قال الباحث يحيى اليحياوي، إن موضوع التمويل الخارجي لأنشطة جمعيات ما يسمى ب"المجتمع المدني" يثير العديد من الإشكالات والأسئلة، حول أسباب تنامي هذه الظاهرة خلال السنوات الأخيرة، والأهداف المعلنة والخفية من ورائها.
وأوضح الباحث المغربي، أنه " قد لا يكون اللجوء للتمويل الخارجي عيبا في حد ذاته، إن كانت خلفياته واضحة وأهدافه محددة، وخاضع للرقابة وللمساطر القانونية المتبعة. بهذه الزاوية، لا أرى مانعا من اعتماد السبيل المباشر تجنبا لتعقيدات المسطرة...النية في هذه الحالة هي المقياس. لكنه يصبح خطرا كل الخطر، عندما لا يعرف المرء (أو الدولة) مصادره، ولا طبيعة الغايات الثاوية خلفه، ولا سلامة نية الذين تسلموه من هذه الجهة أو تلك".
وأكد اليحياوي، في تصريح ل"الصباح"، إنه لا يتوفر على "معلومات محددة عن حجم أو طبيعة أو أهداف التمويلات التي تتحصل عليها بعض من جمعيات ما يسمى ب"المجتمع المدني" بالمغرب.فهي جمعيات عديدة جدا، وذات مشارب مختلفة، ويثوي خلفها أناس وجماعات، ولا يستطيع المرء الوقوف عند علاقاتها بالخارج، أو ضبط سلوكها بالداخل. هي في جزء كبير منها، صناديق مغلقة".
وبخصوص واقع هذه العلاقة، يرى اليحياوي أن "بعضا من هذه الجمعيات يقوم عليها أشخاص سئموا العمل السياسي بالأحزاب، أو لم يتحصلوا عبره على مغانم، أو ضاقت بالصادق منهم. لجوؤهم "للعمل الجمعوي" أتى من هذا السياق، سياق إفلاس الأحزاب والنقابات والدولة بوجه عام أو فشلهم بداخلها، أو عدم توافقهم من بين ظهرانيها"، مشيرا إلى أنه بسبب إفلاس الدولة "ماديا (وأخلاقيا أيضا)، فإنه من الطبيعي أن يرتمي هؤلاء بجهة الخارج، بغرض تمويل ما يتراءى لهم من برامج وأنشطة".
وأوضح اليحياوي، في معرض استعراضه لتجارب بعض السفارات الأجنبية بالمغرب، أن سلوكها في الآونة الأخيرة تجاه المجتمع أضحى أكثر حضورا، من قبيل حضور السفير الأمريكي "الذي تجاوز على المستويات الوسيطة، ليتعامل مباشرة مع بعض الجمعيات وفي مناطق عديدة بالمغرب، مؤكدا أن هذا السلوك "يبين بالمحصلة، أن سفير الولايات المتحدة يريد أن يكون الحاكم المدني بالبلاد، في سياق الاستئساد الأمريكي الذي رافق مجيء جورج بوش إلى السلطة".
واعتبر الباحث يحيى اليحياوي، الذي صدرت له العديد من المؤلفات في مجال المعرفة والاتصالات والحوار بين العرب والغرب، أن العلاقة بين تجاوز عدد من السفارات والمؤسسات الأجنبية للمساطر السائدة بالمغرب يشي بأمرين اثنين أمرين: الأول يتعلق بأن عددا من السفارات لا تثق في طرق صرف ما يمنح من "معونات"، إن هي مرت عبر الطرق التقليدية (مصالح الخارجية أقصد). وهي هنا محق قياسا إلى حالات تحريف "المعونات" والقروض التي عرفها المغرب لعقود طويلة. أما السبب الثاني، فيتعلق بكون بعض السفارات "لا تعترف (وإن بالمضمر) بقوانين المغرب ومساطره، فتفضل الالتفاف عليها بالتلميح، أو جهارة كما حصل مثلا مع رسالته لجمعية الصحراء المغربية، حينما أثناها عن قافلتها لجماعة تيفاريتي تحت مسوغ غير مثبت".
وخلص الباحث إلى القول إنه في جميع الحالات، "فنحن بإزاء استصدار ليس فقط لجزء من مصادر القرار، بل تنقيصا من سيادة الدولة المادية كما الرمزية على حد سواء...لدرجة قد تتحول معها السيادة بنهاية المطاف، إلى كلمة جوفاء حتى من لدن الآخرين. والقياس على السابقة ركن من أركان القانون الوضعي، كما هو معروف".
وأكد اليحياوي أنه "بالمقابل، فطالما أن هناك قابلية لدى بعض من الجمعيات على التعامل المباشر مع الأمريكان ومع ما سواهم، وطالما باتت مصالح الخارجية مرتهنة في هذا الزمن الأمريكي الشمولي، فإن الأمر لا يخلو من مخاطر كبرى على حاضر المغرب ومستقبله".
وخلص اليحياوي إلى أنه "لن يكون بمستطاع وزارة في الخارجية أو غيرها من المؤسسات المغربية أن توقف هذه الموجة، ولربما ستعمد إلى شرعنتها نصا وقانونا عندما يصبح لازمة تستوجب التشريع".
* "يحيى اليحياوي: السفير الأمريكي يريد أن يكون الحاكم المدني للبلاد"، تصريح، جريدة الصباح، 23 يناير 2007.