1- لا تبدو العولمة، في طبيعتها وآليات اشتغالها، كما في أبعادها وسلوكيات الفاعلين فيها، فعلا تآمريا صرفا تتحدد دورته الحياتية في حدود الفعل إياه فتزول بزواله. لا تبدو لنا هكذا، بقدر ما تبدو كونها نزوعا " طبيعيا" لنظام في الاقتصاد والسياسة والمجتمع أثبتت الوقائع والأحداث قوته على الاستمرار وقابليته على التأقلم.
وعلى هذا الأساس، فالعنف المصاحب لها (أعني المميز لمسارها) ليس بالقطع، وليد الطبيعة إياها ولا الآلية تلك أو الأبعاد، بقدر ما هو وليد نزوعها (بعد "انتصار الليبرالية" وتأكد قطبية المرجعية السياسية والاقتصادية) لأن تكون " نظام" العالم تفكيرا وممارسة.
هو عنف ملازم لها ملازمته، من ذي قبل، لمرحلتي التدويل وتعدد الجنسية... وسيبقى دون شك سمتها الكبرى مستقبلا أو على الأقل طيلة مرحلة مخاضها باتجاه التعميم والشوملة. وهو "عنف شرعي" بداخلها ومن حولها، لا على اعتبار البنى المؤسساتية التي تشتغل على تكريسه أو بحكم احتمائه بمرجعيات فكرية وفلسفية وغيرها تبرره وتفتح له الطريق، ولكن أيضا باعتباره "الثمن الطبيعي" (أو هكذا يقال) لبلوغ مجتمع الرفاه الاقتصادي والاجتماعي والسياسي والارتقاء إلى " مجتمع الوفرة".
ولئن تمظهر العنف إياه واختلفت أشكاله وتلوناته (باختلاف الهدف واختلاف الوسيلة لبلوغه)، فإنه لا يخرج عن نطاق كونه إكراها مباشرا أو رمزيا يمارس على منظومة الاقتصاد كما يمارس على منظومتي السياسة والثقافة سواء بسواء.
2- بالتالي، فلو كان لنا أن نقف عند تمظهرات الإكراه هذا والأشكال المميزة له تلك، لوقفنا إجمالا عند ثلاثة إكراهات لا حدود بينها إلا حد المنهج:
- الإكراه الأول، إكراه اقتصادي محض، يتمثل العنف بداخله في مفارقة "ازدياد الثروة الكونية بازدياد الفقر والتفقير" لا بين الدول المتقدمة والدول الأقل تقدما فحسب، بل وأيضا داخل الدولة الواحدة بالشمال كما بالجنوب.
لم تعد الإحصائيات عصية على التفسير، إذ ثروة الكون العامة تزداد باضطراد بازدياد الإنتاجية وتوظيف التكنولوجيا المتقدمة وابتكار سبل صناعة الغذاء بفضل البيوتكنولوجيا وتقنيات تحويل الجينات وغيرها، في حين تتزايد بكل مناطق العالم (بما فيه العالم المتقدم) فاقة الجوع وسوء التغذية وقلة الموارد المائية وما يصطحب ذلك من أمراض "بدائية" ووفيات أطفال وتدني سبل الحماية والعلاج وما إلى ذلك.
ليست المفارقة إياها وليدة العولمة ولا مقتصرة عليها، لكن الملاحظ أنها استفحلت في ظلها لتصل عشرات المرات عوض انحسارها (من قرن مضى) في حدود دنيا "معقولة ومقبولة".
بالتالي، فلم تعد "الهوة في الثروة" مسألة عرضية في النظام القائم (نظام العولمة قياسا إلى سابقيه) بقدر ما تحولت إلى ظاهرة بنيوية لم تزدها سياسات الدول الكبرى وشركاتها المتعددة الجنسيات والمنظمات الدولية (التجارية والمالية) والحكومات المحلية إلا تعمقا وتجدرا.
فمنظومة اقتصاد السوق (المنبنية على ليبيرالية الأسواق وانفتاحها والمطالبة بالإقصاء النهائي للدولة كفاعل اقتصادي...الخ) لم تكتف بتكريس "ديكتاتورية السوق" (على حساب دور "الدولة الحامية")، بل تعدت ذلك إلى المطالبة بتحويل الفضاء الكوني إلى فضاء للمتاجرة لا سيادة لغير مبدأ العرض والطلب من بين ظهرانيه.
