تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

"أصوات مخنوقة: دراسة في التشريعات الإعلامية العربية"

مركز حماية وحرية الصحفيين/أنترنيوز

عمان،  غشت 2005،  288 ص.

اصدر " مركز حماية وحرية الصحفيين" (وهو مؤسسة أردنية غير حكومية) بمنتصف العام  2005، تقريرا عن التشريعات الإعلامية العربية ضمنها تصوره الخاص للتشريعات إياها واستكتب، للوقوف عند التجارب القطرية،  " باحثين ونشطاء بالمجتمع المدني" من المغرب والجزائر وتونس ولبنان والبحرين.

وعلى الرغم من اعتراف التقرير منذ البدء بأن "التشريعات التي تفرض قيودا على حرية الإعلام في الوطن العربي تبدو متشابهة ومتماثلة" حيث ينطلق المشرع العربي " في تعامله مع القوانين من فلسفة المنع والتقييد والعقاب وليس من منطلق الحرية والإباحة"،  فإن استحضاره للحالات القطرية إنما بررتها، فيما نزعم، بواعث التوكيد على ذلك حالة بحالة.

ينقسم تقرير "أصوات مخنوقة: دراسة في التشريعات الإعلامية العربية" إلى ثلاثة أبواب كبرى خصص الأول منها للسياق العام (الداخلي والدولي) الذي يفعل في حرية الإعلام بالوطن العربي. وخصص الثاني ل "التشريعات الإعلامية في المغرب العربي"، فيما أفرد الثالث ل "التشريعات الإعلامية في المشرق العربي" وأضيف، بمؤخرة التقرير، باب ملحق بالمناقشات والمداولات التي نظمها معدو التقرير قبل العمد إلى إصداره ونشره.

+ بالباب الأول، يعتبر التقرير أن مفهوم حرية الإعلام إنما يرتبط "ارتباطا وثيقا بحق اصيل من حقوق الإنسان وهو حق الاتصال الذي لا ينفصل عن حق كل إنسان في البحث والتعرف على الآراء والأفكار والمعلومات وحقه في الوصول إليها وكذلك حقه في تلقيها".

بالتالي،  فهي (حرية الإعلام أعني) "رافعة أساسية تساعد الفرد في تحقيق ذاته وتساهم في الكشف عن الحقيقة وتدعم قدرة الأفراد على المشاركة في مجتمع ديموقراطي... وهو أمر لا يتأتى إلا باحترام حريات التعبير عن الآراء والأفكار والحق في التدفق الحر للمعلومات".

ولتزكية ذات الطرح،  يستشهد التقرير بميثاق حقوق الإنسان والمواطن الذي أعلن بفرنسا سنة 1789 غداة الثورة الفرنسية، وبالعديد من قرارات الأمم المتحدة التي تعتبر أن "ممارسة حرية التعبير هي المحك الأساسي لكافة الحريات" وأن "حرية تداول المعلومات من حقوق الإنسان الأساسية".

من هنا،  فإن أي تقييد لهذه الحرية يجب أن يكون مشروطا بنصوص قانونية... وأن تكون ذات النصوص " ضرورية لضمان احترام حقوق الآخرين أو سمعتهم، وأن تكون هامة لحماية الأمن القومي أو النظام العام أو الصحة العامة أو الآداب العامة" على ألا يكون هذا التنصيص على الضمان مدخلا لمصادرة حريات التعبير والإعلام وتداول المعلومات. وهو ما ركزت عليه، فيما بعد، الاتفاقيات الأوروبية والأمريكية التي، وإن عمدت إلى وضع بعض القيود ذات الطبيعة الاستثنائية ودونما فرض عقوبات فعلية، فمن باب الردع المعنوي لسبل التجاوز الواردة والمحتملة ليس إلا.

