تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

"وضع الأمة العربية والإسلامية زمن العولمة"

منارات: لما ترجعون الوضع المتدني للأمة العربية والإسلامية في المجال التقني؟

يحيى اليحياوي:عبارة متدني توحي بأن في الأمر مرحلية ما على طريقة روستوف. لا أعتقد أن المرحلية كفيلة بتفسير الإشكال المطروح. هناك جدلية اعتمل هذا الواقع ولا زال يعتمل بداخلها وهي التي  تبرز لنا أن في الأمر مداخل ومخارج.

 ليس هناك تفسير واحد من شأنه التدليل على سبب أو أسباب تردي الواقع التقني للعالمين العربي والإسلامي. كل تفسير يقدم تصورا وفق زاوية النظر المعتمدة والتي قد لا تكون بريئة بالجملة. بالتالي فهناك زوايا نظر متعددة ومتباينة ومن المفروض استقراؤها مجتمعة لفهم الأسباب بحكم أن الإشكال منظومي في العديد من جوانبه.

هناك فيما أعتقد معطيان اثنان لا بد من استحضارهما لفهم الأسباب الكامنة خلف تخلف الأمة من الناحية التقنية أو التكنولوجية:

+ السبب الأول سبب تاريخي خالص مرتبط بمرحلة الهيمنة الاستعمارية وما ترتب عنها من تفكيك لبنى الدولة العربية وتحويل هذه الأخيرة إلى مجرد تابع (لا فاعل) لا وظيفة له في تحديد معطيات الحاضر ولا رسم سياسات المستقبل.

+ أما السبب الثاني فهو سبب داخلي محض يتداخل بصلبه السياسي بالاقتصادي بالاجتماعي بالثقافي بما سواها. بمعنى أن الدولة القطرية "المستقلة"  لم تستطع إيلاء الجانب التقني كبير اعتبار بحكم "الأولويات" الاستعجالية التي برزت في حينه من تعليم وتطبيب ومد الطرق وفوق كل هذا وذاك تحويل الموارد المتاحة لبناء ما يسمى الدولة الوطنية (من أمن وشرطة وإدارة وغيرها).

بالتالي لم ترصد لجوانب البحث العلمي والإبداع التكنولوجي الاعتمادات اللازمة للنهوض بها منذ البداية بحكم تصنيفهما ضمن الكماليات أمام الإكراهات الآنية التي ظهرت وواكبت مرحلة الاستقلالات (وهي استقلالات شكلية بدون شك).

في خضم كل ذلك استسهلت عمليات النقل التقني من الخارج (سيما في فترة الطفرة البترولية) على اعتبار أن ذلك من شأنه حرق المراحل  وربح الوقت وعقلنة الموارد المتاحة (عوض البدء من الصفر).

بالوقت الحاضر لا زلنا بإزاء نفس السياسات...سياسات النقل وإهمال جوانب البحث العلمي وتهميش الكفاءات المهاجرة أو التي تنتظر فرص الهجرة لتعمل بمراكز وجامعات ومختبرات غربية لا يعود مردودها على الأمة إطلاقا...وهي أمور تحدثت فيها تقارير التنمية الإنسانية العربية الثلاثة بالتفصيل.

الغريب حقا أن الخطاب الرائج (سيما داخل النخب الحاكمة والنخب المثقفة الدائرة بفلكها) يتحدث عن محورية جوانب البحث والإبداع كإحدى السبل للخروج من واقع التردي. لكن ذلك لا يترجم كسياسات عملية بل يبقى خطابا للاستهلاك...بل للتحايل على مستقبل الأفراد والجماعات.

منارات: ما هي مظاهر هذا التدني في زمن العولمة التي نعيشها حاليا؟

يحيى اليحياوي: العولمة تكتلات اقتصادية كبرى بين الدول والمجموعات بغرض خلق فضاءات للإنتاج الواسع وتبادل السلع والخدمات على نطاق أوسع. هي بهذا لا تعترف بالكيانات الصغيرة ولا بالحلول الجزئية ولا تعير كبير اعتبار للسياسات الوطنية أو للقرارات التي قد تصدر من هذه الدولة أو تلك حتى وإن كانت متقدمة.

العولمة هي أيضا تحالفات استراتيجية ضخمة بين الدول والشركات بغرض التمويل المشترك لمشاريع البحث العلمي والإبداع التكنولوجي العالية الكلفة وربح رهانات تنافسية اقتصاد المعلومات والمعرفة الذي يكون السمة الأساسية للقرن الحادي والعشرين.

وجود دول عربية وإسلامية متمسكة بالحدود الوطنية وبالسياسات الوطنية لا يسير في اتجاه ما يعتمل داخل مد العولمة. ولهذا السبب تستثمر الأموال والكفاءات خارج حدود الأمة وليس هناك من سبيل لتقييمها بداخل هذه الأخيرة. بالتالي فتكتل الدول العربية والإسلامية في مجموعات اقتصادية وتجمعات تجارية ليس ترفا فكريا ولا تصورا عاطفيا بل هو حتمية فرضتها معطيات العولمة وضرورات العصر...وإلا فدوننا ودون ذلك تعمق التخلف واستمرار التردي.

التخلف ليس قدرا محتوما بل هو معطى عرضي بالإمكان تجاوزه والتغلب عليه وإلا فما سر نهوض ماليزيا والصين والهند ودول عديدة بأمريكا اللاتينية كانت إلى حين عهد قريب غارقة في وحل التخلف ولا قيمة لها تذكر في الدورة الاقتصادية العالمية؟

منارات: ما هي مقترحاتكم لتحسين عطاء الأمة في هذا المجال؟

يحيى اليحياوي: نحن مطالبون بتفعيل كلمة "إقرأ" التي أعتبرها كلمة السر بالقرآن الكريم.

القراءة ليست فقط تعلم الكتابة والقراءة بل اكتساب القدرة على تفكيك الظواهر ورسم السبل واعتماد الحلول. هي كلمة تحيل على المعرفة وعلى الإبداع وعلى الاجتهاد. هي رؤية لحاضر الأمة ومستقبلها وطالما لم نفعل هذه الكلمة شكلا ومضمونا فإننا سنبقى عالة على العصر كما هو حالنا اليوم.

نحن بحاجة إلى رؤية بعيدة المدى تحدد التوجه وترسم الرهانات وتستثمر كل الموارد المتاحة بغرض خلق أوراش للمستقبل. ونحن بحاجة في ظل ذلك إلى تكريم كفاءاتنا وخلق المناخ الكفيل باستنبات الإبداع من بين ظهرانيها. ونحن بحاجة فضلا عن كل ذلك إلى تحديد النموذج في التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية الذي نود الاشتغال في ظله.

ونحن بحاجة أيضا إلى تحيين سؤال مالك بن نبي: لماذا تقدم الغرب وتأخرنا نحن؟

مجلة " منارات"، شهرية، الرياض (استقى الحوار العبد الله لخلافة بتاريخ 22 أكتوبر 2005)

* "وضع الأمة العربية والإسلامية زمن العولمة"، مجلة منارات، شهرية (أجري الاستجواب بتاريخ 22 أكتوبر 2005).

يمكنكم مشاركة هذا المقال