لربما لم يكن حزب الله يدرك (في أعقاب أسره لجنديين إسرائيليين من وراء الخط الأزرق) أن حجم رد إسرائيل سيأتي بكل الدمار والخراب اللذان عرفهما لبنان بشرا وشجرا وحجرا، منذ الثاني عشر من يوليوز من العام 2006، حتى وإن كان مدركا أن ردها سيكون عنيفا، قاسيا، موجعا، ومباشرة بعد عملية الاختطاف.
ولم تكن إسرائيل بدورها، ومن خلفها معظم دول الغرب وبعض من العرب، تدرك جيدا أن مواجهتها مع حزب الله ستطول وتتعقد، وتتجاوز ما عهدته في حروبها الخاطفة الماضية حيث بات شبه مؤكد لديها أن خروج جندها للحرب إنما كمن يخرج لنزهة صيد تمتزج فيها متعة الاصطياد بيسر الغنيمة.
وعلى هذا الأساس، فإذا بات من الثابت اليوم أن نقطة انطلاق المواجهة بدأت يوم أسر الجنديين وخطاب حسن نصر الله أن ليس ثمة بالكون من يستطيع تخليصهما بالقوة (اللهم إلا بصفقة تبادل أسرى)، فإنه ثبت أيضا بمجريات المعارك على الأرض أن أمد هذه الأخيرة طويل بالتأكيد، ونتائجها غير مضمونة، والأهداف الكبرى المحددة لها (أو المتوخاة منها) بعيدة المنال، والنزهة المراهن عليها طاولها السراب والنغص:
+ فإسرائيل لم تستطع (لأكثر من شهر من الزمن) إركاع حزب الله أو تجريده من سلاحه أو إبعاده عن شمال إسرائيل أو تدمير مقدراته العسكرية أو تخليص الجنديين حتى. بالعكس، فكلما اشتد سعير الحرب ازدادت قوة الحزب على ضرب المدن الإسرائيلية، وتدمير المركبات، وقتل الجنود بالجملة، ومنع عناصر النخبة ضمنهم من دخول البلدات والقرى، حتى في عدم مراهنة المقاومة على الأرض وعلى الجغرافيا.
+ والولايات المتحدة، التي راهنت على الحرب إياها وهيأت لها السبل لاستنبات " شرق أوسط جديد" في أعقابها، لم تستطع المكابرة كثيرا (حتى بتزويدها المستعجل لإسرائيل بالقنابل الذكية)، فسلمت بعد شهر من المعارضة والمراوغة، بوقف العمليات الحربية والعمل بالأمم المتحدة على تمكين حليفتها بالأداة السياسية (بالقوة الناعمة يقول الأدميرال ناي) لتدارك ما لم تغنمه بقوة العسكر الخشنة.
+ والنظام العربي الرسمي استنكر عملية اسر الجنديين واعتبر عمل المقاومة هذا عملا "مغامرا"، فسوغ بتحصيل حاصل، للحرب على لبنان، ولزم الصمت المطبق وهو يرى آلة الدمار الإسرائيلية وقد سوت بلدات الجنوب بالأرض، وحولت كل لبنان إلى جحيم ما أنزل الله به من سلطان في تاريخه الحديث والمعاصر.
وعلى الرغم من تباين رهانات هذه الجهة أو تلك على هذه الحرب، ودرجات التبني لاستمرارها جهارة أو بالصمت الكامل أو بالتصريح المجامل المضبب، فإن كل الأطراف تساوقت لاعتبار الحرب إياها، إما مدخلا لمشروع أوسع (مشروع أمريكا " للتوجه بسرعة صوب سوريا وإيران")، أو أداة للحؤول دون توسع نطاق "الفيروس الشيعي" (بدول الخليج تحديدا) أو، وإن بالضمن المضمر، سبيلا للتخلص من النفوذ المتزايد لحزب الله و"بسط سلطة الدولة اللبنانية على كل التراب الوطني"، كما أشاعت ذلك مجموعة 14 آذار طيلة الحرب، وشددت على مطلبها هذا فيما بعد، حتى وجزء كبير من اللبنانيين ومن عناصر المقاومة لا يزال تحت الأنقاض والنازحون مشتتون، يلتحفون السماء ليل نهار.
لو سلم المرء بما سبق من كلام، فإنه سيسلم بالتأكيد بأن الحرب على حزب الله (وعلى لبنان بجريرة هذا الأخير يقول البعض) إنما كانت مرادة ليس بحد ذاتها أو كغاية، بقدر ما مثلت الوسيلة الأنجع من لدن هذا الطرف أو ذاك لإدراك غاية، أو التمهيد لفكرة أو التخلص من غريم يحتكم على ناصية السلاح ويملك من الدهاء السياسي الشيء الكثير.
