حاوره ذ: حافيظ إسماعيلي علوي
كلية الآداب/ أكادير
إذا كانت بعض الدول العربية قد استطاعت أن تحقق معدلات نمو موجبة خلال العقود الأخيرة، فإن السمة الغالبة التي ظلت تحكم المنطقة العربية هي العلاقة غير المتوازنة بين النمو الاقتصادي والتنمية الإنسانية؛ فمعظم البلدان العربية مازالت تواجه تحديات جمة في مجال التنمية الإنسانية، وهذا ما جعلها تتموقع ضمن مجموعة الدول متوسطة أو منخفضة التنمية في هذا المجال خلال عقد التسعينيات. ومن أجل تحقيق توازن بين النمو الاقتصادي والتنمية الإنسانية في المنطقة العربية، وخلق تنمية حقيقية وفق رؤية استراتيجية غاية في الدقة، عمد برنامج المتحدة الإنمائي منذ سنة 2002 إلى إصدار تقرير التنمية الإنسانية العربية.جاء التقرير الأول ليحدد الإطار العام للتقارير السنوية الثلاثة 2003-2005 للتحديات الاستراتيجية الثلاثة التي تواجه التنمية العربية، والمتمثلة أساسا في تجاوز النواقص في المعرفة والحرية وتمكين المرأة.
إن إعداد ونشر هذه التقارير، يعتبر بدون منازع، لحظةً تاريخيةً حاسمة، في تاريخ المنطقة العربية، بالنظر إلى طبيعة المرحلة، والمخاطر التي تحذق بالمنطقة؛ وهذا ما يجعل من سلسلة تقارير التنمية الإنسانية العربية محفزاً لرؤية استراتيجية عميقة، يمكن أن تشكل عملية إبداع حقيقي يقود إلى إعادة تشكيل المنطقة من الداخل خدمة للتقدم الإنساني المنشود. ويزيدنا تفاؤلا بذلك كون الفرق التي أشرفت على التقارير تضم مجموعة من الأكاديميين والباحثين العرب المتميزين. وهذا ما يجعل التقارير التي صدرت لحد الآن، قمينة بتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية المطلوبة في المنطقة العربية.
إن ضخامة الأثر الذي أحدثته التقارير السابقة كان أكثر من المتوقع. وتراوحت الآراء حول طبيعة الجرد الذي تقدمه بين القبول والرفض... ولتعميق النقاش حول القضايا والإشكالات المطروحة نلتقي في هذا الحوار الأستاذ يحيى اليحياوي الباحث والخبير الإعلامي المتميز، وهو من الباحثين الذين واكبوا صدور تلك التقارير، وساهموا بشكل فاعل في تعميق النقاش حولها، سواء من خلال مقالاته ودراساته المنشورة بعدد من المنابر العربية، أو من خلال مشاركاته في العديد من اللقاءات التي خصصت لمناقشتها داخل المغرب وخارجه.
السؤال1: معلوم أن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي يصدر منذ سنة 1992 ما يعرف بـ: "تقرير التنمية البشرية" الذي يتناول تقدم التنمية في دول العالم أجمع. غير أن البرنامج نفسه عمد منذ سنة 2002 إلى إصدار تقرير مواز خاص بالمنطقة العربية أطلق عليه" تقرير التنمية الإنسانية العربية". ما الداعي إلى تخصيص تقرير عن التنمية بالمنطقة العربية قام على صياغته وإعداده خبراء ومفكرون عرب؟
يحيى اليحياوي: الأمم المتحدة دأبت منذ بداية تسعينات القرن الماضي على إصدار تقارير سنوية عن التنمية بالعالم راجت الترجمة العربية لها تحت مسمى تقارير التنمية البشرية (وهي ترجمة غير دقيقة) لأنها تتعرض بالرصد والتحليل لواقع هذه التنمية بمختلف دول العالم.
هي تقارير تقتصر على رصد وتحليل المعطيات الكمية من أوضاع تعليم وصحة ورعاية وضمان اجتماعي وشغل وما سواها، ترصد بالبيانات الإحصائية مستويات تطورها أو تراجعها بهذه الجهة من العالم أو تلك وبانتظام.
من هنا فهي لا تهتم كثيرا بالمعطيات النوعية من قبيل حال الحقوق والحريات بالعالم أو مستويات الدمقرطة السياسية بهذا البلد أو ذاك حتى وإن كانت تلمح لها في سياق ما ترصده على المستوى الكمي العام.
بموازاة هذه التقارير الدولية عمدت الأمم المتحدة من خلال برنامجها الإنمائي، بداية هذا القرن، إلى إصدار تقارير جهوية تحمل نفس السمة، فأصدرت تقارير عن أمريكا اللاتينية وعن آسيا ثم عن المنطقة العربية (أو عن الوطن العربي). والتسمية هنا لا تحرج واضعي التقارير إذ لا يحتكمون في اعتمادها إلى أية خلفية جغرافية أو عنصرية أو سياسية أو ما سوى ذلك، بل هي وحدة تحليلية لا تحمل في طياتها موقفا معينا.
ولما كانت حصرا على المنطقة العربية فإن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ارتأى أن يتكفل بها أبناء الأمة من باحثين ومثقفين ودعاة رأي وجامعيين وإعلاميين وغيرهم كل وفق تخصصه واهتماماته العلمية مع مراعاة جانب التنوع في القناعات أو الاختلاف في الرؤية مادام الكل محكوم بدفتر تحملات يضع الشروط المفروض احترامها سيما من لدن محرري الأوراق الخلفية كما من لدن المنسق العام كما من لدن هيئة الصياغة النهائية للتقرير.
بالتالي وعلى الرغم من التحذير الوارد بالتقرير الأول بأن ما ورد بالتقرير إياه كما الذي سيرد بالتقارير المقبلة من تحاليل ومضامين وتوصيات لا يعبر عن آراء البرنامج أو مجلسه التنفيذي أو الدول الأعضاء به، فأنا أتصور أن التقارير لا تلزم واضعي الأوراق أو المشرف على المشروع بقدر ما تلزم (معنويا على الأقل) هيئة الأمم المتحدة من خلال برنامجها للإنماء الاقتصادي والاجتماعي وأيضا الصندوق العربي للإنماء حتى وإن التحقت به بعض الهيئات الإقليمية ذات الاهتمام بالمنطقة العربية على أساس هذه الخلفية أو تلك من قبيل برنامج الخليج العربي لدعم منظمات الأمم المتحدة الإنمائية الذي يرأسه الأمير طلال بن عبد العزيز والذي ساهم في التقرير الثالث عن الحرية والحكم الصالح.
وعلى هذا الأساس فصياغة التقارير من لدن خبراء ومفكرين عرب (وهم بكل الأحوال من خيرة أبناء البلاد العربية دون جدال) مستقلون إلى حد ما عن الأجهزة الإدارية والسياسية لبلدانهم هو أمر إيجابي ليس فقط من جهة معرفتهم الدقيقة بالقضايا المطروحة والتراكمات المعرفية المتوفرة لديهم ولكن أيضا من جهة الموضوعية التي من المفروض أن تميزهم.
لو كان لي من تحفظ على هذه التقارير (وقد قرأتها أكثر من مرة وكتبت وحاضرت حولها كثيرا) فلن يكون بالتأكيد تحفظا كبيرا حول الأسماء القائمة على التقرير (حتى وإن عبت عليها تغييب العديد من الخبراء بالتقرير الثاني مثلا) بقدر ما يطاول " دفتر التحملات" والسياق العام التي أتت في ظله.
معنى هذا أن خلفية هذه التقارير هي من خلفية واضعي دفتر التحملات ومن خلفية القائمين على اختيار الخبراء ومن خلفية الجهة الممولة وهي كلها متأتية من صندوق الأمم المتحدة الإنمائي الذي تساهم الولايات المتحدة الأمريكية بالجزء الكبير من ميزانيته.