وعلى هذا الأساس، فسياسات اللاتقنين والتحرير والخوصصة، المطالب نهجها عالميا واعتمادها كأداة من أدوات "الحاكمية الجديدة"، لا تقتصر فقط على مكونات السوق الإنتاجية والصناعية بل تذهب لحد قطاعات (كالصحة والتعليم والماء وسواها) لم يكن من الوارد يوما (لدى العديد من نخب العالم الحاكمة) إسقاطها في ميدان المتاجرة المباشر.
لا سبيل للحديث هنا عن عنف العولمة كرمز: إذ هو إكراه بدني خالص للدول والحكومات والشركات الكبرى والمنظمات الدولية على الدول نفسها (العديد من دول العالم) وعلى مواطنيها أفرادا وجماعات في حلهم كما في ترحالهم عبر الحدود وبين الدول.
- الإكراه الثاني، إكراه سياسي خالص تنصهر بموجبه كل منظومات العالم السياسية في "الأفضل" ضمنها أي في الأقوى منها.
لا يكمن العنف هنا في المطالبة ب " ضرورة" انتقال كل أنظمة الحكم إلى "المهيمن" من حولها ( أعني نظام الليبيرالية السياسية أو الديموقراطية الليبيرالية)، بقدر ما يكمن في تغييبه المقصود لخصوصيات الدول والشعوب وصرف النظر عن الإمكانية الواردة لديها في استنبات نظم حكم مغايرة أو نقيضة لها.
لا يقل الأمر عنفا عندما لا تتوانى العولمة في تزكية أنظمة للحكم لا تمت ممارساتها السياسية للديموقراطية الليبيرالية هاته (أو لأي نوع من "الديموقراطيات") بصلة تذكر، فتراها (أي العولمة) تغض الطرف عن احتكار ذات الأنظمة للسلطة ولا تعير أدنى اعتبار لقيم المواطنة أو لحقوق الإنسان أو لمبدأ التناوب الحر على الحكم أو لغيرها.
لن يكون العنف السياسي هنا مبتغى لذاته أو هدفا في حد ذاته إن اعتبرته العولمة (وفاعلوها) رافدا ليس إلا من روافد الإكراه الاقتصادي حيث الأخير بالمحصلة، هو المطلب وهو الغاية. إذا لم يكن الأمر كذلك فما السبيل لاستقراء إمعان الدول الكبرى (وشركاتها العابرة للحدود) في تمرير مشروع "الاتفاق المتعدد الأطراف للاستثمار" والذي لا يخرج عن كونه توجها بجهة إمكانية مقاضاة الدول والحكومات كمؤسسات سياسية أمام فاعلين خواص ذووا أهداف فردية أو فئوية؟
لا سبيل لاستقراء ذلك، نرى، سوى سبيل فتح الدول والحكومات إياها لحدودها وتكييف تشريعاتها بما يخدم سياسة المضاربات المالية المقتنية للشبكات، وتقنين ممارسات الإجرام المالي وتبييض الأموال السوداء والترخيص بالمتاجرة في الجنس البشري (لاعتبارات تنافسية كما يقال) وإباحة بيع الأعضاء الإنسانية وما إلى ذلك.
هو عنف لن يصبح الاحتكام فيه لتشريعات تتجاوز الأفراد والدول، بقدر ما ستصبح الغلبة بمقتضاه لأفراد ولمجموعات (الشركات الكبرى) ولمنظمات (منظمة التجارة العالمية وغيرها) لم تستنبط سلطها ومصداقيتها من الشعوب، بل من الذين (أعني السبع الكبار) يصيغون لها التشريعات وتتكفل هياكلها بالتبرير والتنفيذ.
- الإكراه الثالث، إكراه ثقافي بامتياز، لا يمارسه عنف العولمة على منظومات القيم القائمة كهدف في حد ذاته، بقدر ما يستوظفه لخدمة الإكراهين السابقين، إذ لا تبدو الجدوى، للعنف إياه، من استهداف منظومة للقيم لمجرد كونها بمحاذاته أو على مشارف "حدوده"، بل الجدوى كامنة في انصياعها كأداة من أدوات اقتصاد السوق المتشكل وكوسيلة لبناء النظام السياسي المراد قيامه.
بالتالي، فليس المطلوب من الإكراه هذا توحيد منظومات القيم لمجرد رغبة في التوحيد، بقدر ما يستهدف من خلالها إذكاء نعرة الاستهلاك الثاوية من خلفه والدفع بإيديولوجيا الاستهلاك إلى حدودها القصوى.
لن يطال العنف هذا ولا الإيديولوجيا تلك خمس البشرية القابع في الفاقة والجوع ولا توسيع نطاقيهما إلى ملايين الفقراء بكل جهات العالم، بل سينحصر مفعولهما في طبقات المجتمعات العليا أو التي لها قابلية للاستهلاك أو ذات القدرة على الانخراط في "مجتمعات الاستهلاك".
