تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

"وجه الرأسمالية الجديد"

توفيق المديني، منشورات اتحاد الكتاب العرب، دمشق، 2004، 370 ص.

1- بمقدمة الكتاب، يقول المؤلف: "واجهت الرأسمالية على الدوام انتقادات من مدارس فكرية متنوعة، ولكن ذلك لم يمنعها من الاستمرار والازدهار. وكانت الكنيسة  أول من انتقدها في بداية  القرن التاسع عشر. وفي أواسط القرن عينه، كتب ماركس كتاب الرأسمال، وفيه نقد جذري وجدلي للرأسمالية. واليوم في مطلع القرن الحادي والعشرين،   مازالت المؤلفات التي تنتقد النظام الاقتصادي العالمي الراهن، النيوليبرالية المظفرة، والسلطة المتزايدة للأسواق، قليلة، بل إننا شهدنا في جميع البلدان الرأسمالية المتقدمة،  كيف أن أرباب العمل وكبار الموظفين الدوليين،  كما المثقفين أصحاب الحضور الإعلامي، والصحافيين الألمعيين، يمتدحون نظام العولمة الرأسمالية،  والاقتصاد الجديد".

ويتابع القول: إن "ما يزيد مفاعيل قوة وضرر هذا الخطاب، أن من يشيعه ليس فقط دعاة الثورة النيوليبرالية، الذين يريدون تحت غطاء التحديث، إعادة صنع العالم، بالقضاء على المكتسبات الاجتماعية والاقتصادية الناتجة عن مئة عام من النضالات الاجتماعية، والتي باتت توصف كأنها تقاليد قديمة، أو معوقات في وجه الرأسمالية الجديدة، بل أيضا منتجون ثقافيون من اليسار، مازالت غالبيتهم تعتبر نفسها تقدمية، لكنها محبطة مع انهيار تجربة الاشتراكية المشيدة في الاتحاد السوفياتي، التي بد ت صالحة في مرحلة ما من القرن العشرين".

إن منظري العولمة، يلاحظ الكاتب، يرون أن النيوليبرالية الكونية، إنما تمثل صخرة التوجه الإنساني،  لقيمتها الإيجابية في إبراز دور الرأسمال الدولي، المتمثل بالمؤسسات المصرفية والمالية الدولية، والشركات المتعددة الجنسيات، "والمستندة إلى أكثر القوى الإنتاجية تقدما في عصرنا الراهن،  عصر الثورة المعلوماتية ( الأتمتة المعقدة جدا،  والإلكترون، والذرة، واستخدام الكومبيوتر والانترنت استخداما مذهلا،   في مختلف مجالات الحياة)، عصر ثورة التكنولوجيا العالية في التسعينات من القرن العشرين وما بعدها،  ومع التقدم غير المسبوق خاصة في تكنولوجيا المعلومات/الاتصال... حيث أخذت التكنولوجيا المتقدمة الرقمية للاتصالات من البعد،  تحدد مدى انتشار تكنولوجيا المعلومات، عن طريق الانطلاق إلى آفاق جديدة".

ويلاحظ أيضا أنه باسم " الثورة المحافظة"، بدأ الليبراليون المتطرفون ينشرون نيوليبرالية عدوانية، مضاعفة بنوع من الأنتي- كينزية المناضلة،  للقضاء على ذلك التقليد القديم، الكامن في ضرورة تحجيم دور الدولة، وتدخلاتها في النشاط الاقتصادي والاجتماعي، منادين في الوقت عينه بأن الحرية الاقتصادية هي أساس حياة الفرد والمجتمع، ومركزين في هجومهم على السياسات الاجتماعية التي تطبقها الدولة في مجال السوق،  مثل دعم صندوق التضامن الاجتماعي، وإعانات البطالة، والرقابة على الأسعار، ودعم الخدمات التي توجه للطبقات الفقيرة،  ومحدودي الدخل وما سواهم.