فالمفاهيم والمصطلحات والمنهجية المعتمدة في التقارير الثلاثة تشي بأن زاوية الرؤية المطلوب اعتمادها محددة سلفا أو تكاد. بمعنى أن المفاهيم المعتمدة فيما يخص تحديد ما هو رأس المال البشري مثلا أو الحكم الجيد أو تداول السلطة أو ما سواها هي نفسها التي نجدها بتقارير الأمم المتحدة وتحديدا بتقارير البنك العالمي وصندوق النقد الدولي وهي مؤسسات معروفة سياساتها والأسلوب الذي تشتغل وفقه أو على خلفية من استحضاره.
أما عن تجاهل بعض الخبرات العربية فقد كان جليا بالتقرير الثاني المتمحور حول إشكالية مجتمع المعرفة بالمنطقة العربية.
إن مصطلح مجتمع المعرفة مصطلح دقيق على الأقل بالقياس إلى ما نجده حوله في الأدبيات الغربية الكثيرة. وبالتالي فعوض الاستئناس بخبراء في التكنولوجيات الجديدة في الإعلام والاتصال والمعلومات من مهندسين ومصممي برامج وعلماء اجتماع مهتمين بـ"المعرفة الجديدة"، عوض ذلك كله كنا بإزاء تقرير يبحث في تراث المعرفة عند العرب وما السبيل إلى إعادة الاعتبار للفكر والثقافة وما سوى ذلك وهو أمر مجانب كثيرا للإشكالية المعروضة.
بالتالي، وعلى الأقل من هذه الزاوية، تراءى لي أن هذا التقرير (الثاني أقصد) جانب إشكاليته وغاص في إشكاليات لطالما ترددت وأشبعت كتابة وبحثا.
أما من جانب الاستقلالية فأزعم أن استقلالية هذه التقارير كانت حقيقة على المحك سيما فيما يتعلق بالتقرير الثالث الذي تأخر صدوره من جراء الضغوطات الأمريكية وبعض من الدول العربية بخصوص ما جاء فيه عن إسرائيل واحتلال العراق واستمرار حالة الطوارئ ببعض الدول العربية وما سواها وأثر ذلك على الحرية والحكم الصالح. صحيح أن التقرير صدر في النهاية لكن بعد ثلاثة إلى أربعة أشهر وهو ما يمكن اعتباره رسالة تنبيه وتحذير من "الممول الأمريكي" فيما قد يصدر مستقبلا من تقارير. لا بل الأكثر من ذلك أن التقرير الثالث كاد أن يصدر باسم واضعيه دونما تبن من لدن البرنامج.
المفارقة أنه في ظل الأخذ والرد هذا وعوض أن يعترف البرنامج بالضغوطات الأمريكية عمد إلى نفيها جملة وتفصيلا عبر بيان يقول ضمن ما يقول: "إنه (أي برنامج الأمم المتحدة) قرر عدم نشر التقرير الثالث للتنمية البشرية في العالم العربي بسبب عدم تلبيته المعايير الصارمة للاستقلالية المتوقعة من إحدى وكالات الأمم المتحدة" ولكأنما القول بواقع احتلال العراق من لدن الولايات المتحدة والاحتلال والحصار للفلسطينيين من لدن إسرائيل هو قول تعوزه الاستقلالية أو الموضوعية.
بالمحصلة إذن، فالتقارير عربية بلغتها وبالخبراء القائمين عليها، لكنها تبقى مثار تشكيك وتحفظ فيما يتعلق بالجهة الواضعة لدفتر التحملات وبالجهة الممولة أو "الداعمة" لها.
ولهذا السبب كانت مصدر ردود فعل قوية من لدن العديد سيما عندما نشرت وثيقة "الشرق الأوسط الكبير" مستشهدة ومرتكزة على التقرير الأول في فرضياته، وفي تحليله وفي الخلاصات التي أفضى إليها.
السؤال 2: يبدو من محتويات التقارير الثلاثة الصادرة لحد الآن أن تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في الأقطار العربية، يبقى رهينا وإلى حد بعيد بإصلاحات جذرية تتغيا في مجملها تجاوز المعوقات التي حصرتها هذه التقارير في قصور المعرفة، وتدني مستويات الحرية وتردي وضع المرأة. لماذا اقتصار التقارير على هذه القضايا دون غيرها؟
يحيى اليحياوي: التقرير الأول (تقرير العام 2002) حصر عناصر التنمية والنهوض بالمنطقة العربية في ثلاثة جوانب كبرى:
+ في جانب اكتساب المعرفة وتوظيفها بفعالية وبناء القدرات البشرية وتوظيفها بكفاءة في جميع أصناف النشاط المجتمعي وصولا إلى ما يسميه التقرير " تعظيم الرفاه الإنساني" في المنطقة. وهو الجانب الذي عالجه بتفصيل في تقرير العام 2003 المخصص لإشكالية بناء مجتمع المعرفة.
+ وفي جانب الاحترام القاطع للحريات الإنسانية باعتباره حجر الزاوية فيما يسميه "بناء الحكم الصالح المحقق للتنمية الإنسانية" وهو ما أفرد له تقرير العام 2004 المخصص لإشكالية "الحرية والحكم الصالح".
+ وفي جانب تمكين المرأة عبر إتاحة جميع الفرص سيما تلك الممكنة "من بناء القدرات البشرية للبنات والنساء على قدم المساواة مع الذكور". وهو مادة التقرير القادم، تقرير العام 2005.
تجسيد هذه الجوانب الثلاثة هو القمين، في تصور واضعي التقارير، بتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية بالمنطقة العربية:
°- فبناء مجتمعات المعرفة، وفق التقرير الأول، إنما تتأتى من إعادة الاعتبار لمداخل إنتاج وتخزين وتوزيع واستهلاك المعلومات والمعرفة والثقافة، وهو ما لا يتراءى للتقرير في الزمن الحالي بالاحتكام إلى العديد من المؤشرات المتداولة من بحث علمي وإنتاج معرفي وإبداع تكنولوجي على المستوى المؤسساتي وعلى مستوى الميزانيات وعلى مستوى التقدير المعنوي للمشتغلين بهذا الحقل أو ذاك من حقول اكتساب المعرفة.
وهي أمور لا يمكن أن نزايد على التقرير فيها إذ واقع المعرفة (بحثا علميا وإبداعا تكنولوجيا) بالمنطقة العربية واقع متردي بكل المقاييس ولا يمكن للدول العربية أن تنهض أو تصبو للتنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في ظل استمرار هذا الواقع.
°- وتحقيق النهضة بالمنطقة العربية، وفق التقرير الثاني، لا يمكن أن يتحقق في ظل سيادة الاستبداد وتغييب الحريات الاقتصادي والاجتماعي منها كما المدني والسياسي سواء بسواء وفي ظل الغبن الذي يتعرض له الأفراد والجماعات، الأحزاب والنقابات وغيرها في سبل التعبير عن الرأي أو المطالبة بالدمقرطة وإشاعة قيم الشفافية والمحاسبة وغيرها.
وهي أيضا أمور لا يمكن أن يختلف حولها إثنان؛ إذ واقع الحريات الفردية والجماعية متردي بمعظم الدول العربية ولا ميزة لهذه الدولة عن تلك إلا في الدرجة وليس في الطبيعة، طبيعة الاستبداد المستشري.
°- وبلوغ سبل "الرفاه الإنساني" لا يمكن أن يدرك في استمرارية الوضع المتدهور للمرأة العربية وإقصائها من شتى أصناف المساهمة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي تستوجبها كل مشاريع البناء والتنمية.
وهو كذلك أمر لا يمكن التجاوز عليه لتحقيق النهضة إذ تهميش قدرات النساء هو من ارتهان ركيزة من ركائز التطور وإدراك سبل الرفاهية للمجتمع.
