س1: خلال مرحلة التعليم الابتدائي وحتى الثانوي هل خطر ببالكم أنكم ستصيرون خبيرا إعلاميا معروفا في بلدكم وفي الوطن العربي؟
يحيى اليحياوي: في بلداننا العربية لا يصنع الإنسان تاريخه. التاريخ هو الذي يصنع الإنسان كما قال فرناند بروديل. السياق والمحيط والظروف العامة هي التي تشكل ذات الإنسان وترسم الطريق من أمامه دونما أن يكون فاعلا مركزيا في ذلك.
كنت أنا ومجموعة من الأطفال الصغار نذهب للمدرسة ونعود بطريقة روتينية لا تكسرها إلا العطل الموسمية لكن كل ذلك لم يساعدنا في إدراك الغاية من المدرسة ولا الهدف من التعلم.
والمدرسة ذاتها ليست العنصر المحدد في مسار الأفراد. المدرسة عنصر من العناصر المتداخلة التي لا يستطيع المرء تحديد حجم تأثير كل واحد منها على حدة.
لا أنكر إعجابي الشديد والمبكر بالراديو وبالصورة في التلفزيون لكن ذلك كان من باب الإعجاب والاندهاش ليس إلا. أي أن ذلك لم يبلغ مني مبلغ تحديد الفاصل بيني وبين هذين المستجدين. لربما كانت هناك إرهاصات أولية لكني لم أكن أستوعبها كثيرا ولا مدركا لأبعادها على مستقبلي. بقيت لربما مسجلة بذاكرتي ولم تتمظهر إلا بعدما بدأ إدراكي يتشكل سيما في دراساتي المابعد جامعية.
من الوارد أن يكون للتأطير وللبيئة تأثير كبير في تحديد توجه العديد من أبناء الصفوة لكني لم أكن منهم...بالتالي فمن المتعذر حقا القول بأنني سأقتحم المجال الذي أشتغل به كتابة منذ 15 سنة أو أكثر.
س2: متى بدأت أولى الشرارات التي تشي بأنكم ستدخلون هذا المجال الخصب؟
يحيى اليحياوي: بدأت تحديدا عندما التحقت بالمدرسة الوطنية العليا للبريد والاتصالات بباريس سنة 1986. كنا ندرس العديد من المواد الأكاديمي منها والتطبيقي على حد سواء لكن كمداخل وليس بالتعمق المفروض.
كنا ندرس اقتصاد الشبكات ونظريات الاتصال واقتصاد الهياكل الصناعية وطرق تسيير المقاولات المنظمة على الشاكلة الشبكية كالبريد والاتصالات والنقل والماء والكهرباء وما سواها. لكننا لم نتعمق فيها كثيرا بحكم ضيق المدة واستحقاقات مناقشة الرسائل.
لكني تعمقت أكثر في هذه الجوانب عندما رجعت للمغرب واندمجت في سلك المتصرفين بالاتصالات وكان حينها المكتب الوطني للبريد والاتصالات ثم تحول إلى اتصالات المغرب في شكلها ما قبل الحالي أي كمؤسسة عمومية ثم في شكلها الحالي كمقاولة خاصة معظم رأسمالها بيد فيفاندي الفرنسية.
هذه لربما هي نقطة البدء. فبدأت أشتغل على قطاع الاتصالات تحديدا بحكم توفري على أدوات التحليل التي تعلمتها بفرنسا. لكني لم أشتغل عليه كشبكة تقنية فحسب بل أساسا كبنيات مؤسساتية وفي علاقاتها بالسلطة.
وبحكم الثورة التكنولوجية التي طاولت قطاع الاتصالات ودفعته للاقتراب من التلفزة ومن المعلوميات وسعت مجال اهتمامي لهذين الميدانين بحكم أنها مجتمعة تكون لما يسمى قطاع الإعلام والاتصال والمعلومات.
