في مؤلَّــفه الأخير"الإرهاب و أممية الاحتجاج على العولمة" الصادر عن دار النشر عكاظ بالرباط ، يطرح الباحث المغربي د. يحي اليحياوي مجموعة من الأفكار التي تنهض على رسم علائق من خيوط رفيعة بين ظواهر عربية و عالمية، قد لا يبدو الرابط بينها منطقيا للوهلة الأولى. و يندرج الكتاب ضمن مشروع نقدي نذر المؤلف له وقته و جهده منذ سنوات عديدة، و يتناول من خلاله بالبحث العديد من القضايا الجِدالية ذات الارتباط بالعولمة و الاتصال.
و ينقسم الكتاب الذي يقع في 226 صفحة من القطع الصغير( في حجم كتاب الجيب) إلى مقدمة و ثلاثة فصول و خاتمة عامة. وتتناول فصول الكتاب الثلاثة إشكاليات تتناولها حالياً أوساط الباحثين عبر العالم بالنقاش، من أجل فهم كيف ولماذا وقعت حوادث الحادي عشر من سبتمبر. و محاور الفصول هي :1- في عنف العولمة، 2- عولمة الإرهاب .. إرهاب العولمة، 3- تكنولوجيا الإرهاب أو في الحروب الإعلامية الأولى.
و تتفرع الفصول الثلاثة إلى مجموعة من الأبواب، يتناول الكاتب من خلالها قضايا: العولمة و "مجتمع السوق"، و العولمة و الهوة الرقمية بين الشمال والجنوب، و تأثير أحداث 11 سبتمبر على مسار العولمة، والإرهاب و العولمة ونهاية التاريخ، و العولمة و المواطـَــنة العالمية، و الإرهاب و الحروب الإعلامية، و الانترنت : إرهاب شبكة أم شبكة إرهاب ؟، و في إشكالية الإرهاب بقناة الجزيرة (القطرية)، وفي الانترنت و الحركات الإسلامية، الخ.
و يعتمد د. اليحياوي منهجية مغايرة عن غيره من المفكرين العرب، إذ أنه لا يكتفي بمناهضة العولمة من منطلق إيديولوجي مناهض للغرب فحسب، بل إنه يشتغل على التنظير للظاهرة و لغيرها من الظواهر الحديثة المرتبطة بها، بشكل يجعل منه في المغرب أكثر المثقفين عداء للعولمة و أكثر المعادين للعولمة إدراكا لآليات اشتغالها. و أنتجت تنظيراته 13 كتاباً أغنت المكتبة المغربية، ونسجل بكل أسف أنها لم تتجاوز حدود المغرب إلا نادراً، وأغلبها غير معروف لدى القارئ العربي.
"الإرهاب" بين الجزيرة و الانترنت
بالنسبة للقناة القطرية المثيرة للجدل، و بعد أن يستعرض الباحث العوامل التي تجعل منها"ظاهرة إعلامية بامتياز" و "حالة إعلامية خاصة"،يتساءل عن السبب الذي دفع القناة إياها بعد كل الضجة التي ثارت حولها عربياً و أمير كيا إلى اختيار البت الرقمي الذي يحد من جماهيريتها. و يقدم الباحث ثلاث قراءات ل"فك رموز السر إياه"، الذي يتخفى وراء أعذار تكنولوجية، بينما الواقع غير ذلك، كما يقول.
و يناقش د. اليحياوي بعد ذلك التوجه الأميركي إلى خلق قناة ناطقة بالعربية منافسة للجزيرة و لغيرها من القنوات العربية، بما يسمح لها من حشد تأييد الشارع العربي بعد أن حشدت تأيد الحكام العرب معها في معركتها ضد "الإرهاب". و هي مدفوعة إلى تلك المعركة التكنولوجية لأنها متجهة لا محالة إلى مواجهة طويلة مع العرب والمسلمين، وعازمة على ضرب العراق و سوريا و المنظمات الفلسطينية السودان وليبيا وغيرها من الجهات العربية؛ دونما حاجة إلى مسوغات موضوعية تبرر الضربات.
ومن خلال القناة الأميركية العربية اللسان، ستصرف الإدارة الأميركية خطابها، وهو ما سينقل مستوى الصراع بين الغرب و الإسلام من ساحة الحرب إلى حوار تواصل حضاريين يجعل قناة الجزيرة وغيرها من الفضائيات العربية، التي لم تأخذ بعد ما يجري في العالمين العربي والإسلامي مأخذ الجد، على المحك.
و ليست الفضائيات وحدها معركة الحرب القائمة بين أميركا و" الإرهاب العربي الإسلامي"، فكل أشكال التكنولوجيا تم توظيفها لحسم التحدي الحضاري. وفي هذا الصدد ينتبه الباحث إلى استفادة حركات الإسلام السياسي من الانترنت، وهو موضوع تكتنف البحث فيه صعوبات بالغة.
وبعد أن يلاحظ تزايد وثيرة إنشاء مواقع إسلامية على الشبكة العنكبوتية، ينتقل إلى رصد "الفلسفة الثاوية وراء لجوء الحركات الإسلامية لشبكة الانترنت و إنشاء مواقع بها".