هذه إذن، قضايا كبرى عالجتها التقارير الثلاثة بالكثير من التفصيل على مستوى الرصد والتحليل وعلى مستوى استشراف المستقبلات البديلة وخلصت بالتالي إلى المطالبة بإجراء إصلاحات جذرية على مستوى البنى وعلى مستوى المؤسسات وكذلك على مستوى الذهنيات، ذهنيات الحاكم والمحكوم على حد سواء.
أما عن السر في الاقتصار على هذه القضايا، فأنا لا أتوفر على معطيات بهذا الصدد لكني أستطيع أن أزعم أن هذه القضايا الثلاث هي التي تم التوافق عليها بين برنامج الأمم المتحدة والفريق المعد والمشرف على التقارير. وهي على أية حال القضايا المفتاح بكل المقاييس.
وأزعم من جهة أخرى أنه مادام التوجه الوارد في الوقت الراهن هو تحويل هذا المشروع إلى جهة مستقلة عن الأمم المتحدة، فلربما سيتم تناول قضايا أخرى فرعية لكن البحث فيها بأدوات علمية لا زال غير مكتمل.
من ناحية أخرى فالتقارير تلح على ضرورة الإصلاحات ليس فقط بغرض مسايرة التحولات الجارية من حول المنطقة العربية (سيما منذ الحادي عشر من شتنبر واحتلال العراق) ولكن أيضا كون أي تأخير في ذلك من شأنه أن يضاعف التكلفة ويحول دون جوهرية ذات الإصلاحات.
السؤال الثالث: لو سلمنا بأن لكل إصلاح تكلفة وهو كذلك دون شك. هل تمتلك الدول العربية في نظركم الإمكانات المادية اللازمة والسبل القمينة بتحقيق إصلاح شمولي دونما أن يكون الأمر مصدر تكلفة مرتفعة؟
يحيى اليحياوي: بالتأكيد أن كل تأخر في مباشرة الإصلاحات السياسية والاقتصادية والاجتماعية هو مصدر تكلفة إضافية بل أستطيع القول إن التباطؤ أو التحايل على الإصلاحات إياها قد يجعلها يوما غير ممكنة فيستوجب الأمر البتر جراء تورم الجسم بكامله.
بالتقارير الثلاثة هناك محاولة من واضعيها تحديد ما يسمونه "رؤية استراتيجية" يضعون بصلبها مجموعة سيناريوهات واحتمالات للمستقبل، سأقف لضيق المكان عند رؤية التقرير الثالث.
بالتقرير عن الحرية والحكم الصالح نجد ثلاثة مسارات يرى أن المنطقة مرتهنة لها بهذا الشكل أو ذاك:
+ مسار ما يسميه التقرير "الخراب الآتي"، وهو المسار المحتمل باستمرارية الأوضاع الراهنة من عجز تنموي يلازمه قهر بالداخل واستباحة من الخارج. هذا المسار من شأنه، بحسب التقرير، تعميق الصراع المجتمعي وإذكاء نعرة الاقتتال الداخلي إذا لم تتوافر آليات سلمية لتداول السلطة ومباشرة الإصلاح الجذري.
وهو مشهد غالبا ما نجده بالدراسات المستقبلية الرائجة وتسميه بـ " سيناريو الاستقرار" لكنها لا تراهن عليه كثيرا بحكم استحالة الاستمرارية. لكن مكمن الخطر هو فيما يترتب على وضعية الاستمرارية هاته؛ إذ قد تنقلب الأمور من النقيض إلى النقيض وتتحول إلى فوضى عارمة تقوض أسس البناء برمته. وهو ما شهدناه بالعراق إذ استمرار الحصار إلى ما لا نهاية تحول إلى احتلال مباشر لم يعد معه للدولة العراقية الحديثة من أثر يذكر.
+ وهناك ما يسميه التقرير بمسار "الازدهار الإنساني" الذي يقول بشأنه "إن السبيل لتلافي بديل الخراب الآتي هو التداول السلمي العميق للسلطة من خلال عملية تاريخية تتبناها جميع الشرائح المناصرة للإصلاح في عموم المجتمع العربي، في السلطة وخارجها على مختلف الجبهات باطراد وبالسبل الديموقراطية كافة بهدف تعزيز الحريات والحقوق".
والهدف من هذا المسار، يقول التقرير، إنما "إعادة توزيع القوة في المجتمعات العربية بما يوصلها لمستحقيها من السواد الأعظم من الناس والعمل على إقامة نسق للحكم الصالح يشكل أساسا متينا لنهضة إنسانية في الوطن العربي".
وهو المسار الذي اعتادت الدارسات المستقبلية على تسميته بـ" سيناريو التغيير" أي السيناريو المتمثل في العمل العميق على مستوى البنى الأساسية السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية لتجاوز واقع الاحتقان المزمن.
+ ثم هناك المسار الوسط الذي هو "من منظور واقعي مسار بين هذين البديلين بحكم ضغط الخارج للدفع بالإصلاح".
هذا المسار هو نتاج ما يمكن "أن يتمخض عنه الضغط الخارجي الذي يمكن أن يدفع موجة من الإصلاح الداخلي في البلدان العربية"...لكنه لا يرقى إلى بديل الازدهار الإنساني، يقول التقرير، لأنه " قد ينطوي على التخضع للضغط من الخارج وفق رؤى قوى أجنبية لا تتقاطع بالضرورة مع الحرية والحكم الصالح". بالتالي، فالمطلوب مما يسميه التقرير " قوى النهضة في الوطن العربي" هو "كيفية التعامل مع هذا البديل بما يعزز مسار الإصلاح من الداخل ويقلل من مساوئ هذا البديل الجوهرية".
هذا المسار يطلق عليه علماء المستقبل " سيناريو الإصلاح" كونه يتموقع بين سيناريو الاستقرار وسيناريو التغيير الجذري. وهو الذي يراهن عليه تقرير التنمية الإنسانية العربية للعام 2004.
على هذا الأساس فكلما تأخرت عملية الإصلاح كلما كانت التكلفة مرتفعة على مستوى تحقيق النهضة الشاملة...وهذه مسألة بديهية لا مجال للتفصيل فيها هنا على الأقل بإدراك أن العالم من حولنا يتقدم بوتيرة متسارعة وينتقل إلى اقتصادات جديدة مرتكزة على البحث العلمي والإبداع التكنولوجي وتقييم القدرات والخبرات البشرية المتوفرة نساء وذكورا وما سوى ذلك.
كنت أتمنى أن يعمد القائمون على التقرير الثالث، كما على التقريرن السابقين، إلى تحديد الكلفة المادية المباشرة لذلك على الأقل ليضعوها بين يدي النخب الحاكمة كمعطيات ملموسة تبين فداحة الخصاص وخطورة اعتماد مسار الاستمرارية. وكنت أتمنى أن يحدد واضعو التقرير الآماد الزمنية التي من الوارد أن يستغرقها هذا المسار أو ذاك؛ إذ لا قيمة كبرى لدرسات استشراف المستقبلات البديلة إذا لم تعمد إلى توظيف أو إبداع نماذج إحصائية من شأنها تقييم التكلفة على المدى القصير، المتوسط والبعيد. لكن هذا إشكال آخر.
تسألني عن الإمكانات، واضعو التقرير أنفسهم يؤكدون أن المواطن العربي من أعطش مواطني العالم إلى الحرية والحكم الصالح. وهو أمر يمكن قياسه بعدد التنظيمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية المتواجدة بالعديد من الدول العربية (والتي لا تزال في مرحلة النضال من أجل تحصيل بعض المكاسب البسيطة كالحرية في العيش بكرامة والتعبير والتفكير أو ما سواها) أو التي تتطلع (بالعديد من الدول العربية الأخرى) إلى الاعتراف بها كي تدخل مجال الفعل والمساهمة التي يحول الاستبداد أو التشريع دونها ودون ذلك...ألم يقل توماس فريدمان مباشرة بعد صدور التقرير الأول "إن التقرير شهادة عربية على مسؤولية العرب عن واقعهم المتردي؟".