س3: هل تذكرون معلما أو أستاذا أثر فيكم بشكل كبير؟
يحيى اليحياوي: الإنسان ملتقى عوالم وتأثيرات متشعبة ومن أطياف متعددة. لا يستطيع بالتالي أن يعزل بعضها عن بعض أو تعيين شخص يكون له الأثر المحدد الأكبر. المسألة منظومية بامتياز فيما أعتقد ويتداخل بصلبها الذاتي بالموضوعي بغيرهما.
بالتالي فمن الصعب حقا أن يشير المرء على هذا الشخص أو ذاك بهذا الصدد.
س4:ألم تنتابكم يوما في دراستكم أسئلة وهواجس من قبيل لماذا أدرس وأتعلم؟
يحيى اليحياوي: أنا دخلت المدرسة بمحض الصدفة. لقد كنت بالمسجد وكنت على وشك إتمام الربع الأول من القرآن الكريم. ولما كنت نجيبا في حفظ القرآن أو هكذا يبدو لي اعترض إمام المسجد على فصلي وإرسالي إلى المدرسة لولا تدخل إحدى الشخوص وثني الإمام بقوله: دع الطفل يبحث عن مستقبله.
كانت المدرسة تبدو ولكأنها مكمن الخلاص من الفقر وطريقة لبلوغ منصب أو إدراك وظيفة تخلص المرء من ويلات الفاقة التي كانت تميزنا أواخر ستينات القرن الماضي. كانت المدرسة إدن وسيلة وليست غاية في حد ذاتها أي غاية التعلم من أجل التعلم مثلا.
وهي خلفية حكمت مخيالي منذ الصغر إذ كنت أتطلع إلى التميز وبلوغ المجد كما يقال.
بالجامعة لم يعد إدراكي يربط الدراسة بالعمل على اعتبار أن هذا الأخير بالإمكان إدراكه دونما تعلم. كنا في تحد مستمر ولم نكن نفكر في العمل حتى في صعوبة واقع الحال والفقر الملازم لنا سيما بالدراسات العليا. بالتالي فحتى ذهابي لباريس لم يكن بغرض الحصول على شهادة في أفق الشغل بقدر ما كان بحثا واستكشافا لعوالم أخرى لربما قد تفيدني.
عندما التحقت بالشغل أواخر تسعينات القرن الماضي (وكنت بمكتب صغير هو بالأصل مطبخ تم تحويله إلى مكتب) قلت: أهذه هي نهاية المطاف إذن؟ كان هذا السؤال هو بداية الوعي بضرورة البحث عن مجال لتوظيف ما تعلمت...فكانت الكتابة.
س5: علاقتكم بالوالدين. هل شجعاك في الدراسة واختيار تعليمكم أم العكس؟
يحيى اليحياوي: فضل الوالدين كونهما أدخلاني المدرسة. وفضلهم الأكبر أنهم لم يخرجاني منها بعد ذلك سيما في عالم البادية حيث الأبناء أداة إنتاج ناجعة.
أنا أزعم أن الوالدين لم يكونا أميين على الرغم من كونهما لم يدخلا المدرسة. كانا يعرفان أن التعليم وسيلة خلاص من الفاقة ومن الجهل. وهي ميزة تميز بها جيلهم دون استثناء.
الفضل الثاني كان لخالي... فهو الذي تكفل بتمدرسي لمدة قاربت العشر سنين. وهو تعبير عن تضامن اجتماعي لم تعد له قيمة اليوم في زمن المادة والفردانية والعائلة النووية وما سوى ذلك.
أما عن الاختيار فكما قلت لك هو كان من صنيعة التاريخ ليس إلا.
س6: هل وجدتم مشقة في الوصول إلى وضعكم المعرفي الحالي؟
يحيى اليحياوي: المعرفة ببلداننا هي أكبر عدو لمراكز السلطة...هي تزعجهم وتضايقهم ولكأنها تنازعهم أوضاع الريع التي يقتاتون منها.