بالتالي، فإذا بات من الثابت أن حزب الله هو الذي دشن للحرب، باختطافه للجنديين من داخل إسرائيل، فإنه من المبالغة حقا الزعم بأنها لم تكن آتية. إنها كانت حتمية، وكانت من مدة طويلة، مرتبة ومهيأ لها، بل مستعجلة ومطلوبة بإلحاح من لدن جل الأطراف المذكورة، ولم تكن عملية الاختطاف عنصرها المحدد، بقدر ما كانت فتيلها والزناد الذي فجر شرارتها.
ولما كانت العمليات الحربية قد وضعت أوزارها (دونما أن يستتبع ذلك وقف لإطلاق النار)، فإن معظم تقييمات ما جرى طيلة أكثر من شهر، غالبا ما تطرح الحصيلة العامة وفق معادلة النصر والهزيمة التي حققها هذا الطرف أو ذاك بساحة القتال.
وإذا كان بالإمكان الجزم بأن المواجهة لم تفرز نصرا مطلقا أو مباشرا لهذه الجهة أو تلك على اعتبار أن وقف العمليات لم يتأتى من استسلام جهة أو إقرارها بالهزيمة دونما مواربة، فإنه بالإمكان ملامسة بعض عناصر المعادلة إياها وفق زاويتين اثنتين: من زاوية الاستبسال بأرض المعركة أولا، ومن زاوية التداعيات السياسية للمواجهة كما عبر عنها قرار مجلس الأمن 1701 من ناحية ثانية.
+ بالزاوية الأولى، نستطيع القول إن استبسال المقاومة اللبنانية، وصمودها لأكثر من ثلاثين يوما أمام أكبر قوة عسكرية بالمنطقة، وتكبيدها لها خسائر كبرى، ونجاحها في ضرب شمال إسرائيل حتى بادعاء هذه الأخيرة أنها دمرت ثلثي ترسانة حزب الله، إنما يشي حقا بأن المقاومة حققت نصرا حقيقيا بجهة إلحاق اشد الأذى بالخصم، كما بجهة الصمود بالميدان، كما بجهة الاستمرار في التواجد بالبلدات والقرى بعد توقف العمليات الحربية الكبرى.
صحيح، بميزان التدمير، أن لبنان قد بلغه الخراب الواسع، وقوضت مفاصله وضربت بناه المادية والبشرية بمستويات عالية، لكن ذلك كان من لدن إسرائيل من باب الانتقام المباشر من شعب التف علانية حول المقاومة، ومن منطوق الضغط على هذه الأخيرة عبر تفجير"النقمة الشعبية والطائفية" بوجهها، أو حجب الغطاء الجماهيري الذي أفرزته بالداخل كما بالخارج سواء بسواء.
لم تكن المقاومة تراهن، منذ اليوم الأول من المواجهة، على احتلال جزء من إسرائيل أو إخراج جنودها بالقوة من مزارع شبعا (من ذا الذي يستطيع ذلك في هذا الزمن العربي الرديء؟)، بقدر مراهنتها على الوقوف بوجه جيش مدجج بأرقى التكنولوجيا العسكرية، ولا يأبى بجيوش نظامية مشابهة ومجتمعة، فما بالك بمجموعة من المقاومين.
لم تنتصر إسرائيل على حزب الله إذن، على الأقل بالاحتكام إلى هدفها في تقويض سلاحه، أو دفعه إلى شمال الليطاني، أو تفكيك بناه العسكرية أو تدمير منصاته لإطلاق الصواريخ.
ولم تنجح في تأجيج الشعب اللبناني عليه، تماما كما لم تنجح في استهداف قياداته...
بالتالي، فالتدمير الشامل الذي عمدت إليه طائراتها، إنما يدخل في باب العقاب الجماعي... في باب الهمجية العسكرية والشذوذ الأخلاقي الذي تلجأ إليه إسرائيل عادة عندما تبيح لطياريها، تحت ضغط اليأس، التلذذ بقصف مواقع مدنية، يذهب ضحيته أناس أبرياء من الأطفال والشيوخ والنسوة كما بقانا والقاع وما سواهما.
+ بالزاوية الثانية (زاوية قراءة المواجهة بناء على ما ورد ب 1701)، يبدو أن القرار إياه لم يتحدث عن تفكيك سلاح الحزب (حتى بإشارته للقرار 1559)، بقدر تشديده على ضرورة نشر الجيش اللبناني بالجنوب في إطار " بسط سلطة الدولة اللبنانية على كل التراب"... مع استبعاد باقي مظاهر السلاح الأخرى...