السؤال الرابع: هناك دون شك فئات لا ترغب في تحقيق الإصلاح كيفما تكن طبيعته، وهذا ما عبرت عنه ريما خلف الهنيدي حينما قالت: " ... وإن كان المطالبون بالحرية والمناضلون من أجلها يمثلون الغالبية من أبناء هذه الأمة وبناتها، فإن العاملين على وأدها أشد قوة، وأعظم بأسا، وأكثر وسيلة. فهم لا يقتصرون على امتلاك أسباب القمع والتهميش والإفقار، بل إن لهم أيضا المنابر، والقدرة على تجنيد من يخضعون النصوص للأهواء حماية لمصالح خاصة، ويلوون القواعد الفكرية من أجل النهي عن الحرية والتنظير لتغييبها". ما السبيل للتوفيق بين التطلع للإصلاح وتزايد القوى المناهضة له؟
يحيى اليحياوي:هذا سؤال جوهري أعتقد أن العديد من عناصر الجواب عنه متواجدة وبالتقارير الثلاثة لكنها أكثر جلاء بالتقرير الثالث عن الحرية والحكم الصالح.
أستطيع القول إن السواد الأعظم من المواطنين العرب أضحوا مقتنعين بأنه لا خلاص من الإصلاح بجهة دمقرطة الحياة السياسية وإيلاء الحقوق الكاملة للمرأة وتكريس الحقوق المدنية للأفراد والجماعات والاعتراف بحق الأقليات في التميز وتداول السلطة واستقلالية القضاء...الخ. هذه أمور لم يعد الاختلاف حولها كبيرا وقد عمدت العديد من الدول العربية تحت هذا المسوغ أو ذاك إلى مباشرتها. الإشكال القائم هو في طبيعة هذه الإصلاحات، وفي الآماد الزمنية المرصودة لها وفي مدى جوهريتها:
+ فتقرير العام 2004 يعترف أن البنى التمثيلية والمؤسساتية قائمة بالعديد من الدول العربية (من دساتير وبرلمانات وأحزاب سياسية وتجمعات نقابية ومنظمات مجتمع مدني وغيرها) لكنها مفروغة من محتواها ومن السمة الديموقراطية التي تشي بها لأول وهلة. إذ إن معظم دواليب السلطة التنفيذية والتشريعية والقضائية متمركزة بين يدي رأس الدولة. والقائمون على ذات الدواليب إنما هم تابعون لهذا الأخير إما بمنطوق الدستور (الواضح أو المبطن) أو بقوة واقع الحال التي تترجمها حالة التمركز هاته. وهو ما عبر عنه التقرير بعبارة "الثقب الأسود".
بالتالي فالإصلاح المطالب به في التقرير الثالث تحديدا إنما إطلاق الحريات المحيلة على الحكم الصالح والمتمثلة في مبادئ تداول السلطة سلميا وفصل السلط الوضعية بعضها عن بعض والدفع بجهة استقلالية القضاء عن تدخل المستويات الدنيا (الإدارة) أو العليا (رأس الدولة ومحيطه المباشر).
ونحن لا نختلف مع التقرير في هذا الرصد والاستنتاج إذ حيثما وجدت مؤسسات سياسية (من شأنها التوسط بين الدولة والمواطنين) إلا ونجدها مفرغة من محتواها، تابعة ولا قدرة لديها على المبادرة.
+ بالمقابل نجد (وهذا ما أكد عليه التقرير) العديد من الدول العربية التي لم تستطع استنبات المؤسسات السياسية والمدنية التي من شأنها الدفع بعمليات الإصلاح وتكريس مبدأ تداول السلطة سلميا. وهو حال الدول التي إما لا تعترف بالتعددية الحزبية أو تستهجن مبادرات المنظمات المدنية أو تستبعد جملة وتفصيلا مسألة التداول على السلطة تحت هذا المبرر أو دونما مبرر مكتوب يذكر ويمكن الاحتكام إليه للفهم.
نحن إذن، بالحالة الأولى كما بالثانية إنما بإزاء مستويات (أفرادا ونخبا ونظم حكم) لا مصلحة لديها في الإصلاح كيفما تكن طبيعته أو مستوى جوهريته...أو لها في الإصلاح مضرة فتراها تتلكأ خلف هذا الاعتبار أو ذاك لعل إحداها الدفع بالخصوصية أو التشكيك في صدقية المطالبين بالإصلاح أو ما إلى ذلك.
بالتقرير ليس هناك تلميح إلى المعالجة بالصدمات على اعتبار عصي العملية، بل هناك تأكيد مستمر على التدرجية وعلى المرحلية وعلى ضرورة إشراك الجميع للتقليص من التكلفة. لكن هناك وبالتقرير ذاته تأكيدا على أن الإصلاح إذا لم يقم عليه أهله من الداخل فلربما ستدفع إليه قوى الخارج لدرجة فرضه إن استمر التلكؤ أو التباطؤ.
السؤال الخامس: الإصلاح المجتمعي لم يعد إذن، يحتمل الإبطاء أو التلكؤ وهو ما أكدت عليه التقارير الثلاثة، لكن وجهات النظر عن طبيعة وجهة هذا الإصلاح تعددت لدرجة التباين؛ إذ في الوقت الذي اعتبر فيه البعض أن هذه التقارير إنما هي شكل من أشكال جلد الذات بل ومن شأنها إعطاء المبرر للتدخل الخارجي، اعتبرها البعض الآخر ضرورة ملحة على اعتبار أن النقد الذاتي هو المدخل الأساس للفعل في واقع الحال والعمل على تحقيق المناعة عبر تجاوز معضلاته. كيف تقرؤون الجدل الذي أثارته هذه التقارير؟
يحيى اليحياوي:هناك مسألة لا بد من التأكيد عليها وهو أن هذه التقارير هي جرد جيد ورصد عميق لواقع حال المعرفة والحرية (والمرأة دون شك). وهو أيضا اجتهاد من خبراء لهم وزنهم العربي في الثقافة والمعرفة وبعد النظر ولديهم أيضا قناعاتهم بنوا على أساسها تصورهم لما يجب أن يكون عليه الإصلاح بالمنطقة. هذا أمر لا يستطيع المرء التنكر له حتى بوجود العديد من نقط القصور بالتقارير من لدننا كما من لدن غيرنا سيما على مستوى المفاهيم الموظفة والخلاصات المعتمدة والمسارات المطروحة.
والتقارير من هنا إنما وضعت الأصبع على العديد من مكامن الاحتقان الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية والمعرفية وكلها تستوجب مباشرة الإصلاح دونما تباطؤ حتى لا تبلغ التكلفة مستويات لا يمكن للمواطن أن يطيقها.
وهي فضلا عن ذلك لاقت استلطاف العديد من المتابعين والمهتمين بالمنطقة من هذه الدولة الأجنبية أو تلك (وقد اشرت إلى فريدمان من قبل) أو بنت عليها مشاريع سياسية كما كان الحال مع وثيقة الشرق الأوسط الكبير.
بالمقابل أتصور أن هذه التقارير لاقت، وإن بمستويات مختلفة، استهجانا عميقا من لدن بعض الدول التي تعرضت لها ذات التقارير بالمباشر أو بالتلميح لدرجة المطالبة بمنع تداولها أو ثني بعض المنابر (كالجامعة العربية) عن استضافة حفل إطلاق هذا التقرير أو ذاك...وهي أمور لا أظن أن واضعي التقرير أغفلوها أو هونوا من طبيعة ردود الفعل حولها.