إن الثورة النيو ليبرالية، يقول المؤلف، إنما باتت "الجواب التاريخي الذي تقدمه البرجوازية الاحتكارية لأزمة الرأسمالية العالمية، من أجل تحجيم دور الدولة في النشاط الاقتصادي والاجتماعي، وخفض معدلات الضرائب على الدخول والثروات المرتفعة، وإطلاق العنان لقوى السوق العمياء، في بيئة يغلب عليها طابع الاحتكار،  وحل أزمات الرأسمالية، وبالذات أزمة التضخم، التي لن تتم إلا في ضوء القبول الواسع بالبطالة، وبالتالي قبول التحول من الإفقار النسبي إلى الإفقار المطلق داخل البلدان الرأسمالية، بعد أن تم التخلي تماما عن هدف التوظيف الكامل كأحد مرتكزات الدولة الكينزية".

وبفضل الثورة العلمية والتكنولوجية، دخلت الرأسمالية في عالم حضاري جديد، تتمثل حضارته في المعرفة التي تقوم على المعلومات، بدلا من المواد الخام والوقود والموارد الطبيعية وموارد العمل البسيط للبشر. فأصبحت المعلومات هي المورد الرئيس لثروة المجتمع، وأصبحت القوى المنتجة للمعرفة، هي مفتاح تحديد وتجديد القوى المنتجة للمجتمع، بل أصبحت المعلومات هي الشكل الرئيس لرأس المال.

لقد أحدثت هذه الثورة في الواقع عمليتين معا بالغتي الأهمية، يلاحظ المؤلف: الأولى هي تجديد وتوسيع القوى الإنتاجية، والثانية هي تدويل هذه القوى الإنتاجية، التي من أجل أن تتجدد وتتوسع، لابد من أن تتخطى الحدود القومية لكل بلد من بلاد العالم. ومن ثمة أخذت تتشكل أشكال عديدة من صور التدويل الاقتصادي مثل تدويل رأس المال، وتدويل العمل، وتدويل الأزمة، التي تتحول أكثر فأكثر إلى أزمة عالمية، كونية.

من جهة أخرى، يقر المؤلف بأن البنك الدولي قد صاغ سياسته وبرامجه وتوصياته، انطلاقا من خدمة مصلحة الرأسمالية العالمية، وفلسفة النيوليبرالية التي تعتبر بمنزلة الثورة المضادة للفلسفة الكينزية. فالبنك الدولي، على غرار صندوق النقد الدولي ومنظمة التجارة العالمية، هو أيضا أحد معاقل العقيدة النيوليبرالية. فهو يفرض في كل مناسبة وعلى جميع الدول المقرضة، رضا واشنطن، ويحض على خصخصة الممتلكات العامة والدول، كما يفرض سلطة أسياد العالم الجدد.

من هنا، جاءت المبادىء والسياسات التي قدمها البنك الدولي إلى البلدان المتخلفة، على هيئة نصائح متضمنة لحرية التجارة والاعتماد على قوى السوق والمنافسة، لتشجيع السياسات المتجهة للتصدير، للتخلي عن نزعة حماية الصناعات المحلية، لتنمية وتشجيع القطاع الخاص المحلي والأجنبي، لإلغاء الدعم الحكومي للأسعار وتخفيض عجز الموازنة، للتخلص من القطاع العام، عن طريق تبني إستراتيجية الخصخصة الرأسمالية...وهكذا.