ولما كانت جل الحكومات العربية،  ولعقود من الزمن،  هي صاحبة الأمر والنهي على وسائل الإعلام بشتى روافدها (المكتوب منها كما المسموع كما المرئي كما الألكتروني) ، فإنها لم تتزحزح نسبيا عن ذات الموقع إلا جراء الثورة الهائلة التي طاولت ميدان الإعلام والمعلومات والاتصال واضطرتها لأن تخفف من صرامتها، فأفسحت هامشا في الحرية نسبي مع الإبقاء على التحكم في الأدوات الدستورية والقانونية (وبدون إعمال للقانون في العديد من الحالات) التي تمكنها بأي وقت من أن تجهز على الهامش إياه جملة وتفصيلا سيما في نظم لا تقسيم للسلط من بين ظهرانيها.

وعلى الرغم من تضمين معظم الدساتير العربية لبنود تضمن الحريات العامة (وضمنها حرية الرأي والتعبير)،  فإن حالات الطوارئ المعلنة في أكثر من بلد عربي وعدم  استقلالية القضاء تحول،  في الغالب الأعم، دون ضمان الحق في التظلم القضائي من السلطة في حال إقدامها على تجاوز منطوق القانون (أو بدون إعماله حتى) أو تعمدها لي عنق القانون (بالتأويل الممطط) ليخدم هذه الغاية أو تلك.

وعلى الرغم أيضا من توفر العديد من الدول العربية على تنظيمات قانونية للحريات الإعلامية واضحة وغير قابلة لتأويل كبير،  فإن ذات الحريات غالبا ما تحس الاختناق جراء القيود الصارمة والتدخلات الإدارية التي تمارس عليها لدرجة تصل إلى التغريم والزج بالإعلاميين بمخافر الشرطة والسجون...هذا إذا تسنى للقضية أن تبلغ مبلغ التظلم القضائي ضد السلطة أو الإدارة أو غيرهما.

+ بالباب الثاني تحدث التقرير عن حال التشريعات الإعلامية بالمغرب العربي من خلال نماذج المغرب والجزائر وتونس فخلص:

°- بالمغرب،  إلى أن الدستور (كما القوانين المحيلة عليه أو المقيدة به) نص "على حرية الرأي والتعبير بجميع أشكاله مع الاعتراف للمواطن بالحق في الإعلام وحق مختلف وسائل الإعلام في الوصول إلى مصادر الخبر والحصول على المعلومات"، مع توكيد القوانين إياها على معاقبة (بالغرامة والسجن وتوقيف المنبر بأمر من وزير الداخلية أو بمرسوم من الوزير الأول) من يخل بالاحترام الواجب للملك و"للمؤسسة الملكية" أو يمس بالدين الإسلامي أو بالوحدة الترابية أو ينشر ما من شأنه المس بالأخلاق العامة أو بالآداب العامة أو يعمد إلى قذف وشتم الأفراد أو الجماعات وما سوى ذلك.

وعلى الرغم من هامش الحرية الإعلامية الذي بلغه المغرب نسبيا منذ أواسط تسعينات القرن الماضي،  فإنها لا تزال في جزء كبير منها تحت طائلة القانون الجنائي وقانون الإرهاب وتأويل قضاء غير مستقل... مما يؤدي (سيما بالسنين الأخيرة) إلى التعسف والشطط  في ظروف لا تزال تنعدم فيها أدنى آليات حماية الصحفيين أثناء ممارستهم لمهنتهم أو أثناء بحثهم عن المعلومات أو بمجرد اجتهادهم بالتلميح المبطن لإثارة هذه القضية أو تلك.

وإذا كان إنشاء الهيئة العليا في الاتصال السمعي/البصري يعتبر من لدن البعض على أنه طفرة إضافية،  فإن قراءة النص المنشيء لها يشي بارتهانها من لدن رئيس الدولة كونها ملحقة به مالية وعلى مستوى اتخاذ القرار...وهو ما ليس سليما بالمرة.