لكن الجدل الحقيقي (من لدن العديد من المفكرين العرب أو المثقفين أو الإعلاميين) إنما انصب على جانبين اثنين على شفا نقيض قسم هؤلاء إلى فريقين فيما يتعلق بشكل التقارير ومضامينها:
+ الفريق الأول تحفظ على التقارير في مجملها لحد معاداة واضعيها إذ لم يجد بصلبها جديدا يذكر اللهم إلا " نشر الغسيل الوسخ" على العالم أو جلد الذات بما هو معروف.
وهو قول لا تنقصه الحجة إذ نزعم بدورنا بهذه النقطة تحديدا أنه باستثناء عناصر الرصد والجرد والتوثيق فإن التقارير إنما أعادت أدبيات لطالما تداولناها من ذي قبل، لكنه لم يعر لها الاهتمام الكافي أو التغطية الإعلامية لتضحو حديث هذه الجهة أو تلك.
التقارير إذن، بمجملها نشر غسيل وسخ على نطاق واسع (فضح المستور يقول البعض) قام به خبراء عرب بصورة منهجية، موثقة بالاستشهادات الجانبية ومرتكزة على مسوحات ميدانية لتأكيد هذه النقطة أو تلك. ما الفائدة يقول هذا الفريق من نشر تقارير كشفت ما تبقى من أمور مخفية اللهم إلا توفير السند المادي والمعنوي "للمتربصين بالأمة" للانقضاض على ما تبقى من نخوة خارجية لديها؟
+ أما الفريق الثاني فيذهب لحد اعتبار هذه التقارير مصاغة تحت الطلب (مادامت دفاتر تحملاتها محددة وجهة التمويل معروفة) إما لغرض إحراج العرب وتقويض ما تبقى من نخوة لديهم أو بغرض تفعيل أجندات خارجية لم تكن تنتظر إلا الشرارة التي على خلفية من استحضارها تحرك "المشاريع الاستعمارية الجاهزة" منذ مدة (منذ انتهاء الحرب الباردة تحديدا) دونما إعمال في ذلك لنظرية المؤامرة أو ما سواها.
وهو قول لا تنقصه الحجة أيضا على اعتبار تسارع وتيرة المطالبة بالإصلاح من لدن القوى الأجنبية التي ترتبت على نشر هذه التقارير سيما بالدول العربية التي بدأت تتراءى للغرب أنها "مفرخة إرهاب" (لاحظ مثلا المطالبة بإصلاح المنظومات التربوية العربية التي لم تخفت منذ بداية هذا القرن).
لكن المفارقة، من بين ظهراني هذا الفريق كما من لدن ذلك، إنما حقيقة أن الغرب يعرف عنا أكثر ما نعرف عن أنفسنا بدليل عدد مراكز البحوث الجامعية (أو المرتبطة بصاحب القرار بالغرب) التي تعمد إلى إصدار البحوث والدراسات الدقيقة حول الوطن العربي بكل مجالات فعله وتفاعله. بالتالي فلو تبين أن الحفاظ على مصالحه بهذه المنطقة أو تلك تستدعي التدخل فلن يبحث في ذلك عن المسوغ أو قد يجد لذلك ألف مسوغ ومسوغ.
لن أستطيع الزعم بأن التقارير الثلاثة تحبذ التدخل الخارجي لدفع النظم السياسية العربية إلى مباشرة الإصلاح، إذ يرغب واضعوه في أن تتم عملية الإصلاح من الداخل عبر "عملية تاريخية تتبناها جميع الشرائح" وتشارك في صياغتها وتنفيذها ( مسار الازدهار الإنساني بالتقرير الثالث).
لكن بالتقرير الثالث دائما وإن وجدنا أن واضعيه يحبذون مسار "الازدهار الإنساني" فهم يتوقعون "واقعيا" رجحان كفة المسار الوسط المعبر عنه حاليا في شكل مشروع "الشرق الأوسط الأوسع وشمال إفريقيا" الذي وإن لم يطاول مفعوله جوهر الإصلاح المجتمعي (السياسي تحديدا) فإنه من المقدر "أن دوره سيتعاظم بحيث تعظم استفادتها منه لمصلحة بديل الازدهار الإنساني". بمعنى أن مسار الوسط سيطعم ويلقم تدريجيا مسار الازدهار الإنساني.
بهذه النقطة تحديدا أزعم أن واضعي التقرير لا يستلطفون التدخل الخارجي من الناحية الاستراتيجية، لكنهم يتطلعون إلى توظيف جانبه التكتيكي ولكأني بهم متأكدون أن واقع الاستبداد ومستوى الاحتقان لا يمكن أن يمهد لاستنباتهما إلا من خلال إذا لم يكن تدخلا خارجيا بوجه من الوجوه فعلى الأقل ضغطا قويا لتجاوز ذات الواقع.
السؤال السادس: يشير تقرير العام 2004 بإيجابية إلى بعض الدول العربية باعتبار كونها تعاملت مع مطالب الإصلاح بجدية إلى حد ما. لكن الملاحظ أن أغلب فقرات التقرير لا تراعي الفروق والتمايزات وأيضا الخصوصيات التي تطبع هذه الدولة العربية أو تلك. بالتالي فالتقرير يطبعه التعميم في العديد من فقراته، على الرغم من كونه يستند على بيانات دقيقة ومسوحات ميدانية من شأنها أن تحول دون تشويش التعميمات. هل ترون أن الأمر هو مجرد سلوك منهجي أم يرجع لخلفيات لم يرد التقرير الغوص فيها؟
يحيى اليحياوي: هذه ملاحظة منهجية دقيقة إذ غالبا ما تغبن التقارير العامة بعض الجوانب المضيئة أو تتجاوز على بعض السلبيات الخفية، لكنها هي هكذا في طبيعتها وإلا لتعذر التحكم في المنهجية المعتمدة. بالتالي فالتقارير الوطنية غالبا ما تكون أدق لأن مجال اشتغالها محصور والقضايا المطروحة واضحة ومختلف أشكال التعاطي معها ميسرة إلى حد بعيد.
أعتقد أن التقارير الثلاثة (بما فيها تقرير العام 2004) حسمت هذا الإشكال بجهة التركيز عما هو مشترك لرسم التوجهات الكبرى وذكر الجوانب الإيجابية عندما يكون في الأمر خصوصية تستحق الذكر. فالمطالبة بضرورة إلغاء قوانين الطوارئ معروف لمن هي موجهة، والمطالبة بالإفراج عن معتقلي الرأي والصحفيين المضربين عن الطعام معروفة الجهة القائمة على ذلك تماما كما هي معروفة الدولة التي أشاد التقرير بإصدارها لمدونة في الأسرة "متقدمة" على ما سواها بالمنطقة العربية وهكذا.
بالمقابل فالدول العربية تتوحد في العديد من جوانب الخلل والقصور تستوجب إصلاحا شموليا يطاول الخروج من ثقافة الاستبداد وسيادة الرأي الواحد وإطلاق الحريات الفردية والجماعية سيما ما يسميه تقرير 2004 "الحريات المفتاح" أي حرية التعبير والرأي والتفكير والعمل على تداول السلطة سلميا دونما احتكار من لدن هذه الجهة أو تلك والعمل على الدفع باستقلالية القضاء عما سواه من مستويات والدفع بثقافة المراقبة والمحاسبة لكل من بيده أمر الشأن العام وهكذا.