لقد فرض صندوق النقد الدولي نفسه كوزارة مالية، يقول الكاتب، تعمل بقوة وعلى الصعيد الكوني، مهمتها فتح الأسواق الوطنية أمام الاستثمارات الأجنبية، والنهب من قبل البلدان الغربية الغنية، من خلال برامج "الإصلاح الهيكلي"، المقوضة لكل أشكال القيود التي تعيق حرية تنقل السلع، والخدمات، ورؤوس الأموال. وأصبح صندوق النقد الدولي والبنك الدولي أساسا، ونادي باريس الذي يضم حكومات الشمال كدائنة، ونادي لندن الذي يجمع مصارف الشمال الخاصة، والقطاع الخاص (المصارف، صناديق التقاعد، وصناديق التعاضد)، ثم الدول الصناعية الكبرى الثماني، ومنظمة التجارة العالمية، المؤسسة المركزية المتعددة الأطراف للعولمة اللبرالية، التي تفرض تعميم تطبيق مشاريع الإصلاح البنيوي، والتشدد فيها، بوصفها وسيلة لتدجين بلدان العالم الثالث، الفقيرة والمتخلفة.

2- تختلف طبيعة الرأسمالية الجديدة عن الرأسمالية التجارية المركنتلية، التي كانت سائدة منذ بداية القرن الخامس عشر ولغاية الثورة الصناعية الأولى، و هي الأطول عمرا في تاريخ الرأسمالية، إذ تتميز بغلبة البعد الذي تمثله المبادلات التجارية للسلع والخدمات فيما بين الأمم، على ما عداه من أبعاد العولمة الرأسمالية. كما تختلف عن الرأسمالية في ظل الثورة الصناعية الثانية والثالثة، التي تتميز بغلبة حركية إنتاج السلع والخدمات، وليس فقط حركية تبادلها، كما في ظل التشكيلة الرأسمالية الأولى، فضلا عن الدور الذي تلعبه الشركات المتعددة الجنسية، التي تسعى للفوز بأكبر حصة ممكنة من السوق العالمية،  بوصفها الفاعل الرئيس في الاقتصاد المعولم، لا الدولة القومية التي تضطر ليس فقط إلى التخلي عن قطاعات من سيادتها (المناطق الحرة) لمصلحة تلك الشركات، بل كذلك إلى تقديم شتى التنازلات والتسهيلات القانونية والضريبية، لإغراء الاستثمارات الأجنبية ولاستقبال المصانع المرحلة.

إن من الإسقاطات المدمرة لهذه العولمة الرأسمالية الجديدة، يقول الكاتب، إنما تحطيم الجمعي، وتخصيص الخاص والفضاءات العامة والاجتماعية، من قبل السوق، على اعتبار أن العولمة تتصرف كآلية فرز دائمة، تحت تأثير المنافسة المعممة: السوق ضد الدولة، الخاص ضد القطاع العام، الفرد ضد المجموعة، الأنانية ضد التضامن، وهكذا.

من جهة أخرى، يلاحظ المؤلف أنه كانت لسياسات الإصلاح الهيكلي، تحت إسم "توافق واشنطن"، كلفة اجتماعية باهظة. إذ من أجل تشجيع الاستثمار الدولي، دمرت الحكومات في البلدان المتخلفة مجتمعاتها، وعمقت الفوارق الطبقية، وزادت في نمو الإفقار المطلق، من خلال قبولها تخفيض النفقات العامة على الصحة والتعليم، تحت إسم مكافحة العجز في الموازنة. "ففي العديد من بلدان عالم الجنوب، تم تحطيم البنيات الدولتية، وحتى البنيات الاقتصادية والاجتماعية التقليدية. وترافق مع انبثاق هذه الرأسمالية الجديدة، تدمير مذهل لصناعات بأكملها، وللبيئة أيضا... ونمو كبير للجريمة المالية المرتبطة بأوساط رجال الأعمال والبنوك الكبيرة، التي تعيد تبييض كميات كبيرة من المال تتجاوز قيمتها   1000 مليار دولار، أي ما يقارب 20% من كل مبلغ التجارة العالمية وأكثر من الناتج الوطني الخام لثلث الإنسانية.

إن الرأسمالية الجديدة، هي الترجمة العملية للنيوليبرالية، التي تمتلك رؤية اقتصادوية تختزل الإنتاج الاجتماعي في سلع وخدمات، فتغدو مجالات الحياة الاجتماعية هوامش للسوق، ونكون بإزاء ما يسميه إيغناسيو راموني بالتسليع العام، للكلمات والأشياء، للأجسام والعقول، للطبيعة والثقافة، ولما سواها.