وهو قرار لم يمانع به الحزب، بل تبناه جملة وتفصيلا، على خلفية أن الجيش اللبناني هو جيش وطني بامتياز وليس جيش مرتزقة... والجيش بدوره باشر بالانتشار، ارتكازا على أوامر من قيادته مفادها أن يتم ذات الانتشار بالتنسيق مع المقاومة بعين المكان.
ليس ثمة إذن ما يدعو للاعتقاد بأن الجيش النظامي سيكون، بمحصلة الانتشار، حاميا لحدود إسرائيل الشمالية، بقدر تطلعه لاستكمال المرابطة هناك بغاية حماية الحدود الوطنية للبلاد، تماما كأي جيش بالعالم: هو جيش كباقي الجيوش تأكيدا، لكن الاستثناء من بين ظهرانيه أنه سيلتحم حتما مع المقاومة في حال تعرض الوطن لمخاطر الغزو أو لتحرشات التهديد .
بهذه النقطة من القرار تحديدا، يبدو لنا أن المقاومة هي المنتصرة أيضا، على الأقل من وجهة نظر محافظتها على سلاحها، حتى وإن بدا أمر انتشار الجيش اللبناني بالجنوب نصرا لإسرائيل لطالما طالبت به منذ هروبها في العام 2000، وفيما بعد بناء على القرار 1559.
لقائل يقول (والقائل الأكبر هنا مجموعة ال 14 آذار والعديد من كتبة الرأي و"خبراء" الفضائيات): أين وجه النصر بهاتين الزاويتين ولبنان مدمر عن بكرة أبيه، والنازحون يقدرون بمئات الآلاف، والضحايا الأبرياء بعشرات المئات، وتكاليف إعادة البناء تقدر بالملايير وجزء من البلاد، فوق كل هذا وذاك، أضحى تحت الاحتلال؟ إذا كان مقياس النصر هو ما لحق لبنان من دمار وخراب، يتابع القائل، فما مواصفات الهزيمة إذن؟
وأين، يقول القائل دائما، أين مظاهر الانتصار على جيش لا يزال بعض من جنوده بالجنوب، وبوارجه الحربية تحاصر البلاد بحرا، وطائراته تجول طولا وعرضا فوق سمائه... والبلد، فوق كل هذا وذاك، غدا بين فكي إسرائيل وتحالف " سوريا وإيران"؟
وهو تساؤل له وجاهته، ويقبل به لبنان الديموقراطي على أية حال، لكن نقطة ضعفه (بصرف النظر عما جرى) إنما تكمن في مداراته لحقيقة أن إسرائيل لن تكف عن استهداف لبنان (وهو المنافس المباشر لها بالمنطقة اقتصاديا وسياسيا) لا حاضرا ولا مستقبلا، إلا إذا توفرت لهذا الأخير القدرة على ردعها بالقوة، ليس ضرورة بجانب إلحاق الهزيمة بها، ولكن تحديدا بجهة دفعها إلى التفكير مليا فيما قد تجنيه من تكاليف إن هي أقدمت على التفكير، مجرد التفكير في ضرب لبنان أو غزوه أو احتلاله.
بالمحصلة الأولية إذن نقول: بصرف النظر عن التباين في الرأي أو النظرة أو زاوية التقييم، فإن الواضح الجلي دون شك، أنه لو تم الخلاف حول المستفيد الأكبر من مواجهة حزب الله لإسرائيل، فإنه لن يكون ثمة خلاف كبير حول اعتبار أن المقاومة انتصرت، بكل تأكيد، من وجهة النظر الأخلاقية.
والانتصار إياه لا يمكن تلمسه فقط من خلال عدم استهداف المقاومة للمدنيين الإسرائيليين (اللهم إلا كرد فعل)، ولكن أيضا في شروعها بتعويض الضحايا والمتضررين، تماما كما وعد أمين عام حزب الله بذلك. هل ثمة نصر أكثر من نصر الالتزام... هذا الذي تفتقده إسرائيل في حروبها كما في سلوك قاطنيها...حتى فيما بين بعضهم البعض؟
* "معادلة النصر والهزيمة في مواجهة حزب الله لإسرائيل"، التجديد العربي، 21 غشت 2006، جريدة التجديد، الرباط، 22 غشت 2006، القدس العربي، 2-3 شتنبر 2006، موقع الحلم العربي، 3 شتنبر 2006.