تبقى نقطة من أين البدء؟ التقرير لم يعمد إلى أجرأة مقترحاته وتوضيح السبل العملية لإنجاح ذلك لكنه بالإمكان تصور نقطة البدء (وهنا تبرز مسألة الخصوصية): فالدول التي تتوفر على بنى ومؤسسات وتنظيمات قائمة ما عليها إلا توضيح اختصاصاتها واحترامها دونما الاحتفاظ بها كعنصر مباهاة وتجميل أمام الشعب والخارج. والدول التي لا دستور لها عليها تكوين مجالس منتخبة لصياغة دستور متوافق عليه وإقامة البنى التي يكون قد أقرها الدستور المتفق عليه. والدول التي تضيق على الحريات وترمي صحفييها بغياهب السجون تحت هذه الخلفية أو تلك ما عليها إلا رفع الحجر عنهم وإدماجهم في عملية البناء وهكذا.
بالتالي، فلا أعتقد أن هناك خصوصية في سلوكيات تحاصر الحريات وليس ثمة من خصوصية تذكر في ممارسات تصنف تشريعا أبناء شعب بدرجات في المواطنة وهكذا.
السؤال السابع: بالتقرير إشادة ببعض الإصلاحات التي باشرها المغرب مثلا من قبيل نجاح منظمات المجتمع المدني في حث الحكومة على الاعتراف بتجاوزات الماضي وتثمينه لمدونة الأسرة. كيف تنظرون إلى هذا التقييم في ظل استمرار العديد من التجاوزات؟
يحيى اليحياوي: هو (التقييم أعني) من صلب عمل القائمين على التقارير منذ تقرير العام 2002 إذ كلما كان بدولة ما نقطة ضوء في مجال من المجالات إلا وثمنوها في حين يكتفون بالتلميح عندما يتعلق الأمر بدولة أو دول لا يتحقق بداخلها الحد الأدنى من الإنجازات.
واضعو التقرير عمدوا منذ التقرير الثاني إلا التمهيد للإصدار اللاحق بورقة تمهيدية يقيمون فيها ما تحقق خلال السنة الماضية وما لم يتم وهو عمل روتيني بهذه التقارير كما بالتقارير الدولية المتداولة.
صحيح أن فترة السنة الواحدة غير كافية لتحريك هذا الملف أو ذاك، لكنها غالبا ما تكون حاملة لقوانين أو تشريعات أو إنجازات محددة كما هو الشأن بالمغرب فيما يتعلق بفتح ملفات ما يعرف بسنوات الرصاص أو سن قانون الأسرة الذي يعتبر قانونا متقدما بكل المنطقة العربية.
أنا أزعم أن النصوص ضرورية لكنها تبقى غير كافية إذا لم يتم تفعيلها وتحريكها وأجرأة القوانين المتضمنة لها وهو ما لا تتعرض له تقارير من هذا القبيل كما أنها لا تستطيع الإلمام بتفاصيل الأمور الداخلية التي غالبا ما يتم بداخلها التراجع والارتداد عن المكتسبات.
فتقرير العام 2004 لم يتعرض لمطالب بعض أجزاء المجتمع المدني بالمغرب إلى متابعة ومحاسبة الذين كانوا خلف الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان بل اكتفوا بتثمين البادرة في مجملها وهو أمر غير دقيق.
بهذه النقطة أتصور أن لا قيمة لفتح ملفات الماضي إذا لم نقف عند المسؤوليات ونحدد المسؤولين عن التجاوزات أو نجبر الضرر من الجذور وإحدى سبله الاعتذار الرسمي من لدن الدولة عما صدر من مسؤوليها كائنة ما تكن مستويات وجودهم أثناء وبعد الأحداث. هذه مسألة أخلاقية لا تنحصر عند حد تعويض بعض الأفراد أو تحديد أماكن دفن ذويهم.
فيما يتعلق بمدونة الأسرة، أعتقد أنه من الموضوعي انتظار التقرير حول المرأة فلربما يتعرض لهذه المسألة بالتفصيل.
من ناحية أخرى فاستمرار التجاوزات (الإدارية والأمنية وغيرها) غالبا ما يتم القفز عليه، إذ فتح ملفات الماضي بالمغرب مثلا لم يحل دون استمرار سلوكيات القمع والزج بالسجون التي غالبا ما يتعرض لها الصحفيون والنقابيون وأصحاب الرأي...وهذا يستدعي فتح ملف الماضي وقراءته وإغلاقه وكذلك الانتباه إلى تجاوزات الحاضر التي قد لا تختلف إلا في الدرجة في حين أنها تبقى مطبوعة بنفس السمات.
السؤال الثامن: الواقع العربي ينضح بعيوب بنيوية صارخة وجلية للعيان ولا تحتاج إلى من يميط عنها اللثام. ما الفائدة من مثل هذه التقارير إذا كانت مضامينها معروفة وحتى العديد من الخلاصات التي تتوصل إليها؟
يحيى اليحياوي: القائمون على التقارير أنفسهم (وأنا هنا لست بصدد الدفاع عنهم) لم يدعوا، فيما أعلم، أنهم يقومون بعمل خارق أو لهم السبق في التعرض له بالمناقشة والتحليل. فقد سبقهم إلى ذلك على الأقل المشتغلون على ذات القضايا لكن من منظور وطني بمصر تحديدا. وحتى بالنظر إلى القضايا من منظور مستقبلي فقد كتب حول ذلك الكثير وإن في إطار أعمال فردية أو جماعية محدودة.
بهذه النقطة أزعم أن كتاب "العقد العربي القادم: المستقبلات البديلة" المغطي لأعمال ندوة عقدت أواسط ثمانينات القرن الماضي بمركز الدراسات العربية بجامعة جورج تاون الأمريكية وكتاب "مستقبل الأمة العربية: التحديات والخيارات" (1988) وكتاب " صورة المستقبل العربي" (1989) ثم الكتب التي أشرف عليها مركز دراسات الوحدة العربية...كلها كتب ودراسات حاولت قبل هذه التقارير مقاربة واقع ومستقبل الوطن العربي وفق هذه الزاوية أو تلك.
ميزة تقارير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي المخصصة للمنطقة العربية تكمن في كونها عمدت إلى جرد ورصد واقع حال المنطقة بالمعطيات الإحصائية والمسوحات الميدانية وكذا في نجاحها في جمع وتشغيل خبراء من ميادين مختلفة ومتكاملة كل يقرأ الوقائع من منظور تخصصه. وهذا عمل إيجابي على الأقل في ظل استمرار العمل غير الممأسس بمعظم الدول العربية واقتصار ذلك على المجهودات الفردية الخالصة.
ثم أن هذه التقارير تصدر بإشراف وكالة دولية متخصصة وهو ما يضمن لها جزءا من المصداقية المعنوية، ويعطيها إمكانية الانتشار الواسع ويضفي عليها بعضا من القابلية على التقبل هنا أو هناك.
من هذه الزاوية تحديدا يمكن اعتبارها عملا محمودا ومطلوبا كائنة ما تكن مواقفنا منها...وأزعم أن القول بأنها لم تأت بجديد هو حكم قيمة في حد ذاته إذ من غير الموضوعي مطالبة الباحثين في العلوم الاجتماعية أن يبحثوا في قضايا غير موجودة بالأصل.
السؤال التاسع: ما الفائدة المرجوة منها إذن؟
يحيى اليحياوي: أزعم أن الفائدة ستكون مهمة لو تسنى لهذه التقارير أن تترجم تصوراتها إلى برامج عمل استراتيجية، تحدد لها المدد الزمنية، وتقيم لها التكلفة وفق كل مشهد معتمد وتدمج في إطار سياسات اقتصادية واجتماعية واقعية.