إن الحركات الإسلامية وجدت في الانترنت وسيلة لفك الحصار الإعلامي المضروب حولها. والحركات الجهادية (حماس و حزب الله و الجهاد الإسلامي وغيرها) جعلت من افتراضية الشبكة امتداداً لجهادها على أرض الواقع من خلال توفير الوثائق الضرورية و تنظيم منتديات النقاش.
وبذلك يقدم فضاء الانترنت الرحب بديلا عن ضيق الواقع، ما جعل الحركات إياها تنظر إليه كوسيلة تمكن من توحيد كلمة المسلمين، الشيء الذي فشل في تحقيقه "الإسلام الرسمي".
و يرى الباحث أن ذلك الهدف انتبهت إليه الحكومات الإسلامية و الولايات المتحدة، التي توظف إمكاناتها المالية و التكنولوجية لتدمير المواقع الإسلامية على انترنت. كما أن محدودية استفادة عامة المسلمين من خدمات الشبكة العنكبوتية بسبب الفقر و الأمية التكنولوجية المستفحلة في العالمين العربي و الإسلامي، عوامل تحد ــ برأي الباحث ــ من إمكانية خلق "أمة إسلامية افتراضية" لأنها تزكي واقع نخبوية الانترنت...
عولمة الفوضى قادمة !
إن اجتهادات د. اليحياوي كأكثر الباحثين العرب تخصصا في قضايا الاتصال و العولمة، لا تكتفي بالتحليل العميق للظواهر و الإشكالات المرتبطة بها و حسب، بل إنها تتجه إلى إنتاج المصطلحات التقنية الدقيقة التي من شأنها التعبير بأمانة عن المواضيع التي يطرقها. و هكذا نجده في تقديمه للكتاب، يميز بين ظاهرتين غالباً ما يتم الخلط بينهما و هما العولمة و الشوملة.
فإذا كانت العولمة تتغيأ فرض هيمنة منظومة اقتصاد السوق على العالم وإحكام سيطرتها على كل مناحي الحياة الاقتصادية و الاجتماعية، فإن الشولمة تعني التعميم الكوني لتلك المنظومة و توسيع انتشارها و سيطرتها على الأرض. و معنى ذلك أنه حينما ستنتصر منظومة اقتصاد السوق و مرجعية رأس المال و تغزو كل مناطق العالم، و يتراجع دور الدولة إلى مستواه الأدنى، سوف نكون بإزاء شوملة.
و إذا كانت العولمة ظاهرة اقتصادية بامتياز، فإن وجه المفارقة يتمثل في أن تبعاتها و انعكاساتها و وصاياها الكبرى تمتد لتطال أيضا مجالات الثقافة و اللغة والخصوصية و نظم القيم، وغيرها. و لم تعد الدولة الوطنية هي المستوى الاستراتيجي الذي يحدد طبيعة و توجهات مخططات التنمية الاقتصادية والاجتماعية، بل إن التحول الذي يشهده العالم سلم مقاليد التحكم في مآل الاقتصاد العالمي إلى فاعلين جدد، و هي الشركات العابرة للقارات، التي تحقق أرقام معاملات عملاقة تتجاوز الناتج الداخلي الخام للعديد من بلدان العالم، بما فيها الدول الصناعية القوية اقتصادياً !
وفي مواجهة سطوة هذا الواقع العالمي الجديد، فقدت الدولة الوطنية ــ برأي الباحث ــ القدرة على الدفاع عن أفرادها و مدنها و جهاتها لفائدة ديكتاتورية الأسواق و طغيان رأس المال. و هذا التحدي الضخم الذي ترفعه العولمة على الدولة الوطنية هو منبع الإرهاب المتعدد الأوجه و الألوان الذي لن تنفع في رده مظاهرات الشوارع و لا احتجاجات المنظمات.. فالعولمة إذن ــ في تصور اليحياوي ــ ليست سوى مقدمة للإرهاب؛ "إنها مرحلة عسر كبير ستتفتق عنها لا محالة عولمة للفوضى ندر مثيلها في تاريخ البشرية ".
حصيلة القراءة الممتعة لكتاب" الإرهاب و أممية الاحتجاج على العولمة " تكشف عن غناه بالكثير من الأفكار الجدالية التي يطرح من خلالها الباحث يحي اليحياوي قراءته لقضايا الساعة، التي ترتهن منتديات النقاش عبر العالم منذ تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر. و لن تكون هذه الورقة التقديمية أكثر من دعوة موجهة إلى القارئ العربي كي يجرب متعة قراءته. فهي تساعد بدون شك على فهم ما يعتمل في جوف العالم حالياً من تحولات عميقة.
* "العولمة والإرهاب، أية علاقة؟ قراءة في كتاب د. يحيى اليحياوي 'الإرهاب وأممية الاحتجاج على العولمة'، جريدة الرأي العام، الكويت، 5 دجنبر 2002 (قراءة مصطفى أوعراب)، جريدة إيلاف الالكترونية، 05 فبراير 2003.