°- وخلص،  بالجزائر،  إلى أن الحرية الإعلامية توجد منذ مدة طويلة بين " مطرقة المؤسسة العسكرية وسندان الجماعات المتطرفة" على الرغم من تنصيص دستور 1996 على أنه "لا مساس بحرمة حرية المعتقد وحرمة حرية الرأي" التي لا يمكن أن تمس إلا بمقتضى أمر قضائي ولا يمكن، قبل كل هذا وذاك، فرض أي نوع من أنواع الرقابة السابقة أو اللاحقة على وسائل الإعلام".

وقد نص قانون الإعلام الجزائري على "حق المواطنين في الاطلاع الكامل على الوقائع والآراء التي تهمهم داخليا وخارجيا"... بما فيها "الوثائق والمستندات الموجودة في حوزة الجهات الحكومية" ...اللهم إلا إذا كانت مصنفة ومحمية قانونا. إلا أن التصنيف إياه ترك للإدارة العمومية ولم يحدد القانون بدقة معنى "الوثائق المصنفة قانونا".

من جهة أخرى،  ابقى قانون الإعلام الجزائري على العقوبات الجنائية (لاعتبارات "أمن الدولة" و "السر الاقتصادي" و "الدفاع الوطني" وغيرها) في حين قيد حماية مصادر الخبر بذات الاعتبارات أمام القضاء (اي عندما يتعلق الأمر بالمس بهذه القضايا ويستدعي ذلك تدخل القضاء).

°- أما بتونس فإن هيمنة الحكومة على وسائل الإعلام شبه مطلقة (سيما بالوسائل السمعية/البصرية) على الرغم من تشديد الدستور على أن "حرية الرأي والتعبير والصحافة والنشر والاجتماع والتنظيم مضمونة". لكن ممارستها تخضع " للشروط التي يضبطها القانون"... وهو ما يعطي الدولة سبل سن القوانين على مقاسها تجرم وتحرم وتمنع وتضيق على الحريات ما دامت العديد من بنود قانون الصحافة تحيل على القانون العام... ناهيك عن مركزية وزارة الداخلية في كل ما يتعلق بالترخيص أو المنع أو الحجب أو إغلاق المنابر.

من جهة أخرى، فعلى الرغم من تكسير قانون الاحتكار للفضاء السمعي/البصري، فإن ذلك لم يستتبع بقانون تنظيمي، مما يجعل تنظيم القطاع خاضعا للحكومة تقرر إسناد الرخص اعتبارا لمبدأ الولاء وليس لسواه.

وإذا أضفنا إلى ذلك قانون " دعم المجهود الدولي لمكافحة الإرهاب ومنع غسل الأموال" (10 دجنبر 2003) ، فإن أي إشارة أو رأي أو دعوة أو ما سواها قد تكلف صاحبها حريته وفق القانون الجديد (السجن والغرامة أعني) دونما توفر سبيل للتظلم أمام قضاء هو بالأصل غير مستقل.

+ بالباب الثالث،  يقف التقرير عند "التشريعات الإعلامية في المشرق العربي" من خلال حالتي لبنان والبحرين:

°- فبلبنان يكرس الدستور " مبدأ حرية الإعلام قولا وكتابة"،  لكن " ضمن دائرة القانون" (سيما وأن هذا الأخير ملتزم بالمواثيق الدولية المطالب بالتقاطع معها) وهو ما يسري على المطبوعات ("الصحافة والمكتبة والمطبعة حرة... ولا تقيد هذه الحرية إلا في نطاق القانون") والبث الإذاعي والتلفزيوني والفضائي أيضا...علما بأن إصدار الصحيفة يتطلب ترخيصا مسبقا من وزير الإعلام... وهو ما يخالف حرية الإعلام المضمونة دستوريا.