المهم من كل ذلك هو العمل على خلق جسور التواصل مع صناع القرار (حكومات ومنظمات غير حكومية وغيرها) بالمنطقة العربية حتى يضعوا ذات التقارير بين أيديهم سيما وأن معظم الأسماء القائمة على هذه التقارير لها وزنها وقيمتها الاعتبارية كل داخل بلاده وبجل الدول العربية. ألم يقل ويفز منذ أربعينات القرن الماضي إن للأفكار نتائج؟
السؤال العاشر: هناك تداخلا واضحا لدرجة التوظيف بين " تقرير التنمية الإنسانية العربية" (الأول بالخصوص) وما يسمى منذ مدة بـ" مشروع الشرق الأوسط الكبير". هل يمكن أن نفهم من هذا أن التقرير إنما هو محاولة استجداء من الإدارة الأمريكية تبرر بها طرح مبادرات في المنطقة العربية؟
يحيى اليحياوي: لا أعتقد أن في الأمر تداخلا من نوع ما على الرغم من أن التقرير الأول صيغ في سياق كانت أهم مميزاته الضربة التي تعرض لها القطب الواحد الأعظم في الحادي عشر من سبتمبر. بالتالي فمن الحيف حقا اعتبار صدور هذا التقرير تحت الطلب.
الإدارة الأمريكية لم تعد من حينه راضية عن العديد من الأنظمة العربية (حتى وإن كانت هي حاميها الأساس ولعقود طويلة) زعمت أنها لا تعمل إلا على تفريخ الإرهاب ولا تقيم أدنى اعتبار لحقوق الإنسان، وللديموقراطية ولتداول السلطة.
بالتالي كانت الأجندة الأمريكية للمنطقة جاهزة ولم يكن التقرير إلا الحصان الذي ركبته وسهل عليها مأمورية إخراج البادرة، بادرة الشرق الأوسط الكبير. هناك إذن التقاء وتقاطع موضوعي بين قول حق من لدن واضعي التقرير و قول حق أريد به باطل من لدن إدارة أمريكية تراءى لها أن سياسة غض الطرف المعمول بها إزاء حلفائها لم تعد ذات جدوى كبيرة أو أضحت مكلفة.
الوثيقة وظفت التقرير بل واستشهدت به لمطالبة الدول العربية بضرورة مباشرة الإصلاح سيما المرتبط بتداول السلطة والمنظومة التربوية والتعليمية حتى في عدم تحديدها لطبيعة ذات الإصلاحات.
من حينه انطلق النقاش والجدل حول جدلية الإصلاح ومن الذي من المفروض أن يقوم عليه: الداخل أم الخارج، وفق أية رؤية وأية مرجعية ووفق أية مدة زمنية؟...وهي الجدلية التي حسمت التقارير الثلاثة جزءا كبيرا منها سيما التقرير الثالث عندما تعرض للمسار الوسط أو المسار "المدفوع من الخارج" والذي من شأنه، بحسب التقرير، الإحالة بطريقة أو بأخرى على مسار ما يسميه التقرير "الازدهار الإنساني".
السؤال الحادي عشر:ألا تشكل أمثال هذه التقارير قوة ناعمة توازي القوة العنيفة ، تعبر عن مصالح ومطامح ومطامع الفئات الدولية المتنفذة، التي تدير دوائر رسم الاستراتيجيات واتخاذ القرار؟
يحيى اليحياوي: من دون شك. فالولايات المتحدة الأمريكية لا يمكن أن تشهر السلاح في وجه جهة ما (دولة أو منظمة) إذا كان بإمكانها إدراك نفس النتائج والمصالح عبر الضغط والحصار والمضايقة بالمنظمات الدولية ومنذ مدة بسياسة العقوبات التي توظف لإنجاحها منظمات الأمم المتحدة.
وعلى هذا الأساس، فهي منذ احتلالها لأفغانستان وللعراق لم يعد بمقدورها قلب أنظمة الحكم بالقوة ولا إرسال جيوشها إلى هذه الدولة العربية أو تلك، فالعملية مكلفة وغير مضمونة العواقب والمستنقع العراقي يذكرها بذلك يوما عن يوم.
القوة الناعمة (من ضغوطات وحصار وعلاقات عامة ومضايقات وابتزازات والتشهير بوسائل الإعلام وما سوى ذلك) أضحت الوسائل القمينة بإدراك ما لا يمكن إدراكه بقوة النار والحديد وهو ما كتب عنه الأدميرال رتشارد ناي بامتياز في إحدى مقالاته بفورين أفيرز.
السؤال الثاني عشر: يولي التقرير أهمية كبيرة للمعوقات الداخلية التي تحد من التنمية في البلدان العربية ولا يولي اهتماما كبيرا للمعوقات الخارجية ومن ضمنها الصراع العربي الإسرائيلي، والتدخل الأمريكي في العراق. ما تأثير هذا على مصداقية التقرير؟
يحيى اليحياوي: يتحدث التقريران الأول والثاني عن دور تدخل القوى الخارجية بالمنطقة العربية وما يترتب عن ذلك من إهدار للموارد وإضاعة للفرص وتشويه للبنى التحتية المختلفة. ويؤكد على أن لهذه القوى نفوذ مادي ومعنوي يحول دون انتقال العديد من الدول العربية إلى نظم سياسية أكثر عصرية.
بالتقرير الثالث نجد الحديث تحديدا عن ممارسات إسرائيل ودور الاحتلال الأمريكي للعراق (يكفي التقرير بالمناسبة أنه تجرأ على استخدام عبارة احتلال) بالقول بالتمهيد: إنه "كان لاستمرار الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية ولاحتلال الولايات المتحدة للعراق... آثار بالغة السوء على التنمية الإنسانية العربية".
ويقول في حالة العراق: " في ظل الاحتلال، تدهور أمن المواطن العراقي واستبيحت حياته مجددا وتعرض الآلاف من العراقيين للاعتقال والتعذيب وعومل المعتقلون وأغلبهم من المدنيين معاملة لاإنسانية ولا أخلاقية".
دور العامل الأجنبي والاحتلال تحديدا كان حاضرا لكنه في إطار السياق العام ليس إلا، أو عندما تعرض لحوصلة عام من صدور تقرير 2003، لذلك لم نجد له أثرا إلا في التصدير وفي التمهيد ولم يتعرض له بالتفصيل المطلوب داخل التقرير.
ومع أن الأمر لم يتجاوز مجرد تسمية الأمور بمسمياتها كما يقال (في حالتي فلسطين والعراق) فقد أغضب ذلك الولايات المتحدة وضغطت لدرجة كاد التقرير ألا يصدر أو يصدر باسم واضعيه.
لا أعتقد بالتالي أن عدم التعرض لهاتين الحالتين بالتفصيل قد أضر بالتقرير وأزعم أن القول بأن اغتصاب الحرية من لدن المحتل هو أكبر اغتصاب لها يكفي للتعبير عن المقصود.
السؤال الثالث عشر: لقد كان من المفروض أن تكون الدول العربية رائدة في مجال الحريات؛ لأن الحريات التي يطرحها تقرير 2004 لا تختلف في صلبها عن تلك التي يقرها الإسلام. بل الأكثر من هذا أن التقرير يستلهم في الكثير من فقراته التراث العربي الإسلامي. أين مكمن الخلل إذن؟
يحيى اليحياوي: تقرير العام 2004 تحدث (بالفصل الأول) عن مفهوم الحرية في الفكر الغربي وعند أمارثيا صان وغيره. وتحدث (عندما تعرض للحرية في الثقافة العربية) للحرية الدينية واتضح له أنها مضمونة بالإسلام (" لكم دينكم ولي دين"، "لا إكراه في الدين") تماما كالحرية السياسية ("لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق" التي تكرس مبدأ المعارضة) تماما كالحرية الاجتماعية (من خلال الأحكام الشرعية التي تضبط السلوك الإنساني) تماما كالحرية الاقتصادية التي تضمن حق التملك والتصرف وحرية التجارة والكسب والربح وما سواها.
وتحدث التقرير أيضا عن "الحرية من منظور إسلامي" وكيف اقترنت لدى المفكرين العرب تحديدا بتحقيق العدل والمساواة، بحق الأمة في تولية الحاكم وعزله وضمان حقوق غير المسلمين.