إن هذه الرأسمالية الجديدة إنما تشكل قطيعة اقتصادية، وسياسية، وثقافية، كبيرة، حين تضع الشركات والمواطنين أمام

أمر واقع مفروض بالقوة: " التكيف"، أي الاستسلام بملء الإرادة من أجل الخضوع الأفضل للأوامر غير المسماة للأسواق المالية. إنها تقتل سلفا كل طيف مقاومة،  أو حتى تمرد باسم " الواقعية". فمن وجهة نظر هذه الرأسمالية الجديدة تعتبر كل السياسات الحمائية، وكل الأبحاث عن البدائل، وكل محاولات التنظيم الديمقراطي، وكل الانتقادات للأسواق المالية، "رجعية ومتخلفة".

إن إنجيل المنافسة إنما يتلخص، برأي الكاتب، في بضع أفكار بسيطة، تروجها أجهزة الإعلام في الدول الرأسمالية، لكنها ذات أبعاد كارثية: "نحن الآن في حالة حرب تكنولوجية، صناعية واقتصادية، بلا رحمة على الصعيد الكوني، والهدف الرئيس هو البقاء كي لا نقتل، والبقاء يمر عن طريق المنافسة، و خارج سياقها، لا يوجد خلاص على الأمدين القصير والبعيد، ولا نمو، ولا ازدهار اقتصادي واجتماعي، ولا استقلال سياسي".

من هذا المنظور، أصبح الهدف الرئيس للدولة، والمدرسة، والنقابات، والمجالس المحلية في المدن، هو خلق المناخ الأكثر ملائمة للشركات كي تكون أو تصبح، أو تظل، تنافسية في هذه الحرب التجارية الكونية.

إن السخرية هنا إنما تكمن، وفق الكاتب، في أنه بقدر ما تزداد المنافسة يزداد الإقصاء،  فتفقد الأسواق طابعها التنافسي، ويحال دون أن تكون المنافسة هي السلوك الممكن للفعاليات الاقتصادية. الإقصاء بهذه الحالة، لا يقتصر على الشركات، بل يضرب بشكل أساسي الشخصية الإنسانية، والمجموعات الاجتماعية، وبلدانا وشعوبا بأكملها   في عالم الجنوب، إما لأنها لا تمثل أسواقا كبيرة، أو لأنها لا تمتلك "القدرة الثقافية" على السير في حركة العولمة الرأسمالية المتوحشة.

 ليست الشركات، وفق هذه الرؤية، إلا جيوشا تتقاتل من أجل غزو الأسواق، والدفاع عن المواقع المكتسبة. أما قيادات هذه الشركات فهم بمنزلة جنرالات، وإستراتيجيين، يوظفون كل الوسائل لكسب هذه المعركة.

لم تعد الدولة دولة الكل الاجتماعي، ولا التعبير السياسي عن المصلحة العامة الجماعية، بل باتت فاعلا من مجموع فواعل أخرى، مكلف بخلق الشروط الأكثر ملاءمة لمنافسة الشركات، لتتلخص المصلحة العامة في مصلحة الشركات المساهمة العملاقة، التي تخوض الحرب من أجل إعادة اقتسام الأسواق العالمية، طبقا لحصة قوة رأس المال، والبقاء دائما للأقوى.

من البديهي في مثل هذه الحالة، أن تدخل هذه الإيديولوجيا في تناقض عدائي مع كل أشكال الديمقراطية التشاركية، ومع مصالح الشعوب في عالم الجنوب، مصالح الفقراء يقول الكاتب

* "وجه الرأسمالية الجديد"، توفيق المديني، نافذة "قرأت لكم"، 30 يوليوز 2009.

يمكنكم مشاركة هذا المقال