أكبر مشقة اعترضتني تمثلت في كوني أبحث في قطاع أشتغل به وأمارس. بالتالي فلم يطق البعض أن أنبش في قطاع يدر الملايين من الدراهم لكنه مغلق ويسير كالضيعة وأكثر.
لم يكن من المستساغ (ولا يزال الأمر كذلك لحد الساعة) أن يكتب المرء عن قطاع يشتغل من بين ظهرانيه...فكانت الحرب علي على أشدها لدرجة أني أزحت من المسؤولية بعدما تبين لهم أني مصمم على اختياري. هذه قضايا قد لا تهم كثيرا لكنها تدلل على العقلية التي يتعامل بها بعض المسؤولين...وأنا بهذه النقطة أزعم أن هؤلاء هم إحدى العقبات الكبرى في وجه كل مجتهد أو صاحب مشروع.
س7: ما التضحيات التي قدمتم في سبيل ذلك؟
يحيى اليحياوي: على المستوى الشخصي الخالص أنا أعيش بالوضعية التي دخلت بها للإدارة بداية التسعينات في حين أن العديد تجاوز وضعيتي بكثير ومنذ زمن طويل. أنا أحارب فيما أقوم به يوميا ويطاول ذلك مصدر الرزق حتى.
المحصلة أن الإنسان يجب أن يكون مؤمنا بأن لكل شيء ثمنه وأنا أؤدي ثمن مواقفي وأنا واع بهذه المسألة ولا تزعجني كثيرا إذ الأرزاق من عند الله.
س8: ما السر في انجذاب وسائل الإعلام في المغرب وفي الوطن العربي لإجراء استجوابات معكم؟
يحيى اليحياوي: قد تعزو ذلك لكوني أشتغل في ميدان لم تعط له الأهمية التي يستحق. وقد تعزو ذلك إلى بعض من المصداقية التي أحاول اعتمادها في آرائي وكتاباتي. الله وحده يعلم السبب في ذلك.
س9: هل تعتقدون أنكم بلغتم ما يجب تبليغه في مجال الإعلام والاتصال؟
يحيى اليحياوي: قد أكون ساهمت في إضاءة العديد من الجوانب المرتبطة بقضايا الإعلام والاتصال بالمغرب وبالوطن العربي، لكن الكثير لا يزال بحاجة إلى البحث والتعميق والطرح الجدي. هناك العديد من الأسئلة والإشكاليات التي لم تعالج بالطرقة العلمية المطلوبة. وهناك القصور في تطوير العمل الجماعي عبر المراكز والمؤسسات. وهناك جانب التوعية الذي لا ينتهي. أنا أشتغل بقطاع من المتعذر استشراف تحولاته وتبعاته على المجتمع والثقافة. ومادام الأمر كذلك فمن الصعب حقا الادعاء بأنني قد بلغت...
س10: هل يمكن اعتباركم مناضلا إعلاميا؟
يحيى اليحياوي:أنا لست راضيا عن واقع الإعلام والاتصال بالوطن العربي ولا عن واقعه بالمغرب. وأزعم أن أهم مدخل لمعالجة ذلك هو المدخل الديموقراطي. والحقيقة أن حالة الإعلام لا تريك فقط مستوى التطور السياسي المحقق بل وتبين لك حجم التسلط والاستبداد الممارس نصا وتشريعا وسلوكا.
بالتالي فمحاربة هذا الواقع بالكلمة لا تقل نضالا عن ذاك الذي تعمد إليه الجماهير عندما يرتفع سعر الرغيف أو تلتهب أسعار المحروقات.
مجلة "اليمامة"، أسبوعية، الرياض (استقى الاستجواب حسن الأشرف بتاريخ 22 يوليوز 2005)
* "بداية مشوار"، مجلة اليمامة، أسبوعية، (أجري الاستجواب بتاريخ 22 يوليوز 2005).