أما الحدود الجزائية، فهي في الآن معا ذات طبيعة عامة (المس بوحدة البلاد أو التشهير بحق الأفراد أو الترويج للعدو أو لغيرها) ويعاقب عليها القانون منعا للمنبر وسجنا للقائم عليه وأخرى مختصة بالمطبوعات (عدم الصدور أو الصدور تجاوزا أو تحايلا على التعطيل وغيرها).

°- وبالبحرين،  تم الإعلان منذ مدة على احترام المواثيق الدولية لحقوق الإنسان والانضمام إلى المعاهدات الدولية التي تتضمن معايير وآليات تتعلق بحرية الرأي والتعبير. بالتالي فالدستور كفل "حرية الرأي والبحث العلمي وحق التعبير عن الرأي وحرية الصحافة والنشر..." ، لكن القوانين والإجراءات جاءت " مقيدة ومنتهكة لتلك الحقوق... وفقا للشروط والأوضاع التي يبينها القانون" (المس بالعقيدة الإسلامية،  وحدة الشعب،  إثارة الفرقة والطائفية...الخ).

ولعل قانون العقوبات (الذي بمقتضاه تحاكم كل إذاعة لخبر أو بيان أو معلومة بالخارج عن الأوضاع الداخلية يكون معرضا للسجن والغرامة) هو الأكثر تضييقا على الحريات الإعلامية بالبحرين.

بالتالي،  فعلى خلفية من عبارة "الأوضاع الداخلية للدولة" أو عبارة "النيل من هيبتها"، يمكن للسلطة تجريم أي خبر أو بيان يذاع خارج البحرين من لدن إعلاميين أو سياسيين أو معارضين للنظام.

وإذا كان هذا الأمر جاريا على مستوى كل من يتسنى له نشر الخبر أو البيان، فإنه جار أيضا على الميدان الإعلامي (وهو الحلقة الأضعف) بغرض الحيلولة دون بلوغه مصادر الخبر لأن ذلك من شأنه ترويجها بالداخل على نطاق واسع. بالتالي فكل القوانين مصاغة على أساس هذه الخلفية ومن شأنها محاكمة الأفراد والجماعات بمجرد الشبهة أو وفقا لمنطق النوايا.

يبدو إذن من هذا التقرير (وهو كثيف وتقني وشديد التفاصيل القانونية) أن الدول العربية إنما هي متماثلة في تشريعاتها الإعلامية بجانب السلب أكثر من الإيجاب:

+ فهي في معظمها (بل في جلها) محكومة بثقافة الردع والمنع والمصادرة والحظر. والأخطر من ذلك أنه لم يتسن "لأي بلد عربي لحد الساعة إلغاء عقوبة السجن في قضايا الإعلام".

+ وهي (التشريعات أعني) غير خاضعة فقط للقوانين المرتبطة بالإعلام،  بل وأيضا لقوانين أخرى (قوانين سرية المعلومات والأحوال الشخصية ومؤسسات أعلى هرم الدولة وما سواها) لدرجة أحصى المركز 27 قانونا يؤثر على حرية الإعلام دونما أن تكون من مجال اختصاصه المباشر.

+ وهي تخضع للبيئة الاجتماعية والثقافية والسياسية والنفسية العامة التي تجعل العمل الإعلامي يمارس الرقابة الذاتية القاتلة للإبداع وللاجتهاد... وأيضا للبيئة الاقتصادية التي يعيش بظلها الإعلامي والمؤسسة الإعلامية سواء بسواء.

+ وهي، فوق كل هذا وذاك، تحت رحمة قضاء غير مستقل يطبق النصوص بطريقة جافة أو يعمد إلى التأويل الضار إذا صدرت له الأوامر بذلك... وقس على ذلك.

من الموضوعي إذن  أن يختار المركز للتقرير عنوان "أصوات مخنوقة".

* "أصوات مخنوقة: دراسة في التشريعات الإعلامية العربية"، نافذة " قرأت لكم"، 16 فبراير 2006.

يمكنكم مشاركة هذا المقال