الإسلام (بالتقرير كما بغيره) يضمن كل أشكال الحرية ويشرع لها جملة وتفصيلا في العديد من النواحي الحياتية.
الحاصل أن ثقافة الاستبداد هي التي حالت دون سيادة قيم الحرية وحقوق الإنسان والحكم الصالح بالدول العربية إذ اشتداد العصبية، بحسب التقرير، وتقوي تأثيرها السلبي على الحرية والمجتمع بسبب غياب أو ضعف البنى المؤسسية المدنية والسياسية التي تحمي الحقوق والحريات وتساند كينونة الإنسان "جعل البديل الوحيد المتاح للفرد هو الاحتماء بالولاءات الضيقة".
ثقافة الاستبداد وما يستتبعها من سيادة للرأي الواحد وشراء للولاءات هي التي (ضمن عوامل أخرى) حالت دون تسيد قيم الحرية وتجدر مفهومها لدى الإنسان العربي. وهذا أمر يطول الحديث فيه.
السؤال الرابع عشر: لكن عبارة " نحو" التي نجدها بعنوان التقرير تشي بأننا حقا نتجه باتجاه تكريس الحرية".
يحيى اليحياوي: ليس فقط في هذا التقرير. فالعنوان الفرعي للتقرير الثاني كان " نحو بناء مجتمع المعرفة" كما لو أننا حقا نتجه بالجهة الصواب.
أنا أزعم أن عبارة " نحو" تحتمل قراءتين:
الأولى كون العديد من الدول العربية بدأت حقا في مباشرة الإصلاحات الدستورية والتشريعية والقانونية وغيرها التي من شأنها إقامة ودعم مطلب الحرية.
الثانية على اعتبار أن هذه الإصلاحات أضحت حتمية ولا مفر من اعتمادها وإلا فستفرض من الخارج بالقوة أو بالضغط.
بمعنى أننا بكلا الحالتين نتجه بجهة تسييد قيم الحرية وحقوق الإنسان والحكم الصالح طواعية أو قسرا. وهما اعتقادان لا يجانبان الصواب كثيرا على الرغم من الاختلاف حول طبيعة هذه الإصلاحات ومدى الجوهرية التي يمكن أن تطبعها والمدة الزمنية التي تتطلبها.
وعلى أية حال فعلى الرغم من اعتراف واضعي التقرير بالصفحة 142 بأن "المستقبل العربي ابتداء من الوقت الراهن يكتنفه غموض شديد وإن كان ينذر بأحداث جسام"، إلا أنهم متفائلو النبرة والنظرة وهو ما عبروا عنه بمسار "الازدهار الإنساني" مثلا.
السؤال الخامس عشر: : يمكن أن نعتبر الرؤى الاستشرافية (المستقبلية) من أهم مميزات تقرير التنمية البشرية الثالث للأمم المتحدة. ما قراءتكم لهذه الرؤى؟
يحيى اليحياوي: التقرير كما سبقت الإشارة إلى ذلك اعتمد ثلاثة مسارات كبرى: مسار الخراب الآتي والمسار الوسط ومسار الازدهار الإنساني. وهو اجتهاد كباقي الاجتهادات على الرغم من اعتراف واضعي التقرير بضبابية الواقع.
وصراحة لا يمكن أن أنكر أن هذا الجزء من التقرير خلق لدي بعض البلبلة على الأقل لأربعة اعتبارات (دونما تمييز بالشكل أو المضمون ):
+ الأول أن التقرير يتحدث عن مسارات ومشاهد ولا يتحدث عن سيناريوهات بديلة وعبارة سيناريو أكثر وقعا ودقة من عبارتي مسار ومشهد لأنها تبطن فكرة الخيار والاختيار بين حلول موجودة وقابلة للتحقق مع تقدير لتكاليف التباطؤ على الدول العربية وعلى المواطن. بالتالي وبهذه النقطة يبدو التقرير ولكأنه يقوم بوظيفة المرصد في حين أنه أكثر من ذلك.
+ الاعتبار الثاني كون التقرير لا يحدد المدد الزمنية التي قد يستهلكها هذا المسار أو ذاك إذ المدى القصير جدا (عام أو عامين) والمدى الأكثر بعدا (خمسين سنة فما فوق) لا قيمة لهما كبيرة تذكر في دراسات المستقبل، إذ يقول (بالصفحة 58) بأن "الحرية هي من الطيبات الإنسانية الخواتيم التي تحتاج إلى بنى وعمليات مجتمعية". لم المراهنة عليها إذن، حالا مادامت من ضمن مجرد "الطيبات الخواتيم"؟
قد يكون مرد الأمر كون بعض الدول العربية متقدمة على بعضها البعض فيما يخص بعض جوانب الإصلاح (وبعضها تحتمي بمناعات داخلية تحول دون ذلك)، لكن استشراف المستقبل ينطلق من المشترك ويدغم بداخله التمايزات الصغيرة والبسيطة. وهو لربما ما لم ينتبه له واضعو التقرير بحكم استبعادهم للمنظور المنظومي الذي يضبط الإشكالات في سياقها الشامل والشمولي.
+ الاعتبار الثالث أن التقرير يتحدث عن الحرية بمعظم صفحاته لكنه لا يقرنها دائما بجانب الواجبات التي من المفروض أن تترتب على مبدأ إشاعة الحريات.
صحيح أن موضوع التقرير هو الحرية، لكن حرية فرد تترتب عليها واجبات فرد آخر (أو مؤسسة) بالتالي ففصل الجانبين يعطي الانطباع بأننا طلاب حرية في المطلق ولا نكترث بما قد يترتب عليها من واجبات.
وهي مسألة كان بإمكان التقرير تجاوزها سيما وقد ضم أساتذة في القانون الدستوري وفي الحريات العامة.
+ الاعتبار الرابع: في تساؤله " لماذا بقي العرب أقل تمتعا بالحرية بين مختلف مناطق العالم؟" يجيب التقرير أن ذلك سببه الاستبداد.
نحن بهذه الحالة بإزاء تحليل دائري خالص إذ إذا كان الاستبداد هو الذي يفرغ المؤسسات من مضمونها الديموقراطي، فإن غياب ذات المضمون هو محيل أيضا على الاستبداد وهكذا.
ثم التقرير يؤكد على الحرية، لكنه لا يتعرض بالتفصيل لعلاقتها بالتنمية سيما وأن التاريخ يبين أن تحقيق التنمية بمعظم الدول المتقدمة أو التي هي في طريقها للنمو حاليا اعتمدت على دولة مركزية، استبدادية لا تعير الحرية كبير اعتبار أمام تطلعها للتنمية.
من جهة أخرى كنت أتمنى أن تجمع "الرؤى الاستراتيجية" للتقارير كلها في تقرير واحد موحد تحكمه نظرة منظومية واحدة لأن فهم واقع المنطقة العربية من المفروض أن يكون فهما كليا لا جزئيا أو بالمقاطع. ثم فهم ووضع الاستراتيجية لبناء مجتمع المعرفة لا تنفصل عن إشكالية الحرية والحكم الصالح ووضع المرأة والثقافة السائدة واستعداد الذهنيات وما سواها وهي كلها تدور في فلك واحد لا يمكن فصل بعضها عن البعض الآخر. بالتالي كانت ستكون الرؤية واحدة لما يجب أن تكون عليه منظومة "المعرفة والحرية والمرأة" بالمستقبل.
هذه باختصار شديد هي بعض المؤاخذات التي تراءت لي حول التقرير وأنا بصدد إعداد دراسة تفصيلية عن ذلك.
* "استجواب مع الأستاذ يحيى اليحياوي حول تقارير التنمية الإنسانية العربية"، موقع مركز العهد الثقافي، 16 نونبر 2005، موقع مجلة المرصد الإعلامي الحر، العدد 73، نونبر 2005.