقيات وأعراف هذه الأخلاقيات، وهذه الثقافة لم تتكرس بعد، لأن المغرب حديث العهد بالسوق وطقوسه، ويتابع الخبير بالقول: "هي ليست تجاوزات قد يكون بمقدور آليات السوق ضبطها، هي حالة نفسية يتراءى للفاعل خلالها أن له الحق لوحده الفعل في السوق، وما سواه يجب أن ينضبط ليس إلا". والإشهار هنا - يوضح المتحدث ذاته- "يتشخصن بامتياز، عوض أن يرتكز على خاصيات السلعة أو الخدمة، ويغدو حرب وجود بين رؤساء مديرين عامين، يتراءى لهم أن مجيء فاعل إضافي هو اقتطاع من رقم معاملات الفاعل القائم. ويمثل الخبير لذلك بالقول: "هذا أمر شبه مؤكد، لأن سوق الجوال مثلا مشبع ومتخم، والعرض متشابه، والمنافسة به تتم حول اقتناص زبناء الفاعل الغريم".

ويتصور يحيى اليحياوي أن المنافسة سلوك، وأن الإشهار أخلاقيات وثقافة قبل أن يكون حربا على المنافسين.

فماذا تخبأ الأيام المقبلة إزاء هذا الموضوع، خاصة أن معلومات تفيد بعدم توصل الهيأة العليا للاتصال السمعي البصري حتى الساعة بأية مراسلة بهذا الشأن.

جريدة الشرق، أسبوعية، العدد 617، 8 فبراير 2007 (تغطية محمد أفزاز).

* "الوصلات الإشهارية بالمغرب: تنشيط للاقتصاد أم تصفية حسابات"، تصريح لجريدة الشرق، أسبوعية، العدد 617، 8 فبراير 2007.

يمكنكم مشاركة هذا المقال