تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

يحيى اليحياوي لجريدة "الصباح"، عن الشيك والكاش في ثقافة المغاربة

ٍالصباح: هل توجد عوامل تجعل المغاربة يفضلون الأداء بالنقد؟

يحيى اليحياوي: ليس ثمة عامل واحد بالإمكان الارتكان إليه للقول بتفضيل المغاربة للأداء نقدا أو للكاش، على غيره من أشكال الأداء. ثمة عوامل متعددة ومتشابكة. المغرب حديث العهد بنظم الأبناك، وبالاقتصاد المالي عموما.

أصل التبادلات غالبا ما كان يتم على شكل عيني، ثم اتسع تدريجيا ليأخذ شكل مبادلات نقدية، ثم مالية فيما بعد، وبالتدريج. الشيك نفسه حديث العهد بالمغرب، دع عنك المبادلات والأداءات عبر الوسائل الألكترونية. ثم إن المغاربة يفضلون الكاش لأنه عملي ومباشر، ولا مجازفة فيه كبيرة، عكس الشيك الذي قد لا يصرف أو يتعذر صرفه، بسبب احتمال غياب أو نقص السيولة، وقد يكون مانح الشيك في وضعية إفلاس غير معلنة، فتذهب حقوق الدائنين جزافا.

 الدواعي هنا اقتصادية صرفة، لا سيما في العمليات المحدودة الحجم، وهي الطاغية في اقتصاد نسيجه مكون من شركات صغيرة وصغيرة جدا. أضف إلى ذلك، الدواعي النفسية ولربما الثقافية أيضا. إذ العديد من المقاولات تشتغل خارج الدورة المالية الرسمية، ولا تحبذ أن تكون عملياتها تحت بصر الضرائب أو خاضعة للمساءلة. لذلك ترى الناس يفضلون الاحتفاظ بجزء كبير من رساميلهم، والتعامل في شبكة بعيدة عن أعين الأبناك والرقابة المالية الدورية ...بالإضافة إلى هذه العناصر، ثمة عنصر الثقة. وهذا معطى جوهري في السوق وفي المبادلات بين الفاعلين.

 ثم إن فوائد الأبناك مرتفعة واقتطاعاتها تلقائية، ناهيك عن خضوعها لتوجيهات المصالح المالية والجبائية، إذ قد تضع المصالح إياها أيديها على رصيد هذه الشركة أو تلك، إن كانت لديها متأخرات، أو قضت المحكمة بالحجز على ممتلكاتها، وذلك دون استشارتها أو إذنها أو إخبارها حتى.

الصباح: هل يفضل المغاربة اكتناز المال في بيوتهم؟

يحيى اليحياوي: الأموال المكدسة في الصناديق الصلبة والبيوت ليست أموال خارج الدورة الاقتصادية. هي فقط خارج الدورة المالية التي تحددها الأبناك ويعمل البنك المركزي على تأطيرها. هي تشتغل في السوق بشكل من الأشكال، لكنها لا تظهر في العمليات التي تربط السوق بالتمويل المؤسساتي. المقاولات والأشخاص الذاتيين لا يزالون ينظرون إلى الدولة باعتبارها ذاك الغول الذي يأخذ ولا يعطي...يجبي ولا يشجع...يقتطع ولا يسهل...هو شكل من أشكال عدم الثقة بين الطرفين. بدليل أن الأنظمة المعلوماتية التي وضعتها مصالح الضرائب مثلا لعقلنة تدبيرها وتحصيل مواردها، تعتبر من لدن العديدين بكونها أداة رصد وتتبع وتضييق، ناهيك عن مخاطر الأمان المعلوماتي ومشاكل المعطيات الخاصة...الخ.

 أن تكون مصلحة الضرائب على علم بكل تفاصيل الوضعية المالية للشركة أو للشخص هو عربون ترصد وضبط وابتزاز في بعض الأحيان، يقول هؤلاء. لست من أولئك الذين يفضلون تشديد القوانين بالسوق أو الاقتصار عليها. أنا مع شفافية أكبر ومع توسيع لمجال الثقة بين الطرفين. هذا هو المدخل لربما لإخراج الأموال من جحورها، والدفع بها لتمويل العمليات الاقتصادية ومن ثمة عمليات التنمية.

الصباح: ما رأيك في القول بأن التعاملات بالكاش تتم خارج الدورة المالية العصرية؟

يحيى اليحياوي: هذا صحيح في جزء منه فقط. التعاملات بالكاش لا تظهر بالمنظومة المالية والبنكية، ومن ثمة من الصعب تتبع أثر أية عملية تتم بين مشتر ما وبين بائع، ومعرفة منسوب ومستوى العمليات التجارية. وهذا ما يفسر جزئيا مستوى التبنيك ويفسر أيضا عدم انتشار التجارة الألكترونية. وهذا يؤشر على أن وضعية الاقتصاد المغربي لا تزال هشة، إذ تطغى عليها العمليات التي تحيل على ما قبل نظام الأبناك كما تحدثت فيه بالسؤال الأول.

 مديرية الضرائب تعمل على الحد من الظاهرة من خلال فرض نظام الأداء بالشيك في مستوى معين، لكن هذا حل زجري لا يستقيم مع طبيعة الحركية الاقتصادية التي تستوجب الليونة والإقناع، عوض الزجر والعقاب. للسوق حساسية كبيرة إزاء القوانين التي تصاغ من فوق. هو يفضل الاشتغال التلقائي الشامل، وألا تتدخل السلطات النقدية أو المالية إلا من باب التأطير والتوجيه، أي أن تكون تابعة لا متبوعة. لذلك نرى أن الاقتصادات المتقدمة تراهن على إعمال التنظيم وليس التقنين.

الصباح: وما مكانة التعاملات الألكترونية؟

يحيى اليحياوي: التعاملات الألكترونية لا تزال محدودة ويسري عليها تقريبا ما يسري على التعامل بالشيك. ثمة خشية متأتية من ضعف الأمان في التعاطي مع الشبكات. وثمة خشية القرصنة، وثمة ثقافة تستوجب وقتا طويلا للاختمار بقصد تملك هذه الوسيلة والقبول بها. وهي مسألة آتية لا محالة.

إذ كان التردد شديدا في البداية فيما يخص الإقبال على البطائق الألكترونية، ها هي اليوم قد باتت أداة مستحبة ومقبولة، ويتم بواسطتها التعامل مع الخارج حتى. العديد من المغاربة باتوا يؤدون فواتيرهم في الكهرباء والهاتف وفي التأمين من خلال هواتفهم المحمولة.  هذه الأدوات التكنولوجية ليست سهلة الهضم، في بيئة اقتصادية وثقافية ونفسية لا تزال غير مواتية. ثمة مجهود بيداغوجي لا بد منه، من لدن الأبناك وشركات التأمين والبنك المركزي ووزارة المالية وباقي المصالح الأخرى.

جريدة الصباح، 28 يناير 2020

يمكنكم مشاركة هذا المقال