قد لا يبدو الأمر مثار استغراب عندما نلاحظ، بالعديد من دول العالم الثالث مثلا، تزايد العديد من أنماط وسلوكيات الاستهلاك الدخيلة بالفضاء الخاص كما بالفضاء العام سواء بسواء.
وقد لا يبدو مثار دهشة أيضا عندما نلاحظ خوصصة المرافق العمومية الكبرى (التي كان السكان أمامها سواسية إلى حين عهد قريب) فتصبح حكرا على شرائح من المجتمع محدودة في تعذر بلوغها من لدن الشرائح العريضة.
3- لا يمكن، في زعمنا، تصور عنف أكثر من الذي تمارسه العولمة ضدا على الدول والشعوب وضدا على حقها في الاختيار. ولا يمكن تمثل إكراه أقوى من الذي تتبناه العولمة الليبيرالية ضدا على منظومات القيم وأنظمة التكافل ومبادئ التضامن.
ما الجدوى إذن من الحركات الاحتجاجية، الضمنية كما العلنية، التي لم تحل، في تقييم أولي مؤقت، لا دون ممارسات الدول الكبرى وشركاتها والمنظمات الدولية التي تدور في فلكها وتأتمر بأوامرها، ولا دون الاجتماعات الدورية للدول الغنية التي تبث في حاضر الاقتصاد العالمي وفي مستقبله؟
قد لا يصل طموح "المنظمات" المناهضة للعولمة إلى حدود كبح جماح العولمة أو إيقاف جنوح الظاهرة إياها بجهة التضييق عليها. وقد لا يصل إلى حدود التقليص من مد "العولمة السعيدة" التي بشر بها الفكر الليبيرالي وترجمتها حكوماته إلى قوانين وتشريعات. لكنها مع ذلك نجحت وإلى حد بعيد، في إثارة الانتباه إلى الانعكاسات الآنية والمستقبلية التي من شأنها " تسليع العالم" و " تبضيع الثقافات" وتحويل الحق في الاختلاف من قيمة عالمية إلى معطى تندغم في صلبه الخصوصيات والتمايزات.
هو مسار "حتمي ولا رجعة فيه" يقول المنادون بالعولمة، ولا سبيل، يقول هؤلاء، لتجنبه لا فقط بحكم نزوع الظاهرة إياها إلى "الانتشار" والتوسع، ولكن أيضا على اعتبار أن "لا بديل عنها" أو هكذا يشاع.
وعلى هذا الأساس، فلم يحل ما تعرضت له الولايات المتحدة في الحادي عشر من شتنبر مثلا دون اجتماع السبعة الكبار بالدوحة، ولا دون إمعانهم في تكريس التبادل الحر والتجارة الموسعة كمسلك وحيد للتنمية حتى في الثبوت النظري لانفصام العلاقة بين التجارة الخالصة وسبل التنمية الاقتصادية.
ولم تحل المخاطر (الاقتصادية والسياسية والبيئية وغيرها) التي نتجت جراء البحث المتزايد للمائتي شركة متعددة الجنسيات عن الربح السريع دونما اعتبار يذكر لتزايد التلوث واستخدام الأطفال وغيرها، لم يحل دون التكريس المستمر لعنف العولمة على الدول والحكومات وعلى الأفراد والجماعات سواء بسواء.
هل معنى هذا أن العنف المتزايد بين الدول وداخلها هو من عنف العولمة لا نتاج ظواهر أخرى محددة؟
ليس من المستبعد ذلك على الإطلاق، فما وقع من تفجيرات بالولايات المتحدة قد لا يخرج عن نطاق كونه مظهرا من مظاهر الاحتجاج على العولمة الاقتصادية ...والعسكرية التي أمعنت الولايات المتحدة في الدفع بها إلى أقصى الحدود وبكل جهات العالم تقريبا.
من هنا فقد لا تخرج عمليات الاحتجاج هاته حتى داخل الدولة الواحدة عن هذا النطاق: فتعرض المواطنين للعديد من رموز العولمة بفرنسا وبسويسرا وبإيطاليا (كما بالعديد من دول العالم الثالث) هو أيضا مظهر مباشر من مظاهر الرد على عنف العولمة. بالتالي فطالما سايرت العولمة الليبيرالية هاته نزوعها "الاستعماري"، فإنها لن تسلم، حالا كما في المستقبل، من ردود الفعل الجماهيرية وبعنف قد يوازي عنفها وقد يتجاوزه بكثير.
* "في عنف العولمة"، 7 دجنبر 2001.