تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

يحيى اليحياوي عن "الإعلام والعدوان على لبنان"

إسلام أون لاين ـ كيف تؤثر صور الحروب في التلفزيون على التقييم العاطفي عند الناس للأحداث الجارية؟

يحيى اليحياوي: بنظرية الوسائط، لا يمكن أن نسلم بأن التلفزيون وسيطا محايدا ولا بريئا مما يقدم. هو مروج لرسالة ما (بزمن السلم تحديدا) قد تبرز وقد لا يلحظها المرء، فتبقى مبطنة كونها تفعل على مستوى السلوك بالمدى المتوسط والبعيد.

بزمن الحروب، يعتبر التلفزيون والصورة بوجه عام، أداة من أدوات الآلة العسكرية وجزء من الاستراتيجية الحربية إما بجهة التسويغ أو بجهة تسويق الخطاب المصاحب لمجريات المعارك أو بجانب التغطية الموظفة سياسيا بالتزامن مع ذلك.

أنا هنا لا أتحدث عن الجيوش التي تخلق لنفسها تلفزيونات (أو إذاعات) خاصة لذات الغرض، بل بالتحديد عن استصدار ما توفر من تلفزيونات عامة وخصوصية بغرض تأسيس روافد إضافية للمجهود الحربي بالميدان. وهو أمر تسهل ملاحظته بحروب الخليج لثمانينات وتسعينات القرن الماضي والحرب الكبرى على العراق التي حولته إلى بلد محتل.

ولما كانت العبر قد استخلصت من التغطية التلفزيونية لحرب الفيتنام، فإن الجيوش الكبرى (سيما الجيش الأمريكي) قد عمدت إلى استصحاب مبعوثي محطات تلفزية خاضعين للتوجيهات العسكرية أو إلى تشديد الرقابة على ما يبث من لدن محطات أخرى أو منع بعضها الآخر جملة وتفصيلا عبر استهداف صحفييها أو التضييق على تواجدها بعين المكان. وتجربة حروب الخليج معروفة بهذا الخصوص أيضا.

إذا سلمنا بما سبق من كلام، فسنسلم بالمحصلة بطبيعة التقييم الذي قد يعمد إليه الناس للحكم على مجريات الأحداث. بمعنى أننا لم نر مثلا، أثناء الحرب على العراق وإلى يومنا هذا، الجنود الأمريكان القتلى ولا نعوشهم ولا جرحاهم، بحجة أن ذلك من شأنه أن يؤجج المعارضة للحرب وفيما بعد للتواجد كمحتل ويثير المشاعر الغاضبة ويربك بالتالي الحسابات.

وهو  ما لم نلحظه إلا نسبيا في الحرب السادسة التي تدور رحاها منذ 12 يوليوز بلبنان، إذ وجود محطات متابعة (إضافة إلى محطات وإذاعات حزب الله) منحت المشاهد بالعالم المظاهر الكبرى للحرب إياها، ومكنتهم من التأكد من الطبيعة اللاأخلاقية لحروب إسرائيل على العرب، والتماهي الأمريكي مع ما تقوم به على مستوى تدمير البشر والشجر والحجر دونما اعتبار أدنى شروط المواجهة العسكرية.

   إسلام أون لاين- لماذا يتولد الشعور بالعجز المكتسب إزاء ما ينقل من صور الحرب؟ وكيف يؤثر هذا الشعور على فعل الأطراف الشعبية العربية؟

يحيى اليحياوي: التلفزيون لا يخاطب العقل دائما بقدر محاولته مطاولة الأحاسيس والعواطف بالإشهار تحديدا، وأيضا في تغطياته للأحداث الدرامية الكبرى من حروب ومجاعات وأمراض وزلازل وفيضانات وحرائق وما سواها. بالتالي، فالعامل الناظم للعمل التلفزيوني المرتكز على الصورة هو العاطفة سيما في المجتمعات التي تتصور أن العالم بخير.

تسألني عن العجز العربي. التلفزيون قد يخلق العجز وقد يسهم في تعميقه أو في نشر مداه ليغدو حالة عامة تقدم كما لو أن لا فكاك منها. مثلا، نلاحظ أن الإعلام العربي عموما بكل روافده استنبت وروج للعجز العربي أمام إسرائيل، فأظهرها كما لو أنها الدولة التي لا تقهر وجيشها الجيش الذي لا يهزم... حتى جاءت المقاومة اللبنانية مؤخرا وأثبت سراب هذه الأطروحة.

التلفزيون هنا انعكاس للمنظومة الرسمية العربية التي نشرت " قناعة" أن لا سبيل لقهر إسرائيل، فتبناها إعلامها وروجت لها تلفزيوناتها. بهذه النقطة، أزعم أن التلفزيون موسط لحالة العجز هاته، في حين أنه أسهم في الحالة الأولى في نشرها على نطاق واسع بين العرب.

من الطبيعي هنا أن يسلم المرء بأن الجماهير إنما هي على دين حكامها، تتعبد بنفس الطقوس وترفع نفس الدعاوى. لكن ما حصل مع ملحمة المقاومة اللبنانية (ومن قبلها وبموازاتها المقاومة العراقية) أن الجماهير بدأت تحس بأن ما يرد من أرض المعركة من أخبار ومن صور يبين بالقطع أن حالة العجز "المكتسبة" قد بدأت تجد طريقها لا أقول للتقوض بل للتراجع. 

إسلام أون لاين- ما مدى صدقية الصورة التلفزيونية المنقولة في تبليغ العبر والتجارب للمشاهدين؟

يحيى اليحياوي: الصورة التلفزيونية لا يمكن أن تكون صادقة إلا بقدر صدق الثاوين خلفها صياغة وإعدادا وإخراجا وترويجا. أنا لا أؤمن بحيادية تكنولوجيا الصورة، لكني أزعم أن ظروف الحرب غالبا ما تعتمل من بين ظهرانيها عناصر التعتيم والتضليل والكذب والإبهام والرسائل القابلة لتعدد التأويلات والتفسيرات.

 بالتلفزيونات العربية مثلا سيما الرسمي منها، لا يمكن للمرء أن يراهن على محطات تشرف عليها حكومات هي بالأصل غير صادقة مع شعوبها ولا تحتكم إليها ولا تقدم لها الحساب ولا تعيرها أدنى اعتبار لدى اتخاذ قرار ما. نفس الشيء، وإن بدرجات أقل، بالغرب. فكلما كان ثمة ما يطاول المؤسسة الرسمية يتم منعه أو التعتيم عليه أو اعتباره ضمن أسرار الدولة. ولك أن تلاحظ كيف عوقب صحفيون وإعلاميون (يحترمون شرف المهنة وأخلاقياتها) لمجرد أنهم ناهضوا المؤسسة الرسمية أو بثوا تقارير صنفت حساسة أو تعاطفوا مع هذه الجهة أو تلك.

بالمقابل، فأنا أزعم من جهة أخرى أن جانب الصدق غالبا ما يضحى به أيضا بالمحطات الخصوصية سيما لو كان أصحابها على علاقات مع المؤسسة الرسمية أو يعبرون عن مصالح وارتباطات لا مجال لإعمال الصدق لفهمها كعلاقة معظم الشبكات التلفزيونية الأمريكية مع إسرائيل ومع الصهيونية بوجه عام. وهي أمور معروفة وتأكدت أكثر مع الحرب على لبنان وكيف نلحظ تماهيا كبيرا بين الخطاب الإعلامي الإسرائيلي وخطاب الشبكات إياها.

إسلام أون لاين- يذكر "ريجيس دبريه" في كتابه "حياة الصورة وموتها" أن التلفزيون قد فتح قلوبنا وعقولنا على المعاناة والقمع اللذين لم يكونا قابلين للرؤية هكذا من قبل، وأنه بهذا قد خلق نوعا من الرأي العام العالمي الذي قد يتحول إلى تعاطف وإلى اهتمام نشيط فعال... كيف تقيمون كخبير إعلامي مثل هذه الأفكار؟

يحيى اليحياوي: الصورة لا توحد فقط، بل هي اللغة المشتركة التي يتعذر توافرها بباقي الروافد الإعلامية. لكنها توحد بالسلب ولا توحد إلا نادرا بالإيجاب كما في حالة كأس العالم مثلا أو أعراس المشاهير.

أتصور أن حرب غزو العراق والحرب الحالية على لبنان تثبت ما ذهب إليه ريجيس دوبريه، إذ راجت صورة الدمار والخراب والقتل الجماعي للأطفال والشيوخ والنساء بكل أرجاء المعمور، وأبانت قطعا عن تجاوزات الديموقراطية التي تعطي الحق للرئيس أو للمؤسسة الحاكمة ليعمد إلى سلوك حرب إبادة لدول وأمم على اساس من هذا المسوغ أو ذاك، خدمة لهذا المشروع أو ذاك. 

لا أستطيع أن أجزم بأن هناك رأيا عاما عالميا بالمعنى السوسيولوجي للكلمة، لكني أستطيع القول بأن ثمة حدا أخلاقيا أدنى يتراءى لشعوب الكون أن تجاوزه غير مقبول وقد يكون من شأنه تهديد البشرية بما هي حد للتعايش المشترك أدنى.

 إسلام أون لاين- هل الحرب الحالية على لبنان تصدق قول " دبريه" أم تكذبه؟

يحيى اليحياوي: قد نسلم بأن هناك تضامنا واسعا من لدن العديد من شعوب العالم مع ما يتعرض له لبنان من همجية وبربرية على يد أناس تجاوزوا النازية في سلوكهم وصلفهم، لكنه محصور نسبيا بجماهير العالم العربي والإسلامي. أتصور بهذه النقطة أن تعاطف بعض النظم العربية مع إسرائيل وتنديدها بما أقدم عليه حزب الله جعل العديد يعتبر أن ما تقوم به إسرائيل هو دفاع عن النفس وأن حقها في الأمن حق مطلق. لربما يكون هذا هو العنصر الذي حصر حجم المظاهرات التنديدية على الأقل بالقياس إلى غزو العراق. وعلى أية حال، فهذه ظاهرة تستحق المتابعة والتحليل.

   إسلام أون لاين-  إلى أين يبلغ في رأيكم مدى خطر استبلاد مشاعر الناس من فرط الصور المهولة والمؤثرة للحرب؟

يحيى اليحياوي: للتلفزة أولوياتها ولها إكراهاتها. فهي تشتغل بالمدى القصير والآني في الغالب الأعم والصورة بداخلها تقتل الصورة، إذ بمجرد بثها يتم تجاوزها. وهي مستهلك ضخم للصور والأحداث، قد تقدم بعضها وقد تؤخر البعض الآخر وقد لا تعير كبير اعتبار لبعض ثالث وهكذا. لاحظ مثلا تراجع الأخبار والصور عن العراق والصومال والسودان وغيرها بتقدم أحجام الصور الواردة من لبنان ومن شمال إسرائيل.

لا يستطيع التلفزيون استبلاد المشاهد ليس فقط بحكم تعدد الخيارات التي أتاحتها التقنيات الرقمية وتوفر عشرات المئات من الفضائيات، ولكن أيضا لأن درجات الوعي (حتى باستمرارية نسب الأمية) قد زادت ولم يعد أحد مثلا يزايد على أن إسرائيل وأمريكا هما من أعداء العرب ما داما يستهينان بهم جملة وبالتفصيل.

أعتقد أنه من تداعيات مقاومة حزب الله لإسرائيل انفضاح هذه الحقيقة وتراجع الخطابات المراهنة على أمريكا أو على مسلسلات السلام المهينة لنا وللفلسطينيين.

إسلام أون لاين- هناك من الخبراء الإعلاميين في مجالات الصورة الإعلامية من يؤكد على إمكانية إحداث استمرار التفرج على صور الحروب المأساوية لنوع من العقاب للنفس أو  إلى سلوك عنيف أو عدواني لدى الأفراد... هل هذا صحيح؟

يحيى اليحياوي: التلفزيون أداة فرجة بامتياز. فنحن نتفرج على ما يقع بالجيش الإسرائيلي الذي لا يقهر وبإسرائيل التي لم يسبق لها أن قصفت، وهم بالتأكيد يتفرجون على الدمار الذي ألحقوه بلبنان حتى وأنهم لم يستطيعوا إظهار ما زعموا أنها غنائم حرب من أسرى وعتاد وما سوى ذلك.

قد يقتصر الأمر عمليا على هذه العملية العابرة، لكن من الوارد أن يتحول ذلك إلى ردود فعل بالشارع أو باستهداف مصالح العدو مباشرة أو بالمقاطعة وقد يبلغ حد التجند لمؤازرة ما يتبناه المرء. ولك أن تلاحظ حشود الشباب الأندونيسيين الذي تطوعوا مؤخرا للالتحاق بمجاهدي حزب الله...أما الشباب العربي، فقوانين الإرهاب التي سنتها حكوماته تحول دون حتى التفكير في التطوع...

استجواب لموقع "إسلام أون لاين"، أجري الحوار بتاريخ 10 غشت 2006 (أجراه: عبد الله التفراوتي)

يمكنكم مشاركة